2026-03-07 05:31 م

حوار الطرشان في فلسطين

2025-11-23

بقلم: محمود كلم
في زمنٍ تضخّمت فيه الأصوات حتى ابتلعت المعاني، صار الحوار مجرّد صدى يتردّد في فراغٍ لا جدار له.

تتكلّم فتُغرقك الردود قبل أن تصل كلمتك، وتكتب فتبهت الحروف في أعينٍ لم تعد تعرف معنى الإصغاء. تتوجّه نحو الشرق فيأتيك الجواب من الغرب؛ وكأن ما بينكما مسافات من العجز، لا تجسرها لغة، ولا تعبرها نيّة طيبة.

هذا هو زمن حوار الطرشان؛ زمنٌ يتكلّم فيه الجميع، لكن لا أحد يريد أن يفهم. الأصوات تتقاطع كما لو أنها سيوفٌ في معركة بلا راية وبلا نهاية. كل طرفٍ يعلو صوته ليقول: "أنا وحدي صاحب الحقيقة"، فيغرق المشهد في ضجيجٍ لا مكان فيه للحكمة.

في المجالس، على الشاشات، في الشوارع، وحتى في نبض القلوب… تتناثر الكلمات مذعورة، تبحث عن غصنٍ آمن فلا تجده. نرفع شعارات التفاهم، لكننا نُغلق أبواب الاستماع بإحكام. صارت لغتنا جداراً، والكلمة مجرّد طلقة، والصمت مهرباً وحيداً من جدلٍ بلا طائل.

أين ذهب الإصغاء؟ أين ذهبت تلك اللحظة التي كانت الكلمة فيها جسراً بين روحين؟
أين اختفى الزمن الذي كان للصمت فيه معنى، وللحرف فيه ثقلٌ وصدق؟

نكتب كثيراً، لكن دون أن نتقاطع في نقطة فهم واحدة. نتجادل بحثاً عن انتصار الذات، لا انتصار الحقيقة. وكلٌّ يخرج مقتنعاً بأنّ الآخر هو الأصم، وأنه وحده صاحب البصيرة.

لكن المشهد يصبح أكثر ألماً حين نطلّ على غزة؛ المدينة التي لم يعد فيها مكان للحوار أصلاً، لأن الصوت غارق تحت الركام، والصرخة تُدفن قبل أن تصل السماء. غزة اليوم ليست تفصيلاً جانبياً في الحكاية، بل قلبها الذي ينزف ولا يجد من يسمعه.
هناك في الأزقة التي لا تعرف سوى الحجارة والرماد، يتكلم الأطفال بالدمع بدل الكلمات.
هناك يصبح الصمت لغة البيوت التي فقدت جدرانها، ولغة الأمهات اللواتي يبحثن عن أبنائهن تحت الركام.
غزة… التي اعتادت أن ترفع صوتها رغم الحصار، أصبحت الآن تبحث فقط عن أذنٍ بشرية تُصغي لألمها، لا لخطابات تتراشق فوق رأسها.

وفي الوقت الذي تتحول فيه غزة إلى سؤالٍ معلّق في الهواء، يواصل الكبار جدلهم الجاف.
ينقسمون، يتبادلون الاتهامات، يرفع كلٌّ رايته، بينما غزة وحدها تحمل الحقيقة كاملةً على كتفيها: حقيقة الدم والظلّ والدخان.
هناك لو سمع السياسيون جيداً، لأدركوا أن غزة ليست طرفاً ولا ورقةً ولا شعاراً؛ إنها خلاصة فلسطين عندما ينقطع الصوت ولا يبقى إلا نبض الأرض.

وربما لا ينعكس غياب الحوار بمرارة كما ينعكس في هذا الواقع الفلسطيني المُنهك؛ واقع الانقسام والصمت، حيث ضاعت البوصلة وتشتّت الصوت بين العواصم. كل طرف يتحدث باسم الوطن، بينما الوطن — من غزة إلى الضفة إلى الشتات — يصرخ من تحت الأنقاض ولا يجد من يسمع.

نعيش التيه الفلسطيني:
مرحلة يسأل فيها الحجر عن صاحبه، واللاجئ عن عنوانه، والدم عن جدواه.
نتحدث عن الوحدة، فنعمّق الفرقة.
نطالب بالحرية، فنغلق الأبواب على بعضنا.
حتى الحلم نفسه صار يتيماً، لا يجد من يحمله نحو الفجر.

ربما لم نعد بحاجة إلى خطاب جديد، بل إلى قلبٍ يُصغي قبل أن يحكم، وعقلٍ يسمع قبل أن يرد، وبشرٍ يفهمون أن الحوار جسر، لا ساحة حرب.

وإلى أن نصغي حقاً…
سيبقى حوار الطرشان عنوان عصرٍ مُنهكٍ بالضجيج،
يتكلم فيه الشرق… ويردّ الغرب…
ولا يسمع أحدٌ أحداً
حتى في فلسطين، حيث الكلمة تنزف… وغزة تصرخ… والوطن يُصغي… ولا يجد سوى صدى الصمت