بقلم: د. حسن سليم
في خضمّ حالة الانسداد السياسي الفلسطيني، وفي ظلّ اضطراب المشهد الوطني وتعطّل المؤسسات المنتخبة، أصدر الرئيس محمود عباس في السادس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2025 إعلانًا دستوريًا جديدًا يقضي بأن يتولّى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ونائب رئيس دولة فلسطين مهامّ الرئاسة مؤقتاً في حال شغور المنصب، على أن تُجرى الانتخابات خلال تسعين يومًا، مع إمكان التمديد لمرة واحدة في حال قيام قوة قاهرة وبقرار من المجلس المركزي، كما نصّ الإعلان على إلغاء الإعلان الدستوري رقم (1) لسنة 2024.
وقد برّر الرئيس إصداره الإعلان بضرورة حماية النظام السياسي الفلسطيني، وضمان استمرارية المؤسسات، ومنع الفراغ في سدّة الرئاسة، في ظلّ غياب المجلس التشريعي وتعذّر إجراء تعديل دستوري وفق الآليات المنصوص عليها في القانون الأساسي، وهذا ما نقرأ فيه ان الإعلان جاء ليُضفي إطاراً مرجعياً مؤقتًا ينظّم العلاقة بين السلطات، ويوفّر سنداً لممارسة الصلاحيات السيادية في فراغٍ مؤسسيّ متفاقم.
ولاهمية الاعلان الدستوري الذي صدر، فكان من الطبيعي ان يحظى بالنقاش والجدل الواسع حول مشروعيته، فكان السؤال الذي فرض نفسه في الأوساط السياسية والقانونية، بل وفي الشارع الفلسطيني عموماً، هو: ما مدى مشروعية هذا الإعلان؟ وكيف يمكن توصيفه بدقة؟
فالقانون الأساسي المعدّل لسنة 2003 وتعديلاته، وهو الوثيقة الدستورية العليا في فلسطين، نصّ في مادته (37) على أن: " في حال شغور منصب رئيس السلطة الوطنية لأيّ سبب من الأسباب، يتولّى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني مهامّ الرئاسة مؤقتاً لمدة لا تتجاوز ستين يوماً تُجرى خلالها انتخابات حرّة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد".
وبذلك يكون المشرّع الدستوري قد حدد بوضوح الجهة المخوّلة مؤقتاً – وهي رئيس المجلس التشريعي – والمدة المحدّدة بستين يومًا، من دون أن يمنح أيّ سلطة أخرى حقّ تعديل هذا الترتيب أو تجاوزه، غير أنّ تعطّل المجلس التشريعي منذ 2007 جعل تطبيق النصّ مستحيلاً واقعياً، فبرز الفراغ الدستوري بوصفه أحد أخطر ملامح الأزمة السياسية الفلسطينية.
وبالعود للاعلان الدستوري، ونقاشة من جوانب متعددة واولها، القانوني، فان الاعلان من حيث الشكل، لم يصدر عن الجهة المخوّلة بالتعديل الدستوري، إذ إنّ سلطة التعديل تعود للمجلس التشريعي حصراً بموجب المادة (120) من القانون الأساسي، التي تشترط موافقة ثلثي الأعضاء، وعليه، لا يُعدّ الإعلان تعديلاً دستورياً مشروعاً، بل تنظيماً استثنائياً مؤقتًا خارج الإطار الدستوري الأصلي.
أما من حيث المضمون، فالإعلان أنشأ ترتيباً موازياً يخالف النص القائم من خلال نقل ولاية الرئاسة المؤقتة إلى نائب رئيس اللجنة التنفيذية بدلًا من رئيس المجلس التشريعي، ومدّد المدة إلى تسعين يوماً قابلة للتمديد مرة إضافية، وهو ما يشكّل تجاوزاً جوهرياً لمبدأ المدة المحدّدة للانتقال المؤقت للسلطة.
ومن زاوية الشرعية، فانه يمكن وصف الإعلان بأنه إجراء ذو شرعية سياسية مؤقتة، لا قانونية مكتملة، إذ صدر بحجة غياب المؤسسة التشريعية وضمان استمرارية النظام، لكنه يفتقر إلى السند الدستوري الصريح، ويمثّل تدخلًا من السلطة التنفيذية في مجالٍ مخصّص للسلطة التأسيسية.
ولهذا، وحتى لا يتم تحميل الاعلان ما لا يحتمل، ويتم وصفه بما ليس فيه، فان الاقرب له ان يتصف بالاعلان السياسي، لكونه صدر في سياقٍ من انقسام النظام السياسي وغياب الانتخابات وتعطّل المؤسسات المنتخبة، ولهذا يمكن النظر إليه كإجراءٍ سياسي بغطاءٍ دستوريٍّ هدفه إدارة أزمة محتملة أكثر من كونه إصلاحاً مؤسسياً، وفي ذات الوقت يعكس توجّه القيادة إلى تثبيت آلية انتقالٍ تضمن استمرارية السلطة التنفيذية تحت مظلة منظمة التحرير، وتمنع التنازع الداخلي على الشرعية في حال الشغور المفاجئ.
وما بين السياسة والقانون، فان الإعلان وان جاء غير منسجم مع أحكام القانون الأساسي من حيث الشكل والاختصاص، لكنه يستند إلى مبرّرات سياسية وواقعية تتعلق بظروفٍ استثنائية وبغياب المؤسسة التشريعية، فيغدو إجراءً ذا طابع سياسيّ مؤقتٍ يحمل مشروعية الأمر الواقع دون شرعية دستورية مكتملة، وهو اعلان يحمل في جوهره، رسالة إلى الداخل والخارج بأنّ موقع الرئاسة ما يزال قادراً على المبادرة والتأطير، وأنّ غياب التشريع لا يعني غياب الشرعية، لكن الواجب قوله، ان أنّ هذا النمط من الإعلانات، وإن بدا منسجماً مع ضرورات التنظيم، لا انه يفتح الباب أمام تساؤلاتٍ خطيرة حول مبدأ الفصل بين السلطات وحدود الشرعية الدستورية في غياب المؤسسات المنتخبة.
وختاماً، ولمعالجة اصل الازمة، فقد كان الأجدر، بدل اللجوء إلى الإعلانات المتكرّرة، الذهاب نحو إحياء مؤسسات الدستور ذاتها، فاستدامة الشرعية الدستورية في فلسطين لا تُبنى على تدابير الضرورة، بل على إعادة بناء المؤسسات المنتخبة وتفعيل النصوص القانونية القائمة لضمان انتقالٍ سلمي للسلطة يستند إلى حكم القانون لا إلى قرارات فردية، أما الاعلانات الدستورية وما يشببها فانهاوان نجحت في سد فراغ لفترة مؤقته، فإن ذلك لا يغني عن الحاجة الملحّة إلى إصلاحٍ دستوري شامل يعيد السلطة إلى مصدرها الطبيعي: إرادة الشعب الفلسطيني، عبر مؤسساته المنتخبة ودستوره السامي.
" أستاذ القانون الدستوري - كلية الدراسات العليا الجامعة العربية الأمريكية"

