2026-03-07 02:12 م

الدستور الفلسطيني بين متطلبات الخارج وغياب التفويض الشعبي

2026-02-07

بقلم: نبهان خريشة
 يجري الحديث عن إعداد دستور فلسطيني جديد، هذه المرة في ظل ظروف سياسية ومؤسسية هي من بين الأكثر تعقيداً وهشاشة في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر. ورغم أن فكرة الدستورمن حيث المبدأ، تمثل لحظة سامية في مسار بناء الدول وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، إلا أن السياق الذي يطرح فيه هذا المسار الدستوري اليوم يثير تساؤلات عميقة ومشروعة حول الغايات الحقيقية منه، وحدود شرعيته السياسية والقانونية، وما إذا كان يشكل خطوة تأسيسية نحو إعادة بناء النظام السياسي، أم مجرد إعادة ترتيب شكلية للواقع القائم تحت عناوين إصلاحية.

الدستورفي التجارب الديمقراطية وحتى شبه الديمقراطية، لا يكتب في الغرف المغلقة ولا يعد بقرارات فوقية. هو نتاج عملية تأسيسية تشاركية، تشترك فيها قوى المجتمع الحية وممثلون منتخبون تفويضهم مستمد من الشعب، وتُفتح خلالها نقاشات عامة واسعة تعكس التعدد السياسي والفكري والاجتماعي. والأهم من ذلك أن الدستور لا يكتسب شرعيته النهائية إلا عبر استفتاء شعبي عام، يمنح النص الدستوري قبوله السياسي والأخلاقي، ويحوله من وثيقة قانونية إلى عقد اجتماعي ملزم.

غير أن الحالة الفلسطينية الراهنة تقف على النقيض من هذا النموذج. فنحن أمام فراغ دستوري ومؤسسي واضح: مجلس تشريعي معطل منذ سنوات طويلة وانتخابات عامة غائبة، وسلطات ثلاث ( تنفيذية وتشريعية وقضائية ) تتركز عملياً في يد واحدة عبر منظومة من المراسيم والقرارات الاستثنائية. في هذا السياق المختل، يصبح السؤال الجوهري: من يملك الحق في صياغة دستور جديد؟ وبأي تفويض سياسي أو شعبي؟ وهل يمكن لنص دستوري أن يولد شرعياً في غياب الإطار الذي يمنحه هذه الشرعية؟

إن خطورة المسار المطروح لا تكمن فقط في غياب التمثيل الشعبي، بل في الطريقة التي يدار بها: إعداد في الكواليس، بلا شفافية وبلا إعلان واضح عن تركيبة الجهة التي تصيغه، أو المرجعيات التي تستند إليها، أو السقف السياسي الذي يحكم عملها. والأسوأ من ذلك أن المؤشرات كافة توحي بأن هذا الدستور (إن أنجز) لن يطرح للاستفتاء الشعبي، ما يعني عمليا حرمان الشعب الفلسطيني من حقه الطبيعي في إقرار الوثيقة التي ستحدد شكل نظام الحكم، وتوزيع السلطات والحقوق والحريات العامة.

في هذا الإطار يصعب فصل مشروع الدستور عن الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة التي تمارس على السلطة الفلسطينية تحت عناوين "لإصلاح السياسي والإداري". فالدعم المالي والسياسي بات مشروطاً بإجراءات محددة: تعزيز الشفافية وتقليص الصلاحيات وإعادة هيكلة الحكم. من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على الإصلاح، بل هو مطلب شعبي قديم. لكن الإشكالية تكمن في أن الدستوربوصفه أعلى مرجعية قانونية، يجري توظيفه هنا كأداة استجابة لشروط خارجية، لا كنتيجة لنقاش وطني حول حاجات المجتمع الفلسطيني وتطلعاته السياسية.

وهنا يبرز خطر حقيقي وهو أن يعكس الدستور الجديد رؤية الجهات الضاغطة أكثر مما يعكس الإرادة الشعبية. أن يصاغ بمنطق إدارة الأزمة لا حلها، وبمنطق الضبط السياسي لا التمكين الديمقراطي. دستور يرضي الممولين، لكنه لا يعالج جذور الاختلال في بنية النظام السياسي الفلسطيني، ولا يضع أسساً حقيقية للمساءلة وتداول السلطة.

في الواقع المشكلة الفلسطينية ليست في غياب النصوص الدستورية، بل في تعطيلها المنهجي. فالنظام الأساسي الفلسطيني، الذي يفترض أنه يشكل دستورا مؤقتا، لم يفشل لأنه نص قاصر، بل لأنه جُرد تدريجياً من مضمونه. جرى الالتفاف على مواده عبر المراسيم الرئاسية، وتآكل مبدأ الفصل بين السلطات، وتهميش الرقابة البرلمانية وإفراغ القضاء من استقلاليته. هذا الواقع يطرح سؤالاً بديهياً: ما الذي يضمن ألا يلقى الدستور الجديد المصير ذاته؟

إن استبدال نص بنص آخر دون تغيير موازين القوة وآليات الحكم، لا يعني إصلاحاً بل إعادة إنتاج للأزمة بصيغة قانونية جديدة. بل قد يتحول الدستور الجديد إلى غطاء قانوني يمنح المشروعية لما هو قائم، ويحصن السلطة بدلا من تقييدها، ويحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة. عندها يصبح الدستور أداة إغلاق سياسي لا أداة فتح ديمقراطي.

وتزداد هذه الإشكاليات تعقيدا حين نضعها في سياق الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. فكيف يمكن الحديث عن دستور يوحد النظام السياسي المنقسم ونظامين قانونيين مختلفين، وغياب توافق وطني شامل؟ إن أي دستور لا يكتب بإجماع وطني واسع، ولا يطبق على كامل الأرض الفلسطينية، سيبقى نصا منقوصا، وربما مثارا لمزيد من الانقسام بدل أن يكون إطارا للوحدة.

ولا يمكن إغفال العامل الأكثر جوهرية وهو استمرار الاحتلال وغياب السيادة الفعلية. فالدساتير عادة تكتب في لحظات تأسيسية مستقرة نسبيا، حين تمتلك الشعوب القدرة على إنفاذ قوانينها وحماية نظامها السياسي. أما في الحالة الفلسطينية، حيث تخضع الأرض والمعابر والموارد والسياسات الأمنية لهيمنة الاحتلال، فإن السؤال لا يكون فقط عن جودة النص الدستوري، بل عن قابليته للتطبيق. ما قيمة دستور يضمن حقوقا وحريات لا يمكن ممارستها، أو ينظم سلطات لا تمتلك سيادة حقيقية؟

من هنا، يبدو أن التوقيت ذاته موضع شك. فبدلاً من أن يكون الدستور تتويجا لمسار وطني شامل، يأتي في لحظة انهيار الثقة بين المواطن والمؤسسات، واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش. وفي مثل هذه اللحظات، يخشى أن يتحول الدستور من أداة تأسيس إلى أداة تجميل، ومن عقد اجتماعي إلى وثيقة إدارية.

لا يعني هذا رفض فكرة الدستور من حيث المبدأ، بل رفض الطريقة والسياق والغايات. فالدستور الفلسطيني المطلوب هو ذاك الذي يولد من رحم إرادة شعبية حرة، في إطار عملية تأسيسية شاملة، تبدأ بإنهاء الانقسام واستعادة الحياة الديمقراطية عبر الانتخابات، وإحياء المؤسسات التمثيلية، وتكريس مبدأ سيادة القانون. دون ذلك، سيبقى أي دستور جديد مجرد نص بلا روح.