2026-03-07 05:51 م

قانون الهيئات المحلية واخفاء أزمة الشرعية!!

2025-11-26

بقلم: نبهان خريشة

في لحظة سياسية شديدة التعقيد تمر بها الساحة الفلسطينية، جاء إصدار الرئيس محمود عباس لقانون انتخابات مجالس الهيئات المحلية ليضيف طبقة جديدة من الجدل حول طبيعة النظام السياسي، وحدود السلطة التنفيذية، وأهداف الخطاب الإصلاحي الذي تتبناه حكومة الدكتور محمد مصطفى. الآن تبدو الصورة أكثر وضوحاً لمن يتأمل تفاصيل القانون ومسار إقراره والظروف المحيطة به، إذ يكشف المشهد برمّته عن محاولة لإعادة إنتاج آليات الحكم ذاتها تحت غطاء «إصلاحات مؤسسية»، فيما يغيب النقاش الجدي حول المأزق الحقيقي الذي يعيشه النظام السياسي منذ أكثر من ستة عشر عاماً.

بحسب بيان رسمي لوزارة الحكم المحلي، فإن القانون مرّ بالقراءات الثلاث المقررة دستورياً. لكن أحداً لا يعرف كيف تمت تلك القراءات، ومن هي الجهة التي تولت مناقشته وتمريره، خاصة في ظل غياب المجلس التشريعي منذ حله في عام 2018، وفي ظل حقيقة أن السلطة التشريعية اليوم محصورة عملياً بشخص الرئيس وفق تفسيره الخاص للقانون الأساسي. هذا الغموض يثير أسئلة جوهرية حول مدى شرعية الإجراءات والدوافع وراء استعجال إصدار قانون يمس بنية العمل المحلي في وقت تعاني فيه المؤسسات المدنية من تراجع الدور وضعف الموارد وعدم القدرة على تمثيل مجتمعاتها بصورة حقيقية. فكيف يمر قانون بهذه الحساسية دون نقاش عام، ودون فتح حوار وطني كما يفترض في أي عملية إصلاح جادة؟ إن هذا الغياب يكشف عن نمط متكرر: تحويل التشريع إلى قرار فردي تنفيذي، ثم تقديمه لاحقاً باعتباره نتاج عملية تشريعية  مؤسسية سليمة.

حكومة مصطفى قدمت القانون باعتباره «إنجازاً»، وأحد الأعمدة التي تقوم عليها رؤيتها الإصلاحية التي وعدت بها في بياناتها الأولى. غير أن هذا الخطاب الرسمي يصطدم بواقع سياسي يقول إن إجراء انتخابات محلية وفق قانون جديد لن يغيّر حقيقة أن السلطة الفلسطينية لم تُجرِ أي انتخابات رئاسية أو تشريعية منذ عام 2009، أي منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن. يجري اليوم التركيز على الانتخابات المحلية تحديداً لأنها الأقل حساسية من حيث المخرجات السياسية، ولأن نتائجها لا تعيد تشكيل النظام السياسي بل تمنحه واجهة يمكن عرضها أمام الممولين والولايات المتحدة على أنها مؤشر «تحول ديمقراطي» استجابة للإصلاح المطلوب من السلطة الفلسطينية. وبذلك يصبح القانون وسيلة تسويقية لا إصلاحية، يتيح للسلطة القول إنها تتحرك ضمن التزاماتها تجاه الجهات الدولية، دون أن تضطر إلى فتح الباب أمام انتخابات عامة قد تطيح بمعادلة الحكم القائمة أو تكشف حجم التآكل الشعبي في شرعيتها .

القانون يأتي في سياق أوسع من محاولات الحكومة لإظهار التماهي مع مطالب المانحين، خاصة تلك المتعلقة بالحوكمة والمساءلة، لكن المسار الذي اتبعته السلطة في السنوات الماضية يدل على أن هذه الإصلاحات غالباً ما تكون تقنية ومحدودة، ولا تمس جوهر الإشكالية السياسية. فالديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، ولا مجرد قانون ينظم عملية انتخابية، بل هي منظومة تقوم على التداول، والرقابة التشريعية، وفصل السلطات، وحرية تشكيل الأحزاب، وإتاحة المجال للمعارضة. وبما أن معظم هذه العناصر غائب أو مقيّد، فإن أي انتخابات—حتى لو كانت نزيهة نسبياً—لن تتمكن من تصحيح العطب البنيوي العميق في النظام السياسي.

اللافت أن القانون الجديد يتضمن في مادته الـ 19 شرطاً يلزم المرشحين بإقرار التزامهم ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية وبالالتزامات الدولية وقرارات الشرعية الدولية. هذا الشرط، وإن بدا تقنياً أو بديهياً في السياق الرسمي، يحمل في الحقيقة دلالات سياسية خطيرة، لأنه يحوّل الانتخابات المحلية—التي يفترض أنها خدماتية وغير سياسية بحكم تعريفها—إلى اختبار أيديولوجي يهدف إلى استبعاد أي طرف أو شخصية لا تتوافق مع اتفاق أوسلو أو مخرجاته السياسية. وهو شرط يستهدف عملياً إقصاء القوى المعارضة للنهج السياسي للسلطة، سواء كانت قوى وطنية أو مستقلة أو حركات شبابية رافضة لمسار التفاوض. المفارقة أن اتفاق أوسلو نفسه لم يتبق منه اليوم إلا ما يخدم المصالح الإسرائيلية، حيث تلاشت الترتيبات السياسية المرحلية، فيما بقي التنسيق الأمني والالتزامات الاقتصادية المفروضة على السلطة بموجب الاتفاق. ومع ذلك تستمر قيادة السلطة في التشبث بالاتفاق كمعيار للشرعية، يوظف حسب الحاجة لمنع الخصوم من دخول المجال العام.

إن صناعة شروط سياسية لانتخابات خدماتية يعكس ذهنية الإقصاء التي حكمت العلاقة بين السلطة ومنافسيها منذ سنوات طويلة. فبدلاً من أن تكون الهيئات المحلية ساحات تنافس تنموي وإداري، يجري تحويلها إلى امتداد للصراع السياسي الداخلي، بما يضمن استمرار حصر الفعل العام في دائرة الولاء السياسي للقيادة القائمة. وهذا النهج يتجاهل حقيقة أن المجالس المحلية هي اليوم أحد آخرالمتنفسات للمشاركة المجتمعية المباشرة، وأن تسييسها بهذه الطريقة يفاقم من فقدان الثقة العامة، ويحول الانتخابات إلى عملية شكلية لا تغير شيئاً في حياة الناس.

إن القانون الجديد لا يُقرأ بمعزل عن البيئة التي صدر فيها. فالوضع في الضفة الغربية يشهد حالة من التراجع الحاد في مستويات الحريات العامة، وازدياد الاحتقان الاجتماعي، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الدولية على السلطة لإجراء إصلاحات. كما أن الفراغ السياسي الناجم عن غياب المجلس التشريعي، والانقسام المستمر مع غزة، وتآكل مؤسسات منظمة التحرير، كلها عوامل تجعل من أي خطوة تشريعية تُتخذ دون توافق وطني مادة للنزاع أكثر منها فرصة للإصلاح. ولذلك يبدو أن إصدار هذا القانون ليس إلا محاولة لإدارة الأزمة لا حلّها، ولتجميل صورة السلطة لا لإعادة بنائها.
في المحصلة، لا يمكن للقانون الجديد أن يعيد الثقة بالنظام السياسي طالما أن التشريع يصدر بقرار منفرد، وطالما أن الانتخابات العامة مؤجلة إلى أجل غير مسمى، وطالما أن شروط الترشح تُستخدم كأدوات لإقصاء الخصوم لا لضمان نزاهة العملية. الإصلاح الحقيقي يبدأ بإرادة سياسية تسمح بفتح المجال أمام التعددية، واستعادة دور المجلس التشريعي، وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية حقيقية، وإجراء انتخابات شاملة تسمح بتجديد الشرعية من جذورها. أما الاكتفاء بقوانين جزئية وانتخابات محلية مشروطة، فلن يفعل سوى تعزيز الانطباع بأن السلطة تسعى فقط إلى كسب الوقت وإرضاء الممولين، فيما يتآكل الداخل وتزداد الهوة بين الشعب والسلطة بكافة مكوناتها.

وهكذا يظهر القانون الجديد—على الرغم من الضجيج الرسمي حوله—كخطوة تعيد إنتاج المأزق بدل معالجته، وتؤكد أن الجذر الحقيقي للأزمة ليس في الأنظمة والإجراءات، بل في غياب الرغبة في فتح الباب أمام تغيير سياسي حقيقي، يعيد الاعتبار لحق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم بحرية، ودون أن يقترب النظام السياسي من الإصلاح الذي يدّعيه.