2026-03-08 12:03 ص

الاستيطان من القضم إلى الضم:  أرض أكثر، عرَب أقل

2025-09-24

بقلم: خالد بركات

بديهي القول إن المشروع الصهيوني في فلسطين ليس مجرد احتلال عسكريّ، بل خطة استعمارية إحلالية تستهدف الأرض والإنسان والموارد. فهذا المشروع الغربي الاستيطاني، المرتبط عضوياً بالإمبريالية ومخططاتها في منطقتنا، يعمل بمنهجية تراكمية وخطط مدروسة، تبدأ بالقضم التدريجي للأرض، تليه عملية الهضم عبر خلق واقع جديد، وصولاً إلى مرحلة الضم حيث يسعى الاحتلال إلى فرض ما يسميه «الحقائق على الأرض». وهو يفعل كل ذلك وفقاً لقانون صهيوني ثابت لا يتغير: أرض أكثر، وعرب أقل.

أولاً: القضم
وضعُ اليد على الأرض. تلك هي المرحلة الأولى في منظومة الاستيطان الصهيوني، والتي تقوم على «قضم لقمة» يبتلعها تدريجياً. وقد بدأ هذا النهج منذ عام 1878 مع أول مستعمرة أسّسها العدوّ (بيتح تيكفا) على أرض قرية ملَبّس الفلسطينية، ثم تسارعت خطواته التوسعية بتغطية من الانتداب البريطاني وكبار الملاك من طبقة الإقطاع، ومع حرب الاقتلاع عام 1948، ابتلع الجزء الأكبر من أرض فلسطين، وكرّس سياسته هذه بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وشرق القدس عام 1967.

واليوم، يتجلّى ذلك في الانتشار الكثيف للمستعمرات والبؤر الاستيطانية، حيث ثمة أكثر من 147 مستعمرة و224 بؤرة استيطانية زُرِعت في عمق الضفة الغربية والقدس، في حين بلغ عدد المستوطنين نحو 737 ألفاً حتى نهاية 2024، منهم أكثر من 503 آلاف في الضفة الغربية، و233 ألفاً في الجزء الشرقي من القدس. وهكذا، فإن عملية القضم لا تقتصر على إقامة مستعمرات، بل تمتدّ إلى السيطرة المكانية والسكانية.

أما جدار النهب والضم، فلم يعُد يذكره أحد، وبخاصة طبقة «أوسلو» العميلة، علماً أنه يمتدّ كأفعى حجرية لأكثر من 713 كيلومتراً، ويقع 85% من مساره داخل الضفة، ويعزل نحو 9% من مساحتها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الطرق الالتفافية التي تقسّم الضفّة إلى جزر متناثرة يسهل عزلها أمنياً واقتصادياً، بينما تُحاصَر القرى والمدن الفلسطينية بحواجز دائمة ومؤقتة، تجاوز عددها 650 حاجزاً، بينها 86 أُضيفت فقط بعد أكتوبر 2023. وإذ تُصمَّم هذه المنظومة لتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى «كانتونات» أو معازل محاصرة، فإن الاحتلال يضمن عبرها تواصله الجغرافي الكامل بين المستعمرات، عبر شبكة طرق عسكرية وخدماتية متطورة.

وفي خصوص مشروع «إي 1»، فهو يهدف إلى ضمّ الكتل الاستيطانية الكبرى (معاليه أدوميم) إلى القدس، وتقسيم الضفة، وعزل قرى القدس المتاخمة للمدينة؛ إذ إنه يقع بين مستوطنتَي «معاليه أدوميم» و«بسجات زئيف» في المناطق «ج» الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ويمتدّ على مساحة نحو 12 كيلومتراً مربّعاً بين بلدات عناتا والعيساوية والزعيّم والعيزرية وأبو ديس.

وقد أُطلق «إي 1» بداية تسعينيات القرن الماضي ضمن مساعي الاحتلال للسيطرة على مدينة القدس وفصلها عن محيطها الفلسطيني، فيما أضافت كل من حكومات العدوّ المتعاقبة، دونما استثناء، «مدماكاً» في المخطط الذي يعد جزءاً من إستراتيجية التوسع الاستيطاني التي تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة على القدس ومحيطها وتوسيعها لاحقاً. أما قرار العدوّ المضيّ في المشروع الآن، فمردّه أنه يعتبر اللحظة مناسبة جداً مع حرب الإبادة في غزة، وانهيار الموقف الفلسطيني (والعربي) الرسمي، وصعود اليمين الفاشي، ناهيك بوجود إدارة أميركية تشجّع الاستيطان وتقوم بتغطية جرائم العدوّ، وتوفر له الغطاء الشامل.

ثانياً: الهضم
إذا كان القضم يوفّر الأرض، فإن الهضم يُعيد تشكيلها، بحيث تصبح المناطق المستولى عليها جزءاً من البنية الإسرائيلية أمنياً، وسكانياً، واقتصادياً، وقانونياً. أي إعادة تشكيل الديموغرافيا. ويراهن كيان العدوّ على خلق واقع جديد، إذ يُغري المستوطنين بالانتقال إلى الضفة الغربية وشرق القدس عبر حوافز اقتصادية ضخمة، تتضمن تسهيلات ضريبية وامتيازات مالية. كما يربط المستعمرات بشبكات بنى تحتية وخدمات صحية وتعليمية متقدمة، ويعمل على تشكيل عصابات وميليشيات مسلحة بالتعاون مع جيش الاحتلال (راجع: «نحو فهم أدقّ للمُستعمَرة وأدواتها»، «الأخبار»، 2 أيلول 2023).

وهكذا، فإن الاستيطان أصبح خياراً جذاباً لشريحة من الطبقة الوسطى الإسرائيلية التي تبحث عن تكلفة أقل وجودة معيشة أعلى. والنتيجة: تضاعف عدد المستوطنين في الضفة خلال عقدين فقط. فالهضم لا يعني استجلاب «السكان»، بل يشمل بالضرورة طرد العرب والسيطرة على الموارد والاقتصاد أيضاً، وإغراء الشركات الصهيونية للاستثمار السهل والربح السريع عبر إنشاء مناطق صناعية متصلة بالطرق العسكرية، تستفيد من الأرض المصادَرة، وتستغلّ العمال الفلسطينيين ضمن منظومة قهر واستغلال متكاملة.

وعبر الاستحواذ على الموارد الطبيعية كالآبار والمياه الجوفية والأراضي الزراعية الخصبة، يُمنع الفلسطينيون من الوصول إلى أكثر من 60% من أراضي الضفة المصنّفة «ج»، في حين يُربط اقتصاد الضفة بالاقتصاد الإسرائيلي عبر التحكم بالمعابر، وتصاريح العمل، والمنافذ التجارية، وتعاون «جماعة السلام الاقتصادي» من العملاء، بما يحوّل الاقتصاد الفلسطيني إلى ملحق هش ضمن بنية اقتصادية استعمارية.

كذلك، يتمثل جزء أساسي من عملية الهضم في دمج المستعمرات إدارياً في مؤسسات «الدولة الإسرائيلية»، وهو ما يشمل المدارس، الجامعات، الخدمات الصحية، وحتى البريد والإنترنت، فضلاً عن توسيع «القوانين المدنية» التي تسري على المستوطنين في الضفة الغربية، وتعديل أنظمة التخطيط لتخدم احتياجات الاستيطان، بينما يرفض الاحتلال أكثر من 95% من طلبات البناء الفلسطينية في المناطق «ج».

ثالثًا: الضم
المرحلة الأخيرة، أو الضم، هي تتويج لمسار طويل بدأ بالقضم والهضم. وقد لا تعلَن رسمياً دائماً، ولكنها تُمارَس عبر خطوات متراكمة. فهناك الضم الفعلي الذي لا يتم بقرار، بل بتكثيف الإجراءات، و«شرعنة» البؤر العشوائية وتحويلها إلى مستوطنات يطلق عليها العدو «أحياء رسمية خاضعة للقوانين الإسرائيلية»، وهذا يعني إدماج المستعمرات في منظومة الخدمات الإسرائيلية: كهرباء، ماء، تعليم، صحة، ومواصلات... إلخ. وفي القدس تحديداً، يتمثل الضم في توسيع صلاحيات «بلدية» الاحتلال، والاستثمار في مشاريع «إسكانية» وتجارية ضخمة، وربط «الأحياء» الاستيطانية بالبنى التحتية الإسرائيلية، بينما يُحاصر الوجود الفلسطيني بالتضييق على التراخيص، والطرد، وهدم المنازل، وفرض الضرائب الباهظة.

بالنتيجة، سياسة القضم والهضم والضم ليست ممارسات جديدة ومتفرقة، بل إستراتيجية صهيونية ثابتة ومتكاملة منذ نحو 147 سنة، تهدف إلى تكريس مستعمرة الإمبريالية في المنطقة - إسرائيل -، وتقوية قاعدتها العسكرية عبر سرقة الأرض وتهجير العرب. مع ذلك، فإن عجلة الاستيطان الصهيوني لم ولن توقف المقاومة الشعبية والمسلحة على الأرض؛ فالمعركة في نهاية الأمر ليست قضية «مناطق، بل مصير فلسطين من النهر إلى البحر، ومصير الوطن العربي أيضاً، من المحيط إلى الخليج.

* كاتب عربي من فلسطين

المصدر: الاخبار اللبنانية