2026-03-08 11:10 ص

الحرب على الأردن.. حساباتها.. امام الملك والشعب

2025-09-24

بقلم: فؤاد البطاينة
توطئة
 موقع الأردن في إطار الصراع العربي – الصهيوني مختلف عن أي دولة عربية أخرى، وإن كونه دولة عضواً في الأمم المتحدة وبعلاقات دولية واسعة، أمر ليس في حساب إسرائيل وأمريكا إلا نظريا وحبرا على ورق، باعتبار أن وعد بلفور اعتبر الأراضي الأردنية جزءا من فلسطين، وأن اتفاق سايكوسبيكو وضع الأردن وفلسطين تحت انتداب بريطانيا كحصة لدولة يهودية. أما إقامتها للإمارة لم يكن بحسابهم ليصبح دولة عربية، بل لخدمة شروط قيام الدولة اليهودية في فلسطين. ومن هنا كانت عملية ضم الضفة للأردن تهدف لمنع قيام دولة فلسطينية أو كيان سياسي فلسطيني مستقل، ولتكون مع الأردن وديعة.
مصير الأردن في الشرق الأوسط الجديد.
ولذلك على النظام الأردني والشعب الأردني، أن ينتبهوا جيداً ويبنوا حساباتهم السياسية والإعلامية والعسكرية على أن الشرق الأوسط الجديد هو بالنسبة لأمريكا وإسرائيل لا يشمل الأردن، لأنه مشمول في مشروع إسرائيل الصغرى أي فلسطين. بمعنى أن فشل أو إفشال مشروع الشرق الأوسط لا يحمي الأردن، وإعادة تشكيل دوله لا يخص الأردن إلا كما يخص فلسطين. وللعلم، فإن هذا المشروع أصبح لأمريكا في متناول اليد، ذلك أن الدول العربية الشرق أوسطية كلها أصبحت جاهزة لإعادة هيكلة سياسية واجتماعية بالإرادة الصهيو أمريكية، وإن ما يشغلهم هو انتزاع الأردن الذي تعيقه غزة.
من يحدد مصير الأردن؟
القول بأن مصير الأردن مرتبط بمصير الضفة وغزة يجب أن لا يعني لنا غير أن الحرب التالية سياسية كانت أم عسكرية، هي احتلالية الطبيعة على الأردن إن نجحت إسرائيل في غزة. وليس مهما أن لا يكون الأردن لقمة سائغة، ولكن المهم أن لا يكون في المحصلة لقمة. فمصير الأردن يبدأ تشكيله بموقف قيادة النظام الأردني التي ما زالت تعيش حالة اللا فعل، وبمدى استعدادها لخطة المواجهة داخليا أولاً وبدون تلكؤ، وخارجياً إعلاميا وسياسيا وعسكرياً، وإلا فسيقرره الأردنيون بملايينهم العشرة بلا محظورات. لقد خنا وتآمرنا على الأردن حين رضخنا لاعتبار القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين وحدهم، وبأن نجاة الأردن في تغريبها، بينما هي قضية أردنية وُلدت وستبقى ما دامت القضية الفلسطينية قائمة.
 الحرب
الأردن قطعاً لن يبدأ حربا على “إسرائيل” ولكنها إن حصلت فستشنها إسرائيل وتكون طبيعتها “احتلالية بالقطعة” من الأغوار الى آخر مرتفعات السلط، وربما يبدأ التحرش من جنوب سورية. والذرائع الإسرائيلية للعالم الخارجي سهلة. على أن مسألة لجوء إسرائيل لهذه الحرب من أجل تحقيق أهدافها تعتمد على الموقف السياسي للملك. حيث لن تقدم اسرائيل عليها ولن توافق أمريكا، قبل حراك سياسي أمريكي خشن يقوم على ابلاغ الملك بمطالب اسرائيل “الحيوية” في إطار من التهديد والإغراءات للحصول على تعاونه في تنفيذ الأهداف بدون حرب.
ولو قيض لي أن أتحدث مع الملك صاحب القرار حديث مواطن لمواطن، لقلت له، انت لست بظروف شخصية وعامة تماثل التي عند أي حاكم عربي شرق أوسطي، ولا وضعك مثل وضع أي منهم ولا أنت سوى العدو المشترك لهم، ولا طبيعة شعبك ومصلحته كشعوبهم، ولا مصلحتك كمصلحتهم فيما يفعلونه، ولا التهديد لك ولمُلكك ولدولتك وشعبها بعمق ما يواجه أياً منهم. وما تمتلكه من متاع مادي هو صفر أمام ما يمتلكونه. وإن مصيرك بيدك وليس فيهم من مصيره بيده، ولا حول لهم بل ولا مصلحة لأحد منهم تجعله يجرأ على قول كلمة “لا” لأمريكا أو نقاشها أو التلكؤ في الإذعان. مترعون بأدوات القوة ولكنها كلها بغبائهم استحالت إلى أدوات ضعف واستضعاف وربما لجين الخيانة الذي يجمعنا. أرجوحتهم حبالها من الهواء وأرجوحتك حديد لو شئت.
إنك القوي الوحيد بينهم بشعب احترف الصراع مع الموت وقسوة الطبيعة، وهو اليوم صاحب قضية. تزامن وعيه على الدولة الحديثة بتحالفه مع مؤسسة العرش الهاشمي، متجذر بأرضه لا يبرحها ولا يمتلك وسيلة الرحيل لو شاء، ولن يشاء.، فمقاومته محكومة بالشهادة أو النصر كالغزي، والحرب إن خضناها معاً فهي حرب دفاعية عن وجود وليست هجومية.
 تمسك برجال وحرائر هذا الشعب وبعهدهم مع الهاشميين، فقد تمسكوا بك رغم أن حكوماتك سحقتهم وهمشتهم وأفقرتهم وسلبتهم حقوق المواطنة والإنسان، ومنحتم التمثيل المزور. ثم منعتهم من تشكل أي بديل سياسي وطني تستند ويستندون إليه عندما يحتاجه الوطن. تمسكوا بك حرصا منهم على وطنهم وعلى سلامة مؤسسة العرش التي بدائلها كلها جُعلت أمريكية صهيونية قاتلة للمجمل. لا خيار لك وللمجمل أكثر سلامة من خيار الرفض والمواجهة عندما تأخذ بأسبابها الموجودة. الكلام هذا معزول عن التشكيك، إنها هواجس الإستسلام للقوة الغاشمة وضياع وطن وتشريد شعب عندما لا نرى عوامل القوة المتاحة لنا محلياً ودوليا للمواجهة تُستجمع وتدار ولا عوامل الضعف تزال، وحالة الّا فعل المرفوضة تطول. وبهذا أجمل رؤيتي على سبيل العصف الذهني لعل الشعب يسمع لكم رؤية منقطة فأنت صاحب القرار والمقام
رؤية في الواقع والمطلوب.
عاملان داخليان للهزيمة في المواجهة العسكرية مع “اسرائيل” والإنقلاب عليهما يحقق النصر المؤزر. الأول يتمثل في القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة على الأراضي الأردنية كاختراق رهيب. فلا بد من تحييدها والتخلص من خطرها الذي قد يصل في أحد السيناريوهات للسيطرة على مراكز السلطة واستبدال مؤسسة العرش والقرارين السياسي والعسكري الوطنيين بوجوه امريكية وهوية أردنية. أو يلجأ الأمريكي لتصنع الحياد والتعاون مع إسرائيل في استخدام القوة المفرطة Excessive Use Of Power لتحقيق أهدافه بسلاح الطيران..وبهذا فإني إذ أذكر بأن النصر في معركة الكرامة كان من أسبابه الرئيسية تحييد سلاح الجو، لأذكر بأن على القيادة أن تبحث عن حليف استراتيجي محايد، ولدى الأردن الكثير مما يقدمه بالمقابل لا سيما موقعه الإستراتيجي واستخراج الثروات الباطنية الهائلة.
العامل الثاني وآداة المواجهة العسكرية.
أما العامل الثاني للهزيمة، فيتمثل في جبهة داخلية مدمرة على المستويين الرسمي والشعبي، والإنقلاب عليه هو الحاسم في كل االظروف ولإحتمالات. فلا مواجهة عسكرية ناجحة بدون جبهة داخلية سليمة واستراتيجية قتالية تتفوق على أسلحة “إسرائيل وأمريكا “، كما ليس بالنهج السياسي ومنظومته ورجالها الذين ترسخت وارتبطت مصالحهم بالفساد وعزل الشعب عن الدولة وتسخيرها لخدمة أمريكا واسرائيل يمكن أن تكون مواجهة مع العدو. ومن هنا فإن الإنقلاب على هذا العامل ثنائي الشكل والمضمون وتحويله لأداة نصر مرتبط بإجرائيين داخليين، الأول بالتغيير الداخلي فلكل مرحلة رجالها وأهدافها ووسائلها. والثاني مرتبط بالأداة الإستراتيجية للمواجهة العسكرية. فلا نصر لجيشنا على سلاح إسرائيل وأمريكا بحرب كلاسيكية. بل النصر المؤكد يكون بجيش شعبي مقاوم رديف، وخمرته موجودة في جيش المتقاعدين العسكريين. فالشعب المقاوم هو الوحيد القادر على إفشال وإعجاز الأمريكي وجيشه وقواعده في الأردن، وعلى مقاومة ودحر أي غزو صهيوني.
 وفي الختام، إنه من قِبل الفشل وتكريسه أن يتعلق العرب بخدعة الأوروبيين وهم يشغلون الرأي العام العالمي عن ما يجري في غزة من خلال ضجيج اختبائهم خلف مسألة الإعتراف بالدولة الفلسطينية بينما كان الأجدى والأسهل على الأوروبيين لو كانوا غير متآمرين، هو أن يوقفوا المحرقة الكبرى في غزة أولاً، وأن لا يستخدموا خديعتهم للتغطية على نازية وإرهابية الكيان ويلصقونه بالمقاومة الفلسطينية. إنهم يعرفون أن الإعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية في إطار حل الدولتين موجود على الورق، وأن تحققها على الأرض لا يكون بقرار جديد من الجمعية العامة، بل يبدأ بقرار من مجلس الأمن وتوصية منه للجمعية العامة، وهذا وحده الذي يؤهل الدولة الفلسطينية لعضوية الأمم المتحدة الكاملة، ويمهد لقرار تحت الفصل السابع يجبر الكيان على التنفيذ بالقوة ويسمح باستخدامها ضد الكيان ويدعم المقاومة الفلسطينية على هذا.
كاتب عربي اردني