2026-03-07 10:21 ص

ماذا يعني بيع أسراب "الشبح" للسعودية؟

2025-11-19

جاءت صفقة المقاتلات الـ48 بقيمة تقارب 60 مليار دولار قبيل ساعات من وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في زيارة وصفت بـ"التاريخية"، في إعلان يعد تحولاً جذرياً في سياسة تصدير الأسلحة الأميركية.

بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب من المكتب البيضاوي موافقته على أسراب "أف 35" الشبحية للسعودية يكون كمن أطلق زلزالاً ما تظهر التعليقات منه ليس سوى رأس جبل الجليد، وهو الذي كسر محرمات بتمكين بلد عربي من سلاح استراتيجي رفض منحه حتى لتركيا عضو حلف "الناتو"، ودول في العالم والمنطقة كثيرة.

جاءت صفقة المقاتلات الـ48 بقيمة تقارب 60 مليار دولار قبيل ساعات من وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في زيارة وصفت بـ"التاريخية"، في إعلان يعد تحولاً جذرياً في سياسة تصدير الأسلحة الأميركية، إذ كانت السعودية تطالب بهذه الطائرات منذ عام 2017، لكن إدارتي أوباما وبايدن رفضتا الصفقة حفاظاً على "التفوق العسكري النوعي" الإسرائيلي (QME) المنصوص عليه في القانون الأميركي منذ 2008.

وقال مسؤول أميركي رفيع في إدارة بايدن مطلع على تفاصيل المحادثات لـ"اندبندنت عربية" إن الصفقة على الأرجح نسقت في الأساس مع ترمب "ففي عهد بايدن لم يناقش ملف 'أف 35' بالتفصيل"، فضلاً عن اقتراب الجانبين من عقد صفقة في شأنها، من دون أن تسبق ذلك معاهدة دفاعية تمر عبر الكونغرس.

وعن الثمن غير المادي الذي دفع ترمب لتحقيق رغبة الرياض، قال "صدقاً لا أعرف"، لكنه لمح إلى أن الخطوة تعني فيما تعنيه تعميق الشراكة مع السعودية.

الطائرات الشبحية
في حين يشير المحلل السياسي السعودي علي الشهابي إلى أن بلاده على مدى عقود أنشأت "بنية تحتية لوجيستية ضخمة تضم مطارات وموانئ ومستودعات وقود ومراكز قيادة مكنت الولايات المتحدة من توسيع قوتها شرقاً عند الحاجة، مثلما حدث في حرب الخليج الأولى".

وأكد في هذا السياق أنه "لا توجد دولة أخرى في المنطقة (بما في ذلك إسرائيل) تضاهي هذا المستوى من الجاهزية، فحين تعرضت قطر لتهديد إيراني أخيراً نقلت واشنطن قواتها ومعداتها بالكامل إلى قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، مما يؤكد موقعها المحوري في منظومة الدفاع الأميركية".

ويعلق المحلل العسكري العقيد أحمد الحمادي "بيع الطائرات المتقدمة للسعودية يمثل نقلة استراتيجية كبرى، إذ تمنحها تفوقاً نوعياً وقدرات قتالية ودفاعية من مستوى غير مسبوق في المنطقة. فهذه الطائرة التي تعد الأكثر تقدماً في العالم ضمن الجيل الخامس تتميز بقدرات شبحية عالية تجعل رصدها عبر الرادارات أمراً بالغ الصعوبة، إضافة إلى حمولتها المتنوعة من الأسلحة المتطورة"، مشيراً إلى أنها أثبتت فاعليتها أخيراً في تنفيذ "عمليات دقيقة داخل العمق الإيراني وتدمير أهداف استراتيجية، مما يعكس إمكاناتها الكبيرة".

ورأى أن حصول السعودية على هذه المنظومة "سيعزز قدرتها على حماية سيادتها وأمنها ويمنحها قدرة ردع قوية تحميها وتحمي دول الخليج، وتؤسس لمرحلة جديدة من التفوق الجوي والجاهزية الدفاعية".

الإعلام الأميركي تلقى الخبر بمزيج من الدهشة والقلق، فـ"نيويورك تايمز" ركزت على تقرير سري لوكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA) يحذر من أخطار تسرب تكنولوجيا المقاتلات المتفوقة إلى الصين عبر الشراكة التقنية السعودية - الصينية، بخاصة مع وجود بنية "هواوي" في دول خليجية مجاورة، مشيرة إلى أن "مسؤولي الأمن القومي في إدارته يخشون أن يخلق البيع فرصة للصين لسرقة التكنولوجيا المتقدمة للطائرات"، ونقلت مخاوف تعريض الصفقة "ميزة إسرائيل العسكرية النوعية في المنطقة للخطر، كونها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك حالياً الـ'أف 35' في ترسانتها الحربية".

التوازن العسكري
"بلومبيرغ" وصفت الصفقة بأنها "تنازل كبير" لولي العهد مقابل استثمارات سعودية ضخمة في الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية المدنية، قائلة إن "الموافقة على بيع الطائرات للسعودية يمثل تنازلاً استراتيجياً كبيراً لولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يزور البيت الأبيض اليوم، حيث تسعى واشنطن والرياض إلى تعميق الروابط"، مع الإشارة إلى أن "أحد الدوافع لترمب هو إغراء السعودية لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل".

أما "بوليتيكو" فقد أبرزت التوترات الجيوسياسية، مشيرة إلى أن "تأكيد الرئيس ترمب الإثنين أنه سيسمح للسعودية بشراء الطائرات الشبحية، خطوة ستغضب إسرائيل على الأرجح"، مضيفة أن "تسليم الطائرات الفعلي للسعودية سيكون مشروعاً هائلاً ومليئاً بالأخطار الجيوسياسية، قد يستغرق تشغيل خطوط الإنتاج لسنوات، ويتطلب تدريب الطيارين".

أما الإعلام الإسرائيلي فكان أكثر حدة وتوتراً، إذ نقلت "تايمز أوف إسرائيل" عن مسؤول إسرائيلي رفيع أن "الولايات المتحدة ستبيع الـ'أف 35' المتقدمة للسعودية"، محذرة من أن توريد هذا الطراز من المقاتلات للرياض "سيغير التوازن العسكري في المنطقة ويؤثر في الميزة العسكرية النوعية لإسرائيل، التي عملت إدارات الطرفين للحفاظ عليها"، وأشارت إلى أن "المعارضة الإسرائيلية لا ترفض بيع 'أف 35' للسعودية، لكنها طلبت من إدارة ترمب ربط البيع بتطبيع السعودية علاقاتها مع إسرائيل".

صحيفة "هآرتس" أكدت الخطر الاستراتيجي قائلة إن "مسؤولي الدفاع يخشون أن تفقد سلاح الجو الإسرائيلي تفوقه الجوي في الشرق الأوسط إذا باعت الولايات المتحدة الطائرات الشبحية للسعودية"، مشيرة إلى أن "البيع قد يخالف الميزة العسكرية النوعية لإسرائيل كما هو منصوص عليه في القانون الأميركي". زعيم المعارضة يائير لبيد اتهم نتنياهو بالضعف لأن الطائرات "لم تكن جزءاً من مفاوضات التطبيع أصلاً".

مصادر إسرائيلية أكدت أن تل أبيب لا تعارض الصفقة من حيث المبدأ، لكنها تشترط ربطها باتفاق تطبيع كامل، ونشر الطائرات في قواعد شرق السعودية بعيداً من الحدود الغربية، مع ضمانات تقنية تمنع استخدامها ضد إسرائيل.

البعد السياسي
سياسياً، تعد الصفقة أقوى إشارة حتى الآن إلى أن إدارة ترمب الثانية تعيد ترتيب أولويات الشرق الأوسط وفق رؤية "الصفقات الكبرى": سلاح متطور مقابل استثمارات ضخمة، وتحالف قوي ضد إيران، ودفع السعودية نحو التطبيع مع إسرائيل، ولو بعد حين في تقدير الباحثين، إن وفت تل أبيب باستحقاقات الفلسطينيين.

عسكرياً، ستحصل السعودية على قدرات شبحية واستخباراتية لم تكن تمتلكها، مما يغير ميزان القوى الجوي في الخليج واليمن وسيناء، لكن التدريب والتسليم سيستغرقان سنوات، وستظل إسرائيل تحتفظ بأفضلية نوعية بفضل التكامل الأعمق مع الأنظمة الأميركية والبرمجيات المخصصة.

في المقابل تنظر سفيرة السعودية لدى واشنطن الأميرة ريما بنت بندر إلى الصفقة والزيارة بأسرها، على أنها "تمثل فصلاً جديداً ومهماً في العلاقات السعودية - الأميركية، وسوف تحقق بإذن الله ما تتطلع له قيادات الشعبين الصديقين"، مؤكدة أنها ستواصل الارتقاء بالعلاقة "نحو آفاق أوسع تعزز من مصالحنا المشتركة وتسهم في السلم والاستقرار العالمي".

في النهاية يؤكد العقيد الحمادي أن الخطوة ليست مجرد صفقة سلاح، بل رهان أميركي متزايد على أن السعودية الجديدة بقيادة الأمير محمد بن سلمان ستكون الحليف الاستراتيجي الأول في المنطقة للعقود القادمة حتى لو كان الثمن تقليص هامش التفوق الإسرائيلي قليلاً، لكنه رجح أن ذلك "ليس معناه أن تكون السعودية ذراعاً أميركية في المنطقة، فهي أظهرت قدرة على تنويع علاقاتها مع القوى المختلفة، والمتناقضة في بعض الأحيان"، لكنه توقع أن يحاول اللوبي الإسرائيلي في أميركا إعاقة تنفيذ الصفقة حتى بعد إقرارها، على رغم توقعه أن المقاربة السعودية الجديدة تجعلها قادرة على المناورة، للحصول على ما تريد.

وكانت صفقة "أف 16" في التسعينيات هي الأخرى قوبلت بصخب من جانب بعض الأوساط الأميركية والإسرائيلية المحركة لها، إلا أن علاقات البلدين الوثيقة، سمحت بتمريرها في نهاية المطاف.

يأتي ذلك في وقت رأى فيه الباحث السياسي السعودي سعد الحامد الصفقة "قفزة استراتيجية" بما ستدفع به من تعزيز مكانة الرياض كقوة جوية عالمية. وأوضح ذلك بأن "المنطقة الممتدة من تركيا إلى باكستان وإيران لا تمتلك أية طائرة من الجيل الخامس باستثناء تل أبيب، لذلك، فإن هذه الصفقة لا تعد مجرد تحسين للقوة الجوية السعودية، بل "قفزة استراتيجية" تنقل السعودية إلى مستوى عسكري جديد يرسخ تفوقها النوعي في الشرق الأوسط لسنوات طويلة.

مصطفى الانصاري | اندبندنت عربية