2026-03-07 05:04 م

العودة للجذور: هل يحل ترامب السلطة الفلسطينية؟

2025-09-20

اختتم ترامب ولايته الأولى بعلاقة شبه مقطوعة مع السلطة الفلسطينية، عمد خلالها إلى تهميش دورها في أي خطوة تتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتضييق على مساعداتها المالية، وصولًا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معها. وبرغم ما قدمته السلطة من تنازلات، لم تعد شريكًا مرغوبًا به في مسار “السلام”. ومع ذلك، تبدو الولاية الحالية – التي لم يمضِ على بدايتها سوى أشهر قليلة – أشد توترًا؛ إذ تتجه الإجراءات الأمريكية ضد السلطة ورجالاتها نحو محاولة سحب صفتها التمثيلية الدولية، ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن حرب الإبادة المدمّرة في غزة، ولا عن مخططات الضم المتسارعة في الضفة الغربية تحت مظلة مباركة أمريكية.

ما حدود علاقة ترامب بالسلطة الفلسطينية؟ وكيف أسهم التهميش الممنهج في تقزيم دورها على الأرض؟ ثم كيف حاولت السلطة تدارك الموقف وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ وما انعكاسات غياب العلاقة الدبلوماسية بين الطرفين على الفلسطينيين؟ وأي دلالة يحمل وصم السلطة بـ”الإرهاب”؟ هل يسعى ترامب إلى سحب صفتها التمثيلية والاكتفاء بتحويلها إلى مكتب تنسيق أمني؟ يحاول هذا المقال أن يجيب عن هذه الأسئلة وغيرها.

التهميش الممنهج: أول الرقص حنجلة
في الأشهر الأولى من فترته الرئاسية السابقة، جمع ترامب علاقات ودية مع محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، كان عنوانها تفاهمات حول دور السلطة الأمني في الضفة الغربية، غير أن إعلان ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، في اعتراف ضمني بحق “إسرائيل” في المدينة المقدسة كعاصمة لها، أدى إلى توتر العلاقات بين الطرفين، إذ رفضت السلطة الخضوع لهذه الخطوة ومواصلة العلاقة بناءً عليها، ما أسفر عن قطع القنوات الدبلوماسية بين الجانبين، وإغلاق الممثلية الفلسطينية في واشنطن، إضافة إلى وقف المساعدات والتمويل الأمريكي لمؤسسات السلطة.

لكن سرعان ما تغيّر الحال؛ إذ على مدار أعوام حكم ترامب لم تكن السلطة الفلسطينية شريكًا في مخططاته، سواء تلك المتعلقة بالضفة الغربية (صفقة القرن) أو بقطاع غزة (مشروع ريفيرا غزة)، بل على العكس من ذلك، تعمّد ترامب خلال فترتيه الرئاسيتين تجاوز مبدأ “حل الدولتين” الذي يضمن للسلطة الفلسطينية استمراريتها ودورها الوظيفي والتمثيلي، مؤكدًا أن دولة فلسطينية تعني “مكافأة للإرهاب”، في إشارة إلى نفيه إمكانية تتويج جهود السلطة بالاعتراف الدولي.

ففي فترته الرئاسية الأولى، دقّت صفقة القرن المسمار الأول في نعش السلطة الفلسطينية؛ فلا أرض ولا سيادة ولا استقلالية ولا مبرر وجود، ولم يكن الدور الخدماتي المحدود للسلطة وفقًا لصفقة القرن فخًا مخبأً، بقدر ما كان مطروحًا علنًا على طاولة واشنطن؛ إذ طرحت ما يعرف بخطة “السلام والازدهار” دورًا ضيقًا للسلطة الفلسطينية، تعمل فيه كوكيل أمني لملاحقة جيوب المقاومة في الضفة، من دون امتلاك سلاح أو حكم ذاتي أو سيطرة على الحدود البرية أو البحرية أو الجوية.

الصفقة المستوحاة من خطة “القطرات” التي وضعتها المنظمة الصهيونية العالمية عام 1979 لم تتضمّن أي تصور لدورٍ فلسطيني تمثيلي آنذاك، كما لم تشهد تعديلًا جوهريًا عند إعادة طرحها خلال فترة ترامب الرئاسية الأولى؛ إذ تحوّلت الضفة الغربية بموجبها إلى جزر معزولة تربطها جسور وأنفاق تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وبأقل التكاليف، بحيث يتولى الفلسطينيون خدمة أنفسهم بدلًا من أن يتحمّل المحتل مسؤولياته تجاه ظروف معيشتهم وفقًا لقواعد القانون الدولي، في ما وُصف بأنه أرخص احتلال عرفه التاريخ المعاصر.

أما ريفيرا غزة، فلم يُبقِ للسلطة أي أمل بحكم القطاع في “اليوم التالي للحرب”، وكأن غزة قد سُلخت عن الأرض الفلسطينية التي تطالب بها السلطة في المحافل الدولية. لقد بدا المشروع دعوةً صريحة للتطهير العرقي ونزع الصفة العربية عن الأرض، وتكريس ما يُعرف بحل الدولة الواحدة، وهو الطرح الذي نال إعجاب ترامب وتقدّم عنده على حل الدولتين، إذ اعتبر الدولة الواحدة هي “إسرائيل” وحدها، متسعة بقدر ما تسمح به الجغرافيا، ومنفردة بالحكم والسيادة، وآمنة بسواعد وكلائها العرب داخل فلسطين وفي محيطها العربي.

وقد قاومت الإدارات الأمريكية المتعاقبة طويلًا مقترحات السلطة بحكم غزة، في مقابل تمسك واشنطن بدعمها الشكلي لحل الدولتين. وكان آخر تلك المواقف رفض مقترحات السلطة بشأن “اليوم التالي” لحرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، حيث فضّلت واشنطن الإبقاء على حالة من عدم الاستقرار والعزلة الدولية لقطاع غزة في ظل حكومة إسلامية يرفضها الغرب عامة، بدلًا من منح مزيد من الأرض لجهة تحظى بنوع من التمثيل الدولي وتلقى قبولًا في الأوساط الأوروبية والعربية. كل ذلك جرى تحت ذريعة “فساد أجهزة السلطة” أو “تحريضها الخفي على إسرائيل”، وهي شمّاعة دأبت واشنطن على استخدامها، مهما قدّمت السلطة من فروض الطاعة ومهما زادت في تعاونها وتسليمها.

الدول العربية هي الأخرى تجاوزت السلطة الفلسطينية في تحركاتها المتعلقة بحكم قطاع غزة بعد الحرب؛ فمن تغيّب قوى فاعلة مثل الإمارات والسعودية عن اجتماعات القادة العرب التي حضرتها السلطة الفلسطينية – كاجتماع فبراير الذي تلا إعلان ترامب عن خطة الريفيرا – إلى عقد اجتماعات تستثني السلطة لبحث مستقبل القطاع، مثل اجتماع السعودية وقطر ومصر والإمارات عقب الإعلان نفسه، وصولًا إلى خطط عربية لإدارة القطاع بشكل مؤقت كما في خطة مصر، بدا واضحًا أن أيًا من شركاء واشنطن في المنطقة لم يكن معنيًا بوجود السلطة أو بلعبها دورًا مؤثرًا في إدارة القطاع.

وعلى خلاف بايدن، لم يهتم ترامب يومًا بإصلاح السلطة الفلسطينية، بل سعى لاستخدامها كبيدق أمني في الورقة الفلسطينية، الأمر الذي دق نواقيس الخطر لدى السلطة؛ إذ إن تهميش ترامب لها في خطة الريفيرا، ومن ثم تهميش حلفائه من القوى السنية في المنطقة – وخاصة المملكة العربية السعودية – دفع السلطة إلى تحرك عاجل، فما إن عقدت الجامعة العربية قمتها الطارئة حتى أعلن محمود عباس عن تعيين حسين الشيخ، المرغوب أمريكيًا، نائبًا له، إلى جانب إصداره عفوًا رئاسيًا عن المفصولين من حركة فتح وعلى رأسهم محمد دحلان، المرغوب خليجيًا. وهي خطوة لم تثنِ ترامب عن المضي في مخططاته التي استثنت السلطة جملة وتفصيلًا من الحكم الفعلي والتمثيل الدولي.

وأخيرًا، جاء التفاوض الأمريكي المباشر مع حركة حماس بشأن إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في القطاع ليشكّل صفعة جديدة للسلطة الفلسطينية، التي تصر على استثناء الحركة من حكم غزة بعد الحرب بحجة عزلتها الدبلوماسية والدولية وتبنّيها نهجًا تعتبره واشنطن “إرهابيًا” ولا يمكن التواصل معه، وقد رأى اليسار الإسرائيلي في تجاهل ترامب للسلطة ومعاقبة رجالاتها ومؤسساتها هديةً لحماس، في إشارة إلى العواقب التي جرّها إجهاض مبدأ حل الدولتين على مستقبل السلطة الفلسطينية.

الميل مع اتجاه الريح
ما إن لاحت في الأفق احتمالية عودة ترامب إلى البيت الأبيض قبيل الانتخابات الأمريكية الأخيرة، حتى بدأت السلطة الفلسطينية سلسلة خطوات لاستعادة ثقته وتلافي الفجوة التي حدثت بين الطرفين إبان فترته الرئاسية الأولى، فقد شنت السلطة حملة قمع عنيفة ضد مخيمات طوباس وجنين شمال الضفة الغربية في أواخر عام 2024، في محاولة للجم المقاومة الفلسطينية المتنامية هناك.

كما أعلن محمود عباس في فبراير الماضي امتثال السلطة لقانون تايلور فورس لعام 2017، الذي يمنع الكونغرس من تمويل السلطة طالما تستمر بدفع مخصصات لمرتكبي ما تصفه واشنطن بـ”جرائم إرهابية” ضد الإسرائيليين، سواء كانوا أسرى أو عوائل شهداء نفذوا عمليات ضد الإسرائيليين، وقد شكلت هذه المسألة نقطة خلاف محتدمة بين السلطة والإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية.

وبينما كانت السلطة تخشى في السابق رد الفعل الشعبي على قطع مخصصات الأسرى وعوائل الشهداء، توصّلت أخيرًا قبيل تولي ترامب ولايته الثانية إلى خطة تقضي بالامتثال للمطالب الأمريكية، فأعلنت، مع مطلع الشهر الأول لترامب في البيت الأبيض، نقل نظام الدفع المخصص للأسرى والشهداء إلى برنامج الرعاية الاجتماعية القائم على الحاجة المالية، لنزع البعد الوطني والسياسي عن هذه المخصصات والإبقاء عليها كجزء من الخدمات الاجتماعية للنظام الحاكم.

وامتثلت السلطة بالحرف لمتطلبات قانون تايلور فورس، التي تفرض إدانة علنية ومباشرة لما تسميه واشنطن “العمليات الإرهابية”، ففي آخر عملية نفذتها المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وهي عملية القدس التي وقعت في سبتمبر الجاري، سارعت السلطة إلى إدانة ما وصفته بالهجوم الإرهابي على المدنيين.

لقد تعلمت السلطة درسها القاسي من أزمة نقل السفارة عام 2017؛ لذلك اختلف رد فعلها على خطة ترامب لليوم التالي للحرب، المعنونة بـ”ريفيرا غزة”، فلم تلجأ إلى الرفض المباشر والتحدي، بل اختبأت وراء موقف عربي جماعي رافض، على أمل ألا تضطر إلى قطع العلاقات الثنائية بشكل كامل إذا ما أصر ترامب على تنفيذ خطته. ومن جهة أخرى، ظلّت تحركاتها مع إدارة ترامب بعد إعلان خطته تجري في الظل، حتى لا تُتّهم بالتواطؤ المباشر.

الدبلوماسية المفقودة: محو الفلسطيني
لم تكن خطوة إغلاق الممثلية الفلسطينية في واشنطن وقطع العلاقات الدبلوماسية مع السلطة إبان فترة حكم ترامب الأولى مجرد فركة أذن على رفض صفقة القرن والإعتراض على خطة نقل السفارة الأمريكية لتل أبيب إلى مدينة القدس؛ إذ ما إن عاد ترامب للبيت الابيض حتى أغلق مكتب الخدمات الأمريكي OPA الذي افتتحه بايدن لخدمة الفلسطينيين في القدس الشرقية وضمه لسفارته لتل ابيب في إمعان بقطع العلاقات الدبلوماسية ونفي الصفة الدولية عن الفلسطينيين. 

وقد أثر غياب القناة الدبلوماسية بين واشنطن والسلطة على الفلسطيني في الداخل والخارج على السواء؛ فعدا عن أنّ أي من مخططات ترامب لم تلق بالاً للسيادة الفلسطينية بل ورفضتها جملة وتفصيلاً معتبرةً إياها تهديداً نوعيا للسيادة والأمن الإسرائيليين؛ فإن إدارة ترامب دأبت على التعامل مع الفلسطينيين كمعدومي الجنسية في نفي فعلي لدور السلطة التمثيلي والمنظمة من قبلها وسحب لبساط أوسلو الذي ما زالت السلطة تتمسك به. وقد ثبتت هذه الواقعة في عدد من التحركات الداخلية الامريكية والدبلوماسية وحتى التصريحات الرئاسية.

فقد أزال ترامب من موقع وزارة الخارجية الأمريكية مسمى “الأراضي الفلسطينية” ولم يعد بإمكان الفلسطينيين ذكرها في طلباتهم ومعاملاتهم الأمريكية، كما لم يعد بالإمكان تسميتها في المساعدات الأمريكية أو التحركات السياسية والدبلوماسية الداخلية. في المقابل، رفض رفضاً قاطعاً حق العودة لفلسطيني المهجر والشتات وتمسك بحل التوطين في البلاد التي لجؤوا إليها. 

مؤخراً، تأتي خطوة إلغاء التاشيرات الدبلوماسية الممنوحة لممثلي السلطة الفلسطينية لحضور إجتماعات الجمعية العامة المزمع إقامتها في مقرها في مدينة نيويورك خلال شهر سبتمبر الجاري تأكيداً على عدم رغبة إدارة ترامب بتمتع السلطة الفلسطينية بصفة تمثيلية دولية مؤثرة في الخارج ووقوفها على قدم المساواة مع سلطات الحكم في العالم الحر. 

فالتبريرات التي ساقها وزير خارجية ترامب ماكو روبيو لإلغاء التاشيرات تبدو مفرغةً من معناها بإستثناء التحركات الدولية للإعتراف بدولة فلسطينية. فمن طلبه إدانة ما أسماه بالإرهاب بما في ذلك عملية السابع من اكتوبر وحتى تغيير المناهج الفلسطينية ووصولاً لوقف التحركات القانونية في محكمة الجنايات الدولية؛ يبدو أن روبيو لم يلحظ ان السلطة قد سبقته بخطوة. فالإدانة لطوفان الاقصى ولكل تحركات المقاومة في القطاع وفي الضفة علنية ومكررة على ألسنة رجالات السلطة. بل إنّ المقاومة كانت كبش فداء واساس تحركات السلطة في أوروبا لجني إعتراف بالدولة الفلسطينية تضمن لها بقاءها في الحكم؛ إذ أدان محمود عباس في رسالته الموجهة لماكرون حزيران الماضي عملية السابع من أكتوبر وطالب بتحرير “الرهائن” فوراً دلالة على نبذ سلطة رام الله لما يعتبره الغرب “إرهاباً”. 

والمنهاج الفلسطينية الحالية تكاد تخلو من آيات الجهاد والشهادة وسير المناضلين خاصة بعد حملة التعديلات التي شنتها السلطة على المناهج الفلسطينية 2016-2017 مع بدايات الضغط وقطع التمويل من إدارة ترامب الأولى والكونجرس حينها. أما القضية المرفوعة أمام محكمة الجنايات الدولية فهي مجمدة منذ أمد طويل ولم تكد بعد تولي كريم خان منصب المدعي العام للمحكمة خلفاً لفاتو بنسودا تتحرك قيد أنملة. والسلطة نفسها لم تعد القضية ضمن جدول اولوياتها وهي تناضل الآن في حرب وجود مع إدارة ترامب الحالية. 

يبقى المبرر الأخير الذي اعتبره روبيو مخالفاً للقوانين والأعراف الأمريكية ومكافئاً للإرهاب وهو مساعي الإعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة من قبل حكومات غربية وأوروبية أبرزها كندا، إستراليا، بريطانيا وفرنسا؛ الامر الذي تدرك السلطة الفلسطينية أن في التراجع عنه إطلاقاً للنار على قدميها وسحباً لآخر فرصها للحكم والتمثيل الدوليين. رغم أن تحرك روبيو ذاته يأتي مخالفاً للإتفاق الموقع بين واشنطن والأمم المتحدة عام 1947 والذي يلزم واشنطن بمنح تأشيرات دخول أراضيها للوفود الدبلوماسية لحضور إجتماعات الجمعية العامة في مقرها في مدينة نيويورك.

صفة الإرهاب: القضاء في خدمة ترامب
لم تستقل إدارة ترامب في محاصرة السلطة وسحب البساط من تحت قدميها منذ مطلع العام الحالي؛ فقد تظافرت معها محكمة النقض الأمريكية أعلى سلطة قضائية في البلاد والتي يسيطر عليها الجمهوريون بواقع 6 قضاة مقابل 3 ديمقراطيين. ففي العشرين من حزيران الماضي أصدرت المحكمة بالإجماع قراراً يتيح للرعايا الامريكيين المتضريين من عمليات المقاومة في إسرائيل والأراضي المحتلة مقاضاة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير على “أفعال الإرهاب”. 

يأتي قرار المحكمة في قضية فلد ضد منظمة التحرير الفلسطينية، متماشياً مع قانون الكونجرس لعام 2019، في ظل إدارة ترامب الأولى، وهو قانون “تعزيز الأمن والعدالة لضحايا الإرهاب “PSJVTA. والذي يمنح المحاكم الأمريكية سلطة نظر القضايا المرفوعة على السلطة والمنظمة والتي تتضمن أفعال الإرهاب المنسوبة للفلسطينيين. إضافة لكل من قانون تايلور فورس الذي يحرم السلطة من بعض التمويل لدفعها مستحقات الاسرى والشهداء وسياسة “إدفع من أجل القتل” التي استحدثتها واشنطن لمعاقبة السلطة على تحويل تلك المستحقات. 

المحكمة غضّت الطرف عن مسألة ما إذا كانت السلطة الفلسطينية تمثّل طرفاً دولياً يملك سيادةً على أراضيه وشعبه، في تماشٍ مع سياسة واشنطن الرافضة للبت في المسألة، ولكنها لم تقم أيضاً بتسمية السلطة ب”منظمة إرهابية أجنبية” FTO وهو مسمىً يتبعه قطع كلي للعلاقات مع السلطة، تاركةً بذلك هامشاً للإدارة الأمريكية للتحرك بما يوافق مصالحها ومصالح إسرائيل مع السلطة.

الحكم جاء مفاجئاً في توقيت حرج ومهّد لقرار روبيو بحرمان وفد السلطة من الحصول على تأشيرات لدخول الولايات المتحدة لحضور جلسات الأمم المتحدة. إذ أن المحكمة لطالما نأت بنفسها عن إنصاف الضحايا الفلسطينيين أو المؤيدين للحق الفلسطيني من الذين يحملون جنسيتها بدعوى خروج المسألة عن صلاحياتها وإنضوائها تحت لواء أعمال السيادة التي تنفرد بها الإدارة الامريكية دوناً عن السلطة القضائية. الحكم يأتي إقراراً واقعياً بصفة السلطة كقائمة بأعمال الإرهاب وإن لم يصمها بذلك بشكل علني ومباشر. 

التنسيق الأمني مقدس عند الجميع
لا تخلط واشنطن الأوراق؛ فالدور الأمني للسلطة الفلسطينية محوري بالنسبة لترامب وهو متوجه بشدّة لتقديمه على ما سواه من أدوار تلعبها السلطة على الساحة الفلسطينية. من ناحية هناك ورقة التمويل الأمريكي التي حتى في أحلك ظروفها إبان فترة الإدارة الأولى لترامب لم تتوقف عن تمويل أجهزة الأمن الفلسطينية؛ في حين قطع ترامب عام 2018 كافة المساعدات الأمريكية لمؤسسات السلطة الأخرى بما فيها 230 مليون دولار متوجهة للتنمية الإقتصادية في الضفة والقطاع، 25 مليون منها مخصصة لمستشفيات القدس الشرقية، و360 مليون دولار أخرى مخصصة للأونوروا. 

وحتى بعد أن أعلن ترامب إبان فترته الرئاسية الثانية، فبراير الماضي تجميد المساعدات الخارجية الأمريكية وبرامج الUSAID بصورة عالمية، بما يشمل مخصصات الأجهزة الأمنية الفلسطينية؛ حافظت واشنطن على قنوات التمويل الاخرى التي تضمن تدفق الأموال والتدريبات والمعدات لتلك الأجهزة. فقد تقدمت وكالات المخابرات المركزي CIA لتمويل الأجهزة، كما تابعت وزارة الخارجية تمويلها من خلال برنامج مكافحة المخدرات وإنفاذ القانون INCLE. وهذه القنوات تم استخدامها بطلب من إسرائيل؛ إبان إدارات ترامب وبايدن واوباما، في كل مرة كانت واشنطن تقطع المساعدات الموجّهة للشعب الفلسطيني ومؤسساته وخطط التنمية والبنية التحتية وبرامجه الصحية والتعليمية. كان التمويل الامريكي الجانبي يحافظ على تدفقه لأجهزة الأمن للحفاظ على دورها الأمني في الضفة دون سواه. 

 ومن ناحية أخرى هناك التدريب والإشراف الأمريكي المباشر على هذه الأجهزة والذي يلعبه دوره الرئيس مكتب المنسق الأمني الامريكي الذي تم إنشاؤه في بدايات تولي محمود عباس لرئاسة السلطة أيام إدارة بوش. وقد لعب هذا المكتب، إضافة لمجلس الامن الأمريكي، دوراً مهماً في تنسيق العمليات العسكرية التي شنتها السلطة على مخيمات جنين وطوباس بداية العام الجاري. ورغم تهديدات إدارة ترامب بإلغاء المكتب إمعاناً منها بتهميش السلطة ورفض أي دور لها؛ تراجعت الإدارة مؤخراً عن تلك الخطوة وأسندت مهمة متابعته لمايك هاكابي، سفير ترامب لإسرائيل، بدلاً من ماركو روبيو وزير الخارجية، كما كان الأصل منذ عام 2005. ويأتي هذا التغيير في إشارة لضم السلطة كجهازٍ أمني مربوط بإسرائيل بدلاً من كونها طرفاً ندّاً في المعادلة أمام الأمريكي الوسيط.

وحتى بعد أن ضاعفت إسرائيل من علمياتها العسكرية في الضفة الغربية؛ ما زالت واشنطن تسعى لتمكين الدور الأمني للسلطة الفلسطينية لإداركها بأهميته على المدى الطويل لإستقرار الضفة الغربية وأمن إسرائيل. 

ختاماً؛ في كتابها “تاريخ قصير لقطاع غزة” ترى آنا عرفان، محاضرة الجندر والعرق ودراسات الإستعمار في جامعة لندن، أن نهج ترامب بتهميش السلطة وقص أجنحتها وتقليم أظافرها، يأتي تتويجاً لجهود ونوايا الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ كلينتون الذي أنشأ السلطة بموجب اتفاقيات أوسلو. وأنّ الدور الأمني المحدود الذي تلعبه السلطة بعرف ترامب ومخططاته ليس إلا تأطيراً لدورها الاساس الذي تريده واشنطن منذ البدايات المبكرة حيث الصفة التمثيلية الدولية هي مجرد شبّ عن الطوق يستدعي تأديباً عاجلاً. 

وعليه يبدو أن أي توجه للتحرر الجزئي والإستقلال ولو الورقي بإعلان سيادة مفرغة من معناها على الضفة المسلوبة والقطاع المدمّر سيقابل بغضب أمريكي وعقوبات تتراوح بين التهميش وتجميد المعونات وقد تصل مستقبلاً إلى حد إعلان حل السلطة وتحجيم دور رجالاتها في مكاتب أمنية وخدماتية تابعة لتل أبيب بالكلية تحمل عنها عبء الإدارة المدنية وتذود عن حماها دون أن تمتلك رفاهية التمثيل الدولي والتحدث على المنابر. 


عن نون بوست