2026-03-07 04:00 م

فرنسا الماكرونية والدستور الفلسطيني الجديد

2025-11-19

بقلم: ناجي الخطيب
على خطى الجنرال الأميركي كيث دايتون في خلق الإنسان الفلسطيني الجديد، لتحويل الفدائي السابق حارساً للمستوطنة الصهيونية، يتقدّم الرئيس الفرنسي ماكرون لصياغة الدستور الفلسطيني الجديد، لقطف الثمار السياسية لحرب الإبادة في غزّة، ولتوجيه الضربة القاضية للحقوق الوطنية الفلسطينية. لا يمكننا الحديث عن الدستور الفلسطيني من دون العودة إلى تاريخ ليس بعيداً، حين جرى إقرار "القانون الأساسي" للسلطة الفلسطينية، الذي اعتُبر بمثابة دستور للسلطة، مُفَصَّلاً بالكامل لمواكبة التحوّلات السياسية الكبرى، التي أفضت حينذاك إلى نشر "خريطة الطريق"، ودور متعاظم لـ"الرباعية الدولية" بناءً على الرغبة الأميركية باستبعاد ياسر عرفات من المشهد السياسي الفلسطيني، ولتولية وريثه محمود عبّاس.
وللتذكير، عندما أُعلنت دولة فلسطين في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 1988، دعا المجلس الوطني الفلسطيني إلى صياغة دستور. وقد أُعدّت عدّة مسودات، لكن لم يُعتمد أيٌّ منها. ومع ذلك، وبعد اتفاقيات أوسلو، أُعيد إحياء هذه العملية؛ إذ احتاجت السلطة الفلسطينية في الأراضي ذات الحكم الذاتي إلى دستور أو نظام أساسي. في عام 1993، ومرّة أخرى في عامَي 1994 و1995، أُعدّت خمس مسودات أخرى ورُفضت. ثم بدأ المجلس التشريعي الفلسطيني، المُنتخب في يناير/ كانون الثاني 1996، عمله وواجه معارضة من عرفات. وأخيراً، اعتُمدت النسخة الثالثة عشرة نهائياً في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 1997، لكن الرئيس عرفات لم يوقّع عليها إلا مضطراً في 29 مايو/ أيار 2002. وقد نُشرت في الجريدة الرسمية في عدد خاصٍّ بتاريخ 7 يوليو/تموز 2002، في وقتٍ انهارت فيه المفاوضات مع إسرائيل، وبدأت الحكومة الإسرائيلية سياستها أحادية الجانب المتمثلة في إغلاق الأراضي المحتلة ببناء "جدار الأبارتهايد".

وهكذا، كان نشر هذه الوثيقة التأسيسية مرتبطاً بضرورة صعود أبو مازن إلى سدّة السلطة تلبيةً لما طالبت به الولايات المتحدة، والتي كانت تشترط سحب معظم صلاحيات عرفات ومنحها لوريثه. وقد تحقّق ذلك من خلال إنشاء منصب رئيس الوزراء، بينما أصبح رئيس السلطة الفلسطينية رئيساً للدولة في نظام برلماني يتمتع بصلاحيات رمزية. نُشرت النسخة الموحدة الجديدة في العدد الخاص بتاريخ 19 مارس/ آذار 2003 ثم عُدلت مجددًا في 13 أغسطس/ آب 2005.
توافق محمود عبّاس مع الرئيس ماكرون على ضرورة كتابة "دستور جديد"، هو انقلاب على الدستور الذي جاء بعبّاس نفسه. ولذا، يبدو أن جملة التحوّلات الكبرى في الوضع الفلسطيني تحتاج إلى استكمال آخر حلقاتها، ممّا يُوجب إحداث تغييرات جذرية في النسخة الأولى التي لم تعد تلبّي ضرورات المرحلة الحالية: مرحلة إطاحة القضية الوطنية الفلسطينية نهائياً. دستور 2003 - 2005 لم يعد صالحاً، وإن كان غاية في الفعالية لبدء الحلقات الأولى في مرحلة تصفية القضية الوطنية، وها نحن من جديد نُعِدّ العدّة لكتابة دستور جديد، والقاسم المشترك بين القديم والجديد هو عبّاس ووريثه اللاشرعي (حسين الشيخ) في رام الله.
ومن دون الخوض في لاشرعية الادّعاء الماكروني بالمشاركة في صياغة دستور لفلسطين، وهو ما كان من الأَولى به أن يكنس آثار سياساته اللاديمقراطية المنافية لروح الدستور الفرنسي من أمام بيته قبل الادعاء بحقّه في كتابة دستور ديمقراطي لبلد آخر. هنا لا بدّ من التذكير من جديد بالبيان الختامي لوزيرَي الخارجية الفرنسية والسعودية، إذ سيكون ذلك البيان بمثابة الإطار العام لما يُنْوَى القيام به من دسترةٍ وقوننةٍ للتنازلات الفلسطينية المقبلة. التنازل الأول والأكثر خطورة انتزاع تنازل فلسطيني رسمي عن حقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني بجميع مكوّناته. فإذا أشار ذلك البيان إلى ضرورة تنفيذ القرارات الأممية المتعلّقة بفلسطين، تجنّب ذكر أيٍّ منها، وهذا من شأنه أن يُسهِّل إعطاء شرعية لبعضها (242 مثلاً)، وإلغاء بعضها الآخر (181 و194)، وذلك في تعارض واضح مع روح القانون الدولي، بل ولتحويل هذا القانون أدواتٍ سياسيةً منفعيّةً وميكيافيليةً لا تمتّ بصلة إلى قضايا العدالة.
بالطبع، قد تتضمّن ديباجة المشروع الدستوري المقبل إشارةً إلى حقّ تقرير المصير لذرّ الرماد في العيون، إذ إن حقّ تقرير المصير هذا لا يمكن اختزاله لصالح هذا الجزء أو ذاك من الشعب الفلسطيني؛ فهو حقّ لا يتجزّأ لقيامه على مجمل القرارات الدولية المتعلّقة بحقوق شعب فلسطين. الدستور الفلسطيني لا بدّ وأن يقوم على احترام حقّ تقرير المصير، وتحديداً في شقّه المتعلّق بحقّ العودة حقّاً فرديأً وجماعياً لا يسقط بالتقادم، ولا يمكن إخضاعه للمناورات التفاوضية وموازين قواها المختلّة لصالح الدولة الكولونيالية.
عودة لاجئي 1948 وتعويضهم هما على الدرجة نفسها من عدالة العودة والتعويض لنازحي 1967. حقّ تقرير المصير هو حزمة كلّية، وتقع في صميم القضية الوطنية للشعب بجميع مكوّناته، ولا تملك أيُّ سلطة فلسطينية الحقّ في التفاوض حولها مع الكيان الاستعماري الإحلالي الصهيوني الذي أحدث الشتات الفلسطيني بمرحلتَيه المذكورتَيْن. فإذا كان جوهر حقّ تقرير المصير هو منح الشعب أو السكّان المحلّيين إمكانية أن يقرّروا شكل السلطة التي يريدونها وطريقة تحقيقها بشكل حرّ ومن دون تدخّل خارجي، يتقدّم الثنائي ماكرون ـ عباس لصياغة دستور يُسقط هذا الحقّ بتقرير المصير، رغم أن كليهما "غريبان" عن هذا الشعب؛ "فرنسية" الأول لا تقلّ غربةً عن "فلسطينية" الثاني المتربّع على سدّة حكم جزء من هذا الشعب من دون سند شرعي.
مؤكّد هنا أن شريك القادة الصهاينة في حرب الإبادة، بمواصلته تزويد الدولة الإبادية بالأسلحة والذخائر والتكنولوجيا العسكرية، وهو من يعمل بنشاط محموم لإسكات الصوت الفلسطيني في فرنسا؛ هذا الزعيم النيوكولونيالي والنيوليبرالي لن يكون بوارد تطبيق العدالة، وإنما استخدام حرب الإبادة الصهيونية شرطاً للإبادة السياسية للحقّ الفلسطيني خدمةً للمشروع الصهيوني الاستعماري الإحلالي في فلسطين. وشريكه من الجانب الرسمي الفلسطيني هو تلك الشريحة القيادية الفلسطينية فاقدة الشرعية منذ 2006، التي لم تعد حاملةً للمشروع الوطني كما كانت عليه في الماضي.
من اللافت هنا تواطؤ بعض أنصار القضية الفلسطينية في فرنسا من أوساط اليسار مع هذه الرؤية التجزيئية للحقوق الفلسطينية، وتحديداً في قضية تقرير المصير الشمولي لشعب فلسطين، ممّا يجعلهم يلتقون موضوعيّاً، ومن حيث لا يدرون، مع هذا التصوّر الماكروني صهيوني الهدف بجوهره. في ندوة جامعية ضمّت كاتب هذه السطور إلى رمز ساطع من رموز مساندة القضية الفلسطينية في فرنسا، وعندما أشار الكاتب إلى حقّ تقرير المصير الشمولي لجميع مكوّنات الشعب الفلسطيني وما يفترضه مبدأ أن "الحقوق لا تُفاوَض ولا تتجزأ ولا تسقط بالتقادم"، انبرت تلك السيدة الوقور معارضة تقول إن الحقوق ليست أبدية، فها هو الناطق الشرعي (منظّمة التحرير الفلسطينية) باسم الشعب الفلسطيني هو من اعترف بدولة إسرائيل، مُسقِطًة بالتالي شرعية قرارات سابقة، كالتي أشار إليها هذا المقال (181 و194). استرسل الكاتب في القول إن حقّ العودة الذي ضمنته القرارات الدولية يتعارض مع الاعتراف الدولي بشرعية دولة إسرائيل، والتي أصبحت قضيةً لا تُناقَش. كان من الضروري تذكير هذه الحقوقية البارزة دوليًاً بأن مشروع تقسيم فلسطين، وإن لم يُستشَر الفلسطينيون مسبقاً، وإن كان مفروضاً عليهم من خارجهم، فهم لم يشاركوا في صياغته؛ فطموحاتهم الوطنية في دولة فلسطين العربية كانت تتجاوز هذا السقف الضيّق لقرار التقسيم غير العادل. رغم هذه العوامل كلّها، كان هذا القرار يتضمّن بعضاً من الحقّ الفلسطيني في تقرير المصير ضمن الدولة اليهودية المُعترَف بشرعيتها، وذلك عندما نصّ القرار على أن ما مجموعه 405 آلاف فلسطيني هم مواطنون متساوون مع أقرانهم اليهود الذين لا يزيدون كثيراً عن الفلسطينيين، أي ما مجموعه 558 ألف نسمة.

الدولة اليهودية التي اعترفت بها الأمم المتحدة هي "دولة ثنائية القومية" بامتياز من حيث المواطنة، قبل أن تتحوّل دولةً يهوديةً حصريّاً عبر التهجير القسري لمواطنيها من الفلسطينيين. المواقف الدولية اللاحقة نصّت على ضرورة عودتهم وتعويضهم عمّا خسروه من ممتلكات؛ قرارات ومواقف ضربت الصهيونية بها عُرْض الحائط، ممّا يجعل من الاعتراف الدولي بهذه الدولة ساقطاً. فما اعترفتْ به الأمم المتحدة هو دولة يهودية ـ فلسطينية في 14 ألف كيلومتر مربّع، وليست دولةً يهودية خالصةً وحصريةً لليهود. لقد كان القرار الدولي يعترف بمواطنة 405 آلاف فلسطيني مع 558 ألف يهودي في الدولة "اليهودية" ثنائية القومية، وهذا ما لم تحترمه الحركة الصهيونية.
إفقاد هذا الجزء من الشعب الفلسطيني حقوقه في المواطنة المتساوية، وفي العيش في وطن، كان نفياً قاسياً لحقّه في تقرير المصير، وفي المواطنة. وما لحق بالأجيال اللاحقة من اللاجئين كان استمراراً لنفي حقّه بتقرير المصير.
... وهكذا، سوف يحمل الدستور الفرنسي ـ الفلسطيني الموعود هذا النفي المُتجدّد، رغم تعارضه مع أبسط مقوّمات العدالة. فهل ستُستكمل حرب الإبادة في غزّة بحرب إبادة للشعب الفلسطيني في حقّ تقرير المصير والعودة، تحت الشعار الزائف عن قيام الدولة الفلسطينية؟