2026-03-07 04:00 م

العرب بين إيران وإسرائيل

2026-02-09

بقلم: مصطفى الفقي
كان قيام الجمهورية الإيرانية الإسلامية في فبراير 1979 إيذاناً بميلاد نوعية خاصة من الاضطراب السياسي والخلط الديني، ذلك أن إيران قد بدأت تفكر بمنطق مختلف يقوم على تصدير الثورة وإحياء المشاعر الدينية والأخذ بدرجة كبرى من التطرف الذي لا مبرر له، ويكفي أن نتذكر حال المنطقة قبل قيام الثورة الإيرانية لكي ندرك أن الإسلام الحنيف براء منها وبعيد منها، فقد كان التعايش المشترك قائماً على رغم مظالم الغرب وسطوته على الشرق، وعبثه بالمقدسات واستيلائه على أرض فلسطين، ولكن الصراع في مجمله كان سياسياً بين الوطنية والعروبة في جانب وجنوح التطرف والتعصب في جانب آخر.

أكتب اليوم تحت هذا العنوان شديد الحساسية بالغ التعقيد قبل أن يبدأ أزيز الطائرات وسقوط القنابل وانطلاق الصواريخ، راجياً أن تتمكن المنطقة من تجاوز هذه الحالة الصعبة والخروج من هذا المأزق الذي فرضه الغرب (الترمبي) مع التعصب الديني والتشدد السياسي على الجانب الآخر، حتى أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من مواجهات طويلة وجرائم بلا نهاية، إذ نسمع كل صباح عن حصاد عدد من الشهداء على الأرض العربية في صدام لا يتوقف بخاصة أن وصول ترمب إلى السلطة أصبح يعني مفاجآت يومية وصراعات دموية وقدرة هائلة على المواجهات المستمرة.

نحن أبناء الشرق الأوسط نعيش أصعب سنوات عمرنا وأعقد مراحل حياتنا، لأن القدر شاء أن تجرنا التغيرات الدولية والتحولات الإقليمية إلى مواقف شديدة الصعوبة بالغة التعقيد، فإذا كانت القضية الفلسطينية هي أم القضايا، وهي قميص عثمان الذي يرتديه كل من يريد أن يعبث بمقادير هذا الإقليم الذي يتوسط العالم ويقف على خطوط الاتصال البحري والمواصلات البرية في عالم اليوم، فإننا نتفهم جيداً أسباب ذلك التكالب عليه والرغبة الشديدة في تحقيق أكبر قدر من المكاسب في ظل الظروف الراهنة التي لا أبالغ عندما أقول إنها أقرب إلى طبول الحرب منها إلى أهازيج السلام.

لقد استيقظت النعرات التاريخية وانتشر خطاب الكراهية وظهر التعصب الذي كنا قد ابتعدنا منه منذ عدة قرون ليطل علينا التطرف بوجهه الكئيب من الجانبين معاً المشرق والمغرب، الشمال والجنوب، الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في جانب والشرق العربي المسلم في جانب آخر، وأنا لا أزعم أن هناك ملائكة وشياطين، فليس لدينا أمام إبليس من يمكن أن نسميه بالقديس، إذ إن شهوة الاستقطاب والتصعيد اليومي والرغبة في تأجيج الصراعات وسكب الدماء لا تقف في مجملها عند حد معين، ولا يزال نفير الحرب ينشر المخاوف ويبعث على التشاؤم.

الذي يعنينا في هذا المقام هو الإجابة عن سؤال مُلح عن كيفية تصرف العرب في ظل هذا المأزق الذي يضعهم دوماً في بؤرة الأحداث ويحملهم مسؤولية جرائم لم يرتكبوها، ولكن الذي صنعها وصاغ إطارها إنما هو المشروع الصهيوني البعيد الذي استطاع استقطاب دول كبرى وتمكن من خنق الشرعية وإحلال منطق القوة بديلاً عن الحق، حتى أصبح سكان الكوكب يعيشون في ظل شريعة الغاب على رغم التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي وتحقيق قفزات هائلة في ميادين العلم والمعرفة ومجالات الاكتشاف والاختراع، وعندما تقترن سطوة الحكم بقسوة السلطان فإننا نكون إزاء حائط صد لا يمكن توقع ما وراءه، ولعلي أطرح هنا بعض الاعتبارات الداعمة لما نقوله حول احتمالات المواجهة التي بدأت بوادرها تطل على ميادين القتال ومواقع إطلاق الصواريخ في عمليات مخيفة يلوح فيها بعض الأطراف باستخدام السلاح النووي دون حسابات دقيقة أو مراعاة لمستقبل البشرية. وهذه النقاط يمكن إيجازها فيما يلي:

أولاً: لم يواجه العالم الإسلامي حالاً من التضييق السياسي والإعلامي، فضلاً عن العسكري أكثر مما يواجه حالياً، فإذا كان اليهود يتحدثون صباح مساء عن العداء للسامية فإننا نذكر الجميع بظاهرة "الإسلاموفوبيا" التي يروج لها الغرب لتصبح خنجراً طاعناً في قلب الإسلام الذي يدعو إلى التسامح ويعترف بالآخر ويقبل التعايش المشترك مع أبناء الجنس البشري من دون تفرقة بسبب دين أو لغة أو جنس أو أصل. فالإسلام لا يعرف التشدد والتعصب ولا يقبل التطرف أو الغلواء، ولكنه يتعايش مع غيره من الأديان والثقافات، بل والحضارات الأخرى على نحو يدعو إلى ضرورة الفهم الصحيح لفلسفة ذلك الدين تجاه قضايا التحرر الوطني والعدالة الإنسانية والشرعية الدولية.

اندبندنت عربي