2026-03-07 05:22 م

"الجيل زد".. التحديات والمأمول

2025-11-05

بقلم: هدى بوحمام

الجيل زد أو "Gen Z" هو مصطلح عالمي يطلق على الفئة الديمغرافية المولودة تقريبا ما بين عامي 1997 و2012، والتي تأتي بعد جيل "Y" أو الملينيوم (Millennials). يعتبر هذا الجيل جيلا رقميا مئة بالمئة، نظرا لتعرفهم وتعاملهم المبكر مع عالم الرقميات، خلافا عن الجيل الذي يسبقهم.

يرى الكثير أن هذا الجيل مختلف تماما عن الأجيال السابقة؛ متميز بذكائه وانفتاحه عن العالم، وعيه بالأمور المادية والاجتماعية وسرعته في التفكير والرد والأداء وطلاقته في التعبير والحوار، غالبا بسبب بتأثره الواسع بالإنترنت والتكنولوجيا وما تقدمه من وسائل للتواصل والتأثير الاجتماعي.

ويرى آخرون أنهم جيل غريب، مضطرب ومتمرد وثوري ومستعصٍ ورافض لأي وضع مقيد يكبح فرامله أو يقطع أجنحته.

من ناحية، أتفق بقوة أن جيل z هو جيل ذكي وعبقري جدا خاصة في المجالات التي تتطلب تمرسا في التكنولوجيا والمعلوميات. هو أيضا منفرد ومبهر في كيفية التعامل مع الوقت والطاقة، يعمل بشكل مباشر وفعال ويحقق أقصى قدر من الإنتاجية بحد أدنى من الجهد والإنفاق.

بالإضافة إلى أنه جيل متفوق براغماتيا؛ يملك نوعية تفكير عملية ومنظمة، يضع الأهداف ويرسم لها الطرق بدقة على أرض الواقع، بعيدا عن الأحلام والأوهام التي كان يعيشها جيل "Y".

يتمرد ويرفض فقط عندما تكون العوائق التي تعترضه غير منطقية أو ظالمة لمجهوده (مثلا بالنسبة له، ببساطة شاب مجتهد أنهى مساره الدراسي/التكويني يجب أن يجد فرصة عمل تتناسب مع كفاءته وقدراته دون تدخل "المعارف").

يفكر بطريقة مبسطة ومباشرة، وينعكس ذلك على طريقته في التحاور وتوصيل المعلومة مما يولد التصادم والاشتباك مع الأجيال الأخرى التي لم تتعود على اللغة المباشرة والصريحة، خاصة في حال الاختلاف.

لذلك يجب انتظار أنهم سيتكلمون بطريقة واضحة ونبرة حادة؛ لن يسكت هذا الجيل عن حقه ولن يوافقك الرأي لأنك أكبر منه سنا أو خبرة أو سلطة، ولن يتبعك في عرف أو تقليد يفعله الجميع وهو لا يقتنع به، ولن يهدر طاقته معك في نقاش عقيم لا نهاية له.

ومن ناحية أخرى، أرى أنه جيل ضحية نوعا ما؛ جيل وضع أمام شاشات الهواتف الذكية والألواح الإلكترونية في سن مبكرة جدا مما نتج عنه جيل غير مستقر ومضطرب نفسيا واجتماعيا.

إن الآثار السلبية للشاشات على الصحة العقلية والسلوكية للأطفال معروفة ومثبتة علميا، حيث أكدت المنظمة الأميركية  لعلم النفس ارتباط كثرة التعرض للشاشات بتكاثر المشاكل النفسية لدى الأطفال الأقل من 10 سنوات.

يشمل ذلك المشاكل الداخلية، مثل القلق والاكتئاب، والمشاكل الخارجية، مثل العدوانية وفرط الحركة، وفق الأبحاث التي أجريت في الأونة الأخيرة.

لا وبل لعب نوع محتوى الشاشة دورا مهما أيضا حيث ارتبطت الألعاب الإلكترونية بمخاطر أعلى مقارنة بالاستخدام التعليمي أو الترفيهي.

بالإضافة إلى الاضطرابات النفسية المذكورة، هناك قلق متزايد من أن الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات يقلل من كمية ونوعية التفاعل مع البشر مثلهم، مما يؤدي إلى فرص أقل لممارسة وتطوير قدراتهم اللغوية والأداء التنفيذي والإدراك، خاصة عند الأطفال دون سن الخامسة (حسب NIH).

كل هذه النواتج تفسر الاضطراب والتيه والضياع الذي يعاني منه جيل z بالإضافة إلى الكم الهائل من المعلومات الذي تصله من الإنترنت.

لنسأل أنفسنا كيف سيتعامل طفل بتركيبة نفسية هشة ما زلت في طور التأسيس والبناء مع كمية كبيرة ومتنوعة من المعلومات التي لا يعرف عنها شيء من الأساس؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، يجب ضبط بعض الأمور المهمة الدخيلة على عالمنا العربي؛ بين تفشي الطلاق والانفصال العائلي، وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، والركض وراء المثالية وتحسين العيش ومواكبة الضغط المجتمعي، ينشأ طفل في أسرة غير الأسرة المألوفة.

أسرة إما ينقصها أب أو أم فيتربى في بيت ركنه مكسور وغير آمن، أو ينشأ بين أبوين عاملين لا وقت لديهما لتكوينه وتربيته كما ينبغي، أو أبوين تقليدين لا يفهمان اختلافه وتميزه، فيكونان في ذهنه شبه غائبين.

يجد جيل "Z" نفسه وحده في عالم كبير وموحش، يتخبط بين العديد من التيارات التي تجره في اتجاهات مختلفة، تصيب رأسه بالدوار وتجتاح شخصيته إلى الأبد ليكبر معه الخوف والتردد والوحدة والضياع واللاهوية.

لا يشعر بالانتماء لأي شيء لأنه لم يعرف معنى الانتماء من قبل. يعيش كل هذه التضاربات بينه وبين نفسه في صمت فوضوي معيق، لا يشاركه مع أحد خوفا من الأحكام وعدم التفهم والرفض والاتهام.

لذلك، أرى أننا يجب أن نرحم هذا الجيل من التهكمات والضغط والانتقاد، وأن نتقبله ونحتضن اختلافه الفكري والسلوكي، لربما يكف رأسه عن الدوار ويهدأ داخله من الخوف والتردد والاضطراب ويستقر قلبه بيننا ويطمئن، ويختار الانتماء.

"الجزيرة نت"