2026-03-08 12:03 ص

الاعترافات الأوروبية .. صحوة ضمير أم إعادة إنتاج للمشروع الاستعماري؟

2025-09-24

بقلم: طاهر المصري

 في الآونة الأخيرة، شهدنا سلسلة من الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين، قُدمت في سياق سياسي ودبلوماسي وإعلامي واسع، جرى تصويره وكأنه صحوة ضمير غربية تجاه معاناة الشعب الفلسطيني الممتدة منذ قرن تقريباً. غير أن هذا الاعتراف، رغم زخمه الرمزي، يثير تساؤلات جدية حول دوافعه الحقيقية، وما إذا كان يمثل تحولاً جوهرياً في الموقف الأوروبي، أم مجرد إعادة إنتاج للمشروع الاستعماري ذاته، لكن بلغة جديدة وأدوات مختلفة.

منذ وعد بلفور مروراً بالانتداب البريطاني وليس انتهاءً بما يجري الآن من جرائم في الأرض الفلسطينية المحتلة، كانت أوروبا شريكاً أصيلاً في نكبة الفلسطينيين. فقد وفرت الغطاء السياسي والدعم العسكري والشرعية الاستعمارية لقيام إسرائيل، ثم واصلت لعقود طويلة دعمها المادي والسياسي لها، متجاهلة الحقوق الفلسطينية ومستهينة بقرارات الشرعية الدولية. إن أي محاولة أوروبية لتقديم نفسها اليوم كوسيط عادل أو طرف محايد تتجاهل حقيقة تاريخية راسخة: أوروبا ليست شاهدة على الجريمة، بل هي جزء من بنيتها التأسيسية.
لا يمكن الحديث عن الاعترافات الأوروبية أو أي تحركات دولية دون الإشارة إلى الدور الأمريكي الحاسم في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. فقد ظلّت الولايات المتحدة على مدار عقود، منذ قيام إسرائيل وحتى اليوم، الضامن الأول لوجودها، والداعم الرئيسي لسياساتها الاستيطانية والعدوانية، سواء عبر التمويل العسكري الهائل أو استخدام الفيتو في مجلس الأمن لمنع أي قرار يدين الاحتلال.
فالولايات المتحدة تمثل الضامن الرئيس للمشروع الصهيوني في المنطقة، ما يجعل أي اعتراف أوروبي أو تصريح دبلوماسي بلا تأثير عملي ما لم يكن متوافقاً مع الموقف الأمريكي. هذا الواقع يوضح أن الاستراتيجية الأوروبية ليست سوى محاولة للحفاظ على النفوذ ضمن الإطار الأمريكي، وأن أي خطوات أوروبية لن تتجاوز حدود ما تسمح به واشنطن. بمعنى آخر، أي شعارات عن "عدالة دولية" أو "حقوق الإنسان" يتم ترويجها في أوروبا غالباً ما تكون مشروطة بالالتزام بالمسار الأمريكي الذي يضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.
وعليه، فإن الاعترافات المعلنة اليوم لا يمكن قراءتها كتحول جذري في السياسات، بل كخطوة محسوبة لإعادة إنتاج الدور الأوروبي في المنطقة. فهذه الاعترافات ليست إلا ذراً للرماد في العيون، تهدف إلى تمرير عمليات التطبيع مع إسرائيل والدول العربية والإسلامية بسلاسة، وإعطاء الانطباع بأن أوروبا تستجيب لمطالب الفلسطينيين، بينما، في الحقيقة، تواصل على الأرض ما يرضي إسرائيل ويخدم مشروعها الاحلالي. بهذا المعنى، ما تقوله أوروبا هو ما يرضي الفلسطينيين ظاهرياً، وما تفعله هو ما يخدم إسرائيل عملياً.
لم يكن الاعتراف الأوروبي خطوة تتجه نحو تغيير جوهري في موازين الصراع، إذ إن هذه الدول لن توقف دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل، ولن تفرض عليها عقوبات حقيقية رغم جسامة الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، ولن تعترف بالنكبة الفلسطينية ولا بحق العودة والتعويض. ما يجري ليس سوى إعادة إنتاج لصورة استعمارية متجددة، تتقن التكيف مع لغة "العدالة" و"القانون الدولي" حين تخدم مصالحها، لكنها في العمق تظل منحازة للمنطق الاستعماري ذاته الذي قامت عليه نشأة المشروع الصهيوني.
وأمام هذا الواقع، لا يمكن مواجهة اللحظة التاريخية عبر الارتهان لوعود جوفاء أو أوراق اعتراف شكلية. بل المطلوب إعادة بناء البرنامج الوطني الفلسطيني على أسس ديمقراطية جامعة، وإحياء الحركة الوطنية بروح التمثيل الشامل والقيادة الجماعية، بعيداً عن الوصاية الأجنبية أو الانقسام الداخلي. إن ما نحتاجه ليس انتظار اعتراف الخارج، بل استعادة زمام المبادرة الوطنية من خلال خطة عمل شاملة تتكامل فيها المستويات السياسية والقانونية والشعبية والدولية:
- على المستوى السياسي الداخلي: هناك ضرورة لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الجامع للكل الفلسطيني، على قاعدة انتخابات ديمقراطية وتمثيلية تضمن الشراكة الكاملة بين القوى السياسية والمجتمعية، وبما يضع حداً لحالة الانقسام التي عطّلت المشروع الوطني.
- على المستوى الشعبي والميداني: هناك ضرورة لتعزيز المقاومة الشعبية المشروعة، وربطها بخطاب سياسي موحد يعكس وحدة الهدف الفلسطيني، مع الاستثمار في طاقات الشباب والنساء، وتحويل المجتمع نفسه إلى قوة فعل في مواجهة الاستعمار الاستيطاني.
- على مستوى تعزيز الصمود: هناك ضرورة لتعزيز صمود الناس على أرضهم، والتوقف عن تخويفهم بمسألة التهجير أو الإجلاء، بل التركيز على حقهم في البقاء، والحفاظ على السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي، مع توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة للتمسك بالأرض والبقاء فيها وعليها.
- على المستوى القانوني والدولي: هناك ضرورة لتفعيل الأدوات القانونية الدولية لمحاسبة إسرائيل على جرائمها أمام محكمة الجنايات الدولية وآليات الأمم المتحدة، وربط الاعترافات الأوروبية الشكلية بمطالب ملموسة تتعلق بإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وضمان حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
- على المستوى العربي والدولي: هناك ضرورة لتعبئة الرأي العام العربي والإسلامي والدولي عبر حملات منظمة للمقاطعة بكافة أشكالها السياسية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية...الخ، وبناء تحالفات مع حركات التحرر وحقوق الإنسان في العالم، بما يحول الاعترافات الشكلية إلى التزام فعلي بإنهاء الاحتلال ومناهضة الفصل العنصري.
إن شعباً ممزقاً لا يستطيع أن يحقق استقلاله، حتى لو اعترفت به كل دول العالم، أما شعب موحّد الإرادة والفعل، فبإمكانه أن يحوّل حتى الاعترافات الشكلية إلى أوراق قوة في معركة التحرر الوطني، ويجبر العالم على التعامل معه باعتباره صاحب حق أصيل لا يقبل المساومة أو الإلغاء.
إن الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين، مهما زخرفت بالعبارات الدبلوماسية، تظل ناقصة ومفرغة من مضمونها إن لم تُترجم إلى إجراءات عملية توقف العدوان وتُنهي الاحتلال. فهي ليست صحوة ضمير بقدر ما هي محاولة لتجميل وجه استعمار ما زال حاضراً بأشكال متعددة.
البقاء على الأرض وصمود الشعب هما الركيزتان الأساسيتان لأي مشروع تحرري، وإن جوهر المعركة لا يُحسم بما تقوله أوروبا أو غيرها، بل بما يفعله الفلسطينيون أنفسهم: توحيد صفوفهم، إعادة بناء مشروعهم الوطني، وتعزيز صمودهم على أرضهم، وتوظيف كل أشكال القوة السياسية والقانونية والشعبية لصناعة مستقبل التحرر. الحقوق الفلسطينية لا تُستجدى، وإنما تُنتزع عبر الصمود، والمقاومة المشروعة، والإرادة الوطنية الموحدة. هنا فقط، يتحول الاعتراف الشكلي إلى اعتراف بحقيقة لا يمكن للعالم إنكارها: أن الشعب الفلسطيني صاحب الحق والسيادة على أرضه، وأن استعماره لن يدوم.

 "وطن للانباء"