بقلم: طاهر تيسير المصري
تأتي الدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في فترة استثنائية بكل المقاييس؛ فترة لا يزال فيها قطاع غزة يتعرض لحرب إبادة مفتوحة، فيما تعيش الضفة الغربية مسارا متسارعا من التهجير القسري والفصل العنصري وتقويض مقومات الوجود الوطني. وفي هذا السياق الضاغط، لا يمكن النظر إلى هذه الدعوة باعتبارها خطوة إجرائية معزولة، بل بوصفها جزءا من نقاش أوسع يتصل بتآكل الشرعيات، والحاجة الملحة إلى إصلاح جذري وجدي للنظام السياسي، إصلاح لا يهدف فقط إلى إعادة ترتيب المؤسسات، بل إلى تمكينها من الاستمرار والفعل في مواجهة أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية.
من حيث المبدأ، يصعب الطعن في أن انتخابات المجلس الوطني مطلب قديم ومشروع. فهذا المجلس يفترض أن يكون الإطار التمثيلي الجامع للفلسطينيين في الداخل والشتات، والحامل لتفويض سياسي وأخلاقي للدفاع عن حق تقرير المصير، وعن الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة كما كرسته قرارات الشرعية الدولية. غير أن الإشكالية، كما في محطات سابقة، لا تكمن في الفكرة ذاتها، بل في الكيفية التي تطرح بها، وفي الأسئلة الجوهرية التي ما زالت بلا إجابات شافية.
الدعوة إلى الانتخابات، بصيغتها الراهنة، تفتح مسارين متوازيين: مسار أمل مشروط بإمكانية إعادة الاعتبار لفكرة التمثيل والشراكة السياسية، ومسار قلق مشروع من أن تتحول العملية إلى إجراء شكلي يدار من أعلى، ويستخدم لتدوير الأزمة بدل كسرها. هذا التناقض هو ما يفسر حالة التردد السائدة في المشهد السياسي، حيث لا يرفض كثيرون الانتخابات من حيث المبدأ، لكنهم يتحفظون على السياق، ويتخوفون من المآلات، ومن أن تكون النتيجة إعادة إنتاج الواقع ذاته بأدوات جديدة.
ولا يمكن القفز فوق حقيقة أن الشعب الفلسطيني لا يعيش ظروفا طبيعية يمكن فيها إجراء انتخابات وفق معايير تقليدية. الاحتلال حاضر بكل أدواته، من القتل والاعتقال إلى الحصار والتجويع ومنع الحركة، والانقسام الداخلي لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على المجال السياسي، فيما يعيش جزء كبير من الشعب خارج الوطن في أوضاع قانونية وسياسية متباينة. إن تجاهل هذه الوقائع، أو التعامل معها بوصفها عراقيل تقنية يمكن تجاوزها لاحقا، من شأنه إضعاف أي مسار انتخابي قبل أن يبدأ، وتقويض صدقيته لدى شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني.
من هنا، فإن أي حديث جدي عن انتخابات المجلس الوطني يجب أن ينطلق من قاعدة واضحة أساسها أن الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة ضمن مشروع وطني أشمل. مشروع يعترف بأن المرحلة ما زالت مرحلة تحرر وطني، وأن الديمقراطية المطلوبة ليست مجرد آلية اقتراع، بل منظومة شراكة سياسية تضمن التعدد، وتحمي الاختلاف، وتمنع الاحتكار للقرارات، وتعيد الاعتبار لفكرة العمل الوطني الجماعي.
أولى علامات الجدية تكمن في الشفافية. فلا يستقيم إطلاق مسار بهذا الحجم دون وضوح كامل بشأن القانون الناظم، والجهة المشرفة، وآليات الرقابة والطعن، ولا سيما في ظل غياب مؤسسات منتخبة فاعلة يمكن أن تشكل مرجعية رقابية حقيقية. الغموض في هذه القضايا لا يفسر إلا على حساب الثقة، والثقة هي الشرط الأول لأي مشاركة شعبية ذات معنى.
المسألة الثانية تتعلق بالتمثيل، وخصوصا تمثيل الفلسطينيين في الخارج. فالمجلس الوطني وجد أساسا ليعكس وحدة الشعب رغم تشتته، وأي خلل جوهري في هذا التوازن يعيد إنتاج مركزية داخلية لا تنسجم مع الواقع الديمغرافي ولا مع التجربة التاريخية للقضية الفلسطينية. المطلوب ليس مشاركة رمزية للشتات، بل آليات واضحة وعادلة تضمن أن يكون صوتهم حاضرا ومؤثرا، لا هامشيا أو تابعا.
أما الإشكالية الثالثة، فتتصل بربط المشاركة الانتخابية بشروط سياسية مسبقة. فالتجربة الفلسطينية، كما غيرها من تجارب حركات التحرر، تُظهر أن فرض برنامج واحد على الجميع قبل الانتخابات لا يعزز الوحدة، بل يؤجل الانفجار. الوحدة لا تبنى بالإقصاء، بل بالاتفاق على سقف وطني جامع يستند إلى الحقوق الأساسية والرواية المشتركة، ويترك للبرامج السياسية أن تتنافس ديمقراطيا داخل هذا السقف.
وفي هذا الإطار، يبرز دور القوى السياسية بوصفه عاملا حاسما في إنجاح هذا الاستحقاق أو إفشاله. غير أن هذا الدور لا يمكن مقاربته بنبرة إنشائية أو افتراض حسن نيات شامل. فثمة قوى ما زالت تعيش على تمثيل تاريخي لم يعد يعكس وزنها الفعلي في المجتمع، وتتعامل مع الشرعية بوصفها إرثا ثابتا لا استحقاقا متجددا. وثمة قوى أخرى تنظر إلى صندوق الاقتراع بريبة واضحة، لا لأنه معيب ديمقراطيا، بل لأنه قد يكشف فجوة بين الخطاب السياسي والحضور الشعبي الحقيقي.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل وجود قوى تجد في حالة التعطيل مصلحة مباشرة؛ مصلحة في الإبقاء على نظام سياسي ضبابي يسمح بالمناورة دون مساءلة، أو في تجنب إعادة ترتيب موازين القوى، أو في الحفاظ على مواقع ونفوذ راكمته في ظل غياب المحاسبة والتجديد. هذه القوى لا تعارض الانتخابات دائما بشكل صريح، لكنها تسهم في تفريغها من مضمونها عبر الاشتراط المسبق، أو المماطلة، أو القبول بانتخابات شكلية لا تمس جوهر التمثيل ولا توزيع السلطة.
في هذه الحالة، لا يعود السؤال الجوهري: هل نريد انتخابات أم لا؟ بل يصبح: أي انتخابات نريد، ولصالح من تُدار، ومن يخشى نتائجها الفعلية؟
ولا يمكن فصل هذه الدعوة عن البعد الدولي المحيط بها. فثمة ضغوط متزايدة تُمارس تحت عنوان "الإصلاح"، وغالبا ما يختزل هذا العنوان في ترتيبات إجرائية تتجاهل جوهر الصراع وطبيعته الاستعمارية. الخطر هنا أن تتحول الانتخابات إلى رسالة طمأنة للخارج، بدل أن تكون استجابة لحاجة داخلية متراكمة، وهو ما يستدعي يقظة سياسية وشعبية تحول دون تفريغ الاستحقاق من مضمونه الوطني.
ومع ذلك، فإن رفض الدعوة من حيث المبدأ لا يبدو خيارا منتجا. الأجدى هو التعامل معها كفرصة مفتوحة على الصراع السياسي السلمي، فرصة للضغط من أجل قواعد عادلة، وانتزاع ضمانات حقيقية، وإعادة طرح السؤال المركزي حول وظيفة المجلس الوطني ودوره في هذه المرحلة. بعبارة أخرى، تحويل الانتخابات من منحة فوقية إلى استحقاق تُفرض شروطه من أسفل.
الخلاصة أن انتخابات المجلس الوطني ليست اختبارا إجرائيا، بل اختبار نيات بامتياز. اختبار لقدرة الفاعلين السياسيين على مغادرة منطق الاحتكار، والتخلي عن شرعيات مستهلكة، والقبول بأن التمثيل الحقيقي لا يورث بل ينتزع عبر المشاركة والمساءلة. فالمستفيد من تحويل الانتخابات إلى إجراء شكلي ليس الشعب الفلسطيني، بل كل من اعتاد العمل داخل نظام مأزوم بلا محاسبة، وكل من يرى في الغموض السياسي حماية لمصالحه.
أما القرار الفعلي، فعلى خلاف ما قد يقال، لا يملكه الإعلان ولا الموعد، بل تملكه عمليا دوائر ضيقة اعتادت احتكار تعريف "المصلحة الوطنية" وحدود الإصلاح. ما لم يُكسر هذا الاحتكار عبر ضغط سياسي وشعبي منظم، ستبقى الانتخابات عرضة لأن تُدار بالمنطق ذاته الذي أوصل النظام السياسي إلى مأزقه الراهن.

