2026-03-07 02:33 م

مجلس السلام واللجنة الفلسطينية: عولمة غزّة وإذابة القضية

2026-01-29

بقلم: ابراهيم ربايعة
بمشهد ديناميكي ومربك، أُعلنَ منتصف يناير/كانون الثاني الجاري تشكيلُ لجنة فلسطينية من التكنوقراط لإدارة قطاع غزّة، وبالتوازي، أعلن الرئيس دونالد ترامب تشكيلة مجلس السلام الذي يرأسه، ويضّم بعضويته أطرافًا دوليةً وعربيةً، في محاولة أميركية لبناء حالة توازن، أعقبها إعلان أميركي "مثير"؛ على الطريقة الترامبية، يفتح باب العضوية في المجلس مقابل مليار دولار لثلاث سنوات، ويعرف المجلس منظمةً دوليةً. في ما يظهر مشهدًا يحاول تقديم نواة "اختبارية" لمنظمة دولية بديلة للهياكل السياسية القائمة، وعلى رأسها الأمم المتّحدة.

وسط هذا التفاعل والضجيج كلّه، تذوب الرؤية الفلسطينية للحل السياسي، لصالح عولمة مفاهيم الصراع والحلول السياسية، في ما تسير المؤسسات السياسية الفلسطينية، وفق ما تقول نظريات الإحلال والاستبدال والتغيير السياسي، بمسار قسري يعيد تعريفها مؤسساتٍ انتقاليةً نحو تسليم مهامها الخدمية للمؤسسات القادمة، وإذابة أدوارها السياسية أيديها.

مواقف الفصائل: ترحيب إجباري
رحبت حماس من جانبها بتشكيل اللجنة المحلية، وأعلنت استعدادها تسليم الملفات التّي تديرها في قطاع غزّة إلى اللجنة التي يرأسها د. علي شعث، داعيةً الفصائل والأطراف كلّها للتعاون في إنجاح هذا المسار. في المقابل، أشارت مصادر عدّة إلى أنّ المرحلة التالية ستسلم فيها حماس أسلحتها "بالتدريج" لقوّة أمنية فلسطينية تديرها اللجنة، لكنها طالبت قبل ذلك بإتمام متطلبات المرحلة التالية، في ما يتصل بفتح معبر رفح، وإدخال الكرفانات والمعدات والمساعدات الأخرى.

تطابق موقف حركة فتح مع حماس أيضًا، التّي دعت إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، مع استدراك ضرورة ربط اللجنة بالنظام السياسي الفلسطيني، والحفاظ على نظام سياسي فلسطيني موحد في الضفّة الغربية وقطاع غزّة.

عمليًا، خرجت اللجنة بعد حوارات ولقاءات فلسطينية داخلية، وفلسطينية عربية، وفلسطينية دولية، حيث شهدت القاهرة في الأسابيع الماضية جهدًا كبيرًا على المستوى الفلسطيني الداخلي، قادته القاهرة مع حركتي فتح وحماس، في ما زار عضوا مجلس السلام رام الله، توني بلير ونيكولاي ملادينوف، الذي أصبح "المندوب السامي"، وعقدا لقاءات يبدو أنّها أسهمت بتشكيل مخرجات اللجنة المحلية.

عمليًا، من المهم الانتباه إلى أنّ الحوارات والنقاشات والتفاعلات السياسية التّي تمت وتتم وستتم في المستقبل، جاءت نتيجة واقع صعب على الأرض، مفاده أن الفصائل والمؤسسات السياسية لا تمتلك هامش مناورة، ولا قدرة لديها لفرض رؤيتها في ظلّ حالة إنسانية واستعمارية وسياسية شديدة البؤس. ما يجعل المؤسسات السياسية، والفصائل لاعب يحاول الخروج بأقلّ الخسائر، لا تحقيق أكبر المكاسب.

ماذا يعني المشهد الحالي؟
تسير القضية الفلسطينية في مسار إعادة هندسة شاملة، يعيد تشكيل المعنى والعلاقة بين الفلسطيني وقضيته من جهة، وموقع القضية في النظام الدولي من جهة أخرى، فبعد حوالي 78 عامًا من يعيد المشهد موقع "المندوب السامي" إلى قلب الفعل السياسي، ويعيد نقل القضية الفلسطينية من أيدي الفلسطينيين إلى النطاق الدولي الشرس والعنيف.

إنّ المشهد الحالي هو مشهد مركب بين التدويل وإعادة الهندسة، يريد له الرئيس ترامب أن يكون نقطة ارتكاز لنظام دولي أميركي جديد، وهذا ما يعطي غزة موقعًا جيوسياسيًا دوليًا غير مسبوق، لكنه منزوع من فلسطينيته. ويتوازى هذا المشهد مع حالة اضمحلال وانسداد سياسي فلسطيني داخلي هائل، انتجته حالة غياب المراكمة في الفعل الوطني، والمناكفة والتنافس الداخلي، الذي أفضى بالنتيجة إلى سياسة فلسطينية مستجيبة، قائمة على رد الفعل ومحاولة التكيف مع الصدمات، من دون رؤية جامعة.

يقول المشهد الحالي بوضوح، أن مشروع مجلس السلام، برؤية الرئيس ترامب وبينة النظام الدولي القائم، يراد له أن يتجاوز القواعد الفلسطينية والإسرائيلية على حدّ سواء، ويرمي إلى فرض نموذج قابل للتعميم إقليميًا ودوليًا في وقت لاحق، أساسه الاستثمار وإعادة إنتاج مجتمعات لا سياسية. ويقوم على فكرة الشمال العالمي التقليدية، القائمة على فصل الأرض عن الفرد عند الحديث عن الجنوب العالمي. من هنا، يقول المشهد الفلسطيني المقبل، في حال مضت هذه الخطة بعيدًا، إن النتيجة المبتغاة نظام سياسي فلسطيني جديد، يعمل بمحددات وظيفية أميركية، يمكن أن يلعب دورًا في هذا المشروع "الترامبي" متّى كان مستجيبًا، ويمكن استبداله بسهولة متّى خرج عن القواعد المرسومة، وفي مشهد كهذا، لا مكان للبنى السياسة التقليدية، الفصائل وهياكل المؤسسات السياسية الوطنية القائمة، وهذا ما يحكم عمل لجنة التكنوقراط، التي تعمل بمرجعيات دولية من جهة، ومعيقات إسرائيلية من جهة أخرى.