بقلم: عادل عبد الرحمن
حصر البعض استقالة وزير المالية بخلاف مع رئيس الحكومة على حجم الموازنة واليات الصرف. غير ان الحقيقة ابعد واعمق مما ورد. لان هناك عوامل عدة دخلت في عملية الاستقالة، منها: تفاقم العجز في الموازنة؛ ثانيا عدم تمكن الوزارة من الوفاء بالتزاماتها وخاصة تجاه فاتورة الراتب الشهرية لموظفي الوظيفة العمومية؛ ثالثا شعور الدكتور قسيس بتسرب الصلاحيات من بين يديه داخل مفاصل الوزارة؛ رابعا إحساس وزير المالية بوجود تدخلات غير مبررة في هيكلية الوزارة؛ خامسا عمق الازمة الشخصية بين الوزير ورئيس حكومته؛ سادسا رغبة الدكتور فياض بإستعادة مقاليد الامور في وزارة المالية، لاداركه اهمية المال، ولشعوره أنها ذهبت منه (الوزارة) في لحظة إفتراق مع الرئاسة، وكونه اراد مغادرة مؤسسة الحكومة كليا.
بعيدا عن اسباب الازمة، فإن الاستقالة الدكتور نبيل قسيس كشفت عن أزمة عميقة داخل مؤسسة الحكومة الشرعية. كما أثارت العديد من الاسئلة المشروعة حول العلاقة التبادلية بين مؤسستي الحكومة والرئاسة، وبين رئيس الحكومة، الدكتور سلام فياض واللجنة المركزية لحركة "فتح"، لاسيما وان قسيس جاء بناء على رغبة الرئيس محمود عباس والقيادة الفتحاوية، وبدعم منهم.
كان التسرع في إعلان إستقالة وزير المالية، ثم قبول رئيس الوزراء لها، يعكس الرغبة العميقة للدكتور فياض بالتخلص من قسيس. فضلا عن ان، رئيس الحكومة بإقدامه على قبول الاستقالة في الوقت، الذي ارسل الرئيس ابو مازن رسالة له (فياض) عبر الطيب عبد الرحيم، امين عام الرئاسة، بعدم تصعيد الموقف مع الوزير قسيس، والتريث لحين عودته من زيارته للعربية السعودية، اعاد فتح العلاقات المشوبة بالتوتر بين مؤسستي الرئاسة والحكومة الى الواجهة. خاصة وان رئيس الحكومة، يعلم أن النظام الاساسي لم يمنحه الصلاحية المطلقة لقبول إستقالة أي وزير دون العودة للتشاور مع رئيس الدولة، لأن الحكومة رئيسا ووزراء، هي حكومة الرئيس ابو مازن وفق النظام الرئاسي البرلماني.
كما ان المعلومات الراشحة من مصادر موثوقة، أكدت ان الدكتور فياض وعد بعدم تصعيد الموقف. لكن الامور إتجهت عكس ما وعد. ويبدو ان رئيس الحكومة، الذي تفوق على ذاته، إختار لحظة سياسية حرجة وصعبة، تحول دون إقدام الرئيس عباس على إتخاذ قرارات دراماتيكية لعدة أسباب، منها: اولا عدم تقدم ملف المصالحة الوطنية او كما يقول عزام الاحمد، إستمرار الانقسام والانقلاب؛ ثانيا قدوم الرئيس اوباما للمنطقة، مع ما لهذه الزيارة من دلالة سياسية؛ وثالثا لشعور فياض عدم وجود بديل جاهز لرئاسة الحكومة، أضف لادراكه، ان الازمة المالية تسير نحو الانفراج.
وللموضوعية لا شك ان الدكتور نبيل قسيس، أخطأ في اكثر من مسألة: 1- إرسال الاستقالة وهو في ايطاليا، ولم ينتظر حتى يعود؛ 2- عدم اللجوء للرئيس محمود عباس او أي من قادة حركة "فتح" لطرح موضوعات التباين مع رئيس الحكومة؛ 3- رفضه حضور إجتماع مجلس الوزراء، رغم ان الدكتور فياض دعاه للاجتماع؛ 4- سقوط قسيس في الحفرة، التي حفرت له، والتشبث بموقفه دون تدوير زوايا.
مع ذلك إستقالة وزير المالية لن تكون ازمة عابرة، لان تداعياتها اعمق من مجرد إستقالة وزير من وزارة. لانها أدخلت العلاقة مع مؤسسة الرئاسة وحركة "فتح" في حالة تصادمية مهما حاول الدكتور فياض التخفيف منها. ويمكن الافتراض احد خيارين: الاول إما ان يكون رئيس الحكومة أراد الخروج من نفق الحكومة عبر تفجير الازمة؛ والثاني الاقدام على خطوة تحدٍ لمؤسسة الرئاسة وحركة "فتح" على حد سواء وانتزاع صلاحيات بالقوة، لاسيما وانه يعلم انه مدعوم من قوى دولية وعربية. وكلا الخيارين له استحقاقات حكومية وسياسية. وان حرص الرئيس ابو مازن على إغماض العين للحظة عن الخطوة الفياضية، فإن حركة "فتح" لن تمرر ما تم مرور الكرام، إلا إذا إرتضت الاستسلام للأمر الواقع وهذا صعب.
الحل الممكن والمؤقت يقوم على إعادة الدكتور نبيل لتولي الوزارة. ولا يمكن للمرء الجزم القانوني، بان قبول رئيس الوزراء للاستقالة ما لم يصادق الرئيس محمود عباس عليها، تصبح سارية ام لا؟ وبغض النظر عن البعد القانوني، فإن رئيس دولة فلسطين كما اشار الدكتور فياض في اجتماع مجلس الوزراء ردا على وزير الداخلية الدكتور سعيد ابو علي، عندما سأله عن قبوله في الوقت، الذي ارسل له الرئيس عباس عدم قبول استقالة وزير المالية، فرد الرئيس ابو مازن يستطيع تكليف الدكتور قسيس مجددا او ان يقوم بتكليف وزير مالية جديد، خاصة وان هناك رأي سائد في حركة "فتح"، رفض تسلم الدكتور فياض لوزارة المالية. لكن هذه الحلول مؤقتة، الحل الجذري يقوم على تشكيل حكومة جديدة بغض النظر عن اسم رئيسها ووزرائها، واعادة ترتيب وضبط العلاقة بين مؤسستي الرئاسة ورئاسة الحكومة. دون ذلك ستتجه الامور نحو المزيد من الارباك والفوضى.
* كاتب سياسي فلسطيني- رام الله.
- a.a.alrhman@gmail.com

