2026-03-07 12:34 م

عندما تُدار غزة من واشنطن وتل أبيب وأبو ظبي

2026-02-02

بقلم: نبهان خريشة
 في الأسابيع الأخيرة، كشفت تسريبات متتالية في وسائل إعلام إسرائيلية، نقلت عنها منابر عربية ودولية، عن مفاوضات متقدمة تجري بين إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة، وبمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة، حول تصور لمرحلة "اليوم التالي" في قطاع غزة، يتضمن تولي الإمارات إدارة الشأن المدني في القطاع. خطورة هذه التسريبات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في السياق الذي تتحرك فيه، إذ تعكس بوضوح أن ما يجري ليس التفافا على الإرادة الأمريكية أو خروجا عن تصورات واشنطن، بل جزءًا من نقاش ثلاثي تشارك فيه الولايات المتحدة بوصفها الراعي السياسي الفعلي لإعادة هندسة غزة بعد الحرب، وبما يخدم في نهاية المطاف الرؤية الإسرائيلية للأمن والإحتلال طويل الأمد.

الإشارة إلى الدور الأمريكي هنا ليست تفصيلا ثانويا، بل مفتاحا لفهم جوهر الخطة. فالولايات المتحدة، منذ الأسابيع الأولى للحرب، طرحت بوضوح أنها لا ترغب في عودة حماس للحكم، ولا في بقاء إسرائيل كقوة احتلال مباشر، ولا في تمكين السلطة الفلسطينية بصيغتها الحالية دون "إصلاحات جذرية". في هذا الفراغ السياسي المقصود، برزت فكرة الاستعانة بأطراف إقليمية "مقبولة إسرائيليا" وقادرة على التمويل والإدارة، وهنا تحديدا دخلت الإمارات إلى المشهد، لا بوصفها مبادرة مستقلة، بل كخيار يجري بحثه وتطويره بالتنسيق مع واشنطن وتل أبيب معًا.

إذا ما كتب لمثل هذا السيناريو أن يتحقق، فإن أولى نتائجه ستكون تهميش الدور المصري في ملف غزة. فمصر، التي شكلت تاريخيا الطرف العربي الأكثر انخراطا وتأثيرا في القطاع، تجد نفسها أمام مقاربة جديدة تعيد توزيع الأدوار الإقليمية بعيدا عنها. هذا التهميش لا يبدو عارضا، بل منسجما مع رؤية أمريكية - إسرائيلية تعتبر أن الدور المصري، رغم أهميته الأمنية، لم يعد كافيا أو مناسبا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب سياسيا واقتصاديا. إدخال الإمارات على الخط يعني عمليا سحب البساط من تحت أقدام القاهرة في أحد أكثر الملفات حساسية لأمنها القومي، وهو ما يفتح الباب أمام توترات إقليمية صامتة ستنعكس، بشكل أو بآخر، على سكان غزة أنفسهم، الذين سيجدون حياتهم اليومية رهينة صراعات نفوذ عربية لا علاقة لهم بها.

وفي السياق ذاته، لا يمكن تجاهل ما يعنيه هذا الترتيب لمكانة السعودية الإقليمية. فغياب الرياض عن أي دور مركزي في ترتيبات غزة، مقابل صعود الإمارات كلاعب عربي رئيسي، يعكس تحولات أعمق في بنية النظام العربي وفي توازنات القوة داخله. الولايات المتحدة، التي تدير هذا المشهد، لا تبدو معنية بالحفاظ على أدوار تقليدية بقدر ما تسعى إلى هندسة تحالفات وظيفية تخدم أولوياتها الأمنية والسياسية. والنتيجة المتوقعة هي مزيد من التنافس العربي - العربي على حساب القضية الفلسطينية، ومزيد من الضغط غير المباشر على غزة لتتحمل كلفة هذه التحولات.

وعلى عكس ما قد يُروج له، فإن إدخال الإمارات لا يعني تجاوز الرؤية الأمريكية بإشراك أطراف مثل قطر وتركيا، بل إعادة ترتيب هذه الأدوار ضمن تصور أمريكي أوسع. فواشنطن تدرك ثقل الدوحة وأنقرة، لكنها في الوقت ذاته تنظر بعين الريبة إلى علاقاتهما بحماس. من هنا، فإن طرح الإمارات يجري في إطار محاولة خلق توازن داخل الخطة الأمريكية نفسها: دور إنساني ومالي لقطر، حضور سياسي محدود لتركيا، مقابل إدارة مدنية وأمنية غير مباشرة لطرف عربي يتماهى بشكل أوضح مع الرؤية الإسرائيلية، أي الإمارات. بهذا المعنى، لا تشكل المفاوضات الإسرائيلية - الإماراتية خروجا على المسار الأمريكي، بل أحد مساراته المتقدمة.
أما فلسطينياً، فإن الخطر الأعمق يتمثل في إقصاء السلطة الفلسطينية عن غزة. فإسناد الإدارة المدنية للإمارات يعني تجاوز السلطة كليا، وتعميق الفصل السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية والقطاع. هذا الفصل لا يبدو نتيجة جانبية، بل هدفا ضمنيا يتقاطع فيه الموقف الإسرائيلي مع الحسابات الإماراتية والأمريكية. فالسلطة، رغم ضعفها، تمثل آخر إطار جامع لوحدة التمثيل الفلسطيني، وإبعادها عن غزة يكرس واقع الكيانية المنفصلة، ويفتح الباب أمام سيناريوهات طويلة الأمد تتعامل مع غزة كملف إنساني – أمني، لا كجزء من قضية تحرر وطني.
وتزداد خطورة هذا المسار إذا ما أخذنا في الاعتبار الموقف العدائي الواضح للإمارات تجاه السلطة الفلسطينية وقيادتها. فخلال السنوات الماضية، لم تُخف أبوظبي رغبتها في إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني بما ينسجم مع رؤيتها الإقليمية، وهو ما يجعل أي دور لها في غزة محملا بأجندة سياسية تتجاوز الإدارة والخدمات إلى إعادة هندسة الحقل السياسي الفلسطيني نفسه.

وفي قلب هذا كله تقف حركة حماس. فالإدارة الإماراتية لغزة، إذا ما تحققت، تعني عمليا إغلاق الباب أمام أي دور مستقبلي للحركة، حتى في حال قبلت بالتحول من تنظيم مسلح إلى حزب سياسي. فالإمارات، ضمن رؤيتها الإقليمية الأوسع، تعتبر القضاء على الإسلام السياسي جزءًا من أمنها الاستراتيجي، وليس مجرد خيار تكتيكي. وعليه، فإن وجودها في غزة سيكون مشروطًا بإقصاء حماس كليا، لا بإدماجها أو تحييدها. هذا النهج لا يفتح أفقا سياسيا، بل يدفع نحو مزيد من الانسداد والتطرف، ويعيد إنتاج أسباب الصراع بدل معالجتها.
وعند النظر إلى سجل الإمارات في الإقليم، تزداد المخاوف مشروعية. ففي اليمن، والسودان، وليبيا، والصومال، ارتبط الدور الإماراتي بتغذية الانقسامات ودعم قوى محلية على حساب أخرى، بما يخدم مصالح جيوسياسية تتقاطع في كثير من الأحيان مع المصالح الإسرائيلية والأمريكية. وفي إطار التحالف المتنامي بين أبوظبي وتل أبيب، لا يمكن فصل الحديث عن غزة عن مشروع أوسع للهيمنة على ممرات التجارة والطاقة في حوض البحر الأحمر. إدراج غزة ضمن هذا المشروع يعني تحويلها من قضية سياسية إلى عقدة جيوسياسية تُدار بمنطق المصالح لا الحقوق.

أما السيناريوهات المحتملة المتعلقة بالدور الإماراتي في غزة، فيمكن تلخيصها بثلاثة مسارات رئيسية. الأول هو نجاح الخطة بدعم أمريكي - إسرائيلي، وفرض إدارة مدنية إماراتية بواجهة إنسانية، لكنها ستكون هشة، ومرفوضة شعبيا، ومعتمدة كليا على القبضة الأمنية الإسرائيلية. الثاني هو تعثر الخطة بفعل رفض إقليمي ومقاومة فلسطينية داخلية، ما يدفع واشنطن للبحث عن بدائل أو صيغ معدلة. أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فهو خلق حالة "لا غالب ولا مغلوب"، حيث تُدار غزة عبر ترتيبات مؤقتة ومتداخلة، تبقيها في حالة استنزاف دائم دون حل جذري.
إن المفاوضات الإسرائيلية - الإماراتية، بمشاركة الولايات المتحدة، لا تمثل مشروع إنقاذ لغزة، بل محاولة لإدارة أزمتها بما يخدم توازنات القوة الإقليمية والدولية. في هذا التصور، فإن غزة ليست كيانا سياسيا له شعب وحقوق، بل مساحة يجب ضبطها والتحكم بها. وأي خطة تُبنى على هذا الأساس، مهما بدت متماسكة على الورق، محكومة بإدامة المأساة لا إنهائها.