2026-09-15 02:23 ص

بعيداً عن التفاصيل ... قراءة في الإستراتيجيا ...

2013-03-02
بقلم:سمير الفزاع 
بعد ثلاثة أيام من إغلاق الهاتف بوجه وزير الخارجية الأميركي جون كيري ، قَبل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتلقي إتصال من كيري ، ثم بلقاءه في برلين . وقال سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي في مؤتمر صحفي في موسكو " إنّه منذ عدة أيام بدا أن الظروف توفرت لجلوس الأطراف إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة ، لكن جرى التراجع عن هذه المواقف لاحقاً ، ويبدو أن المتطرفين الذين يراهنون على الحل العسكري تغلبوا في صفوف المعارضة بما في ذلك الائتلاف الوطني ، وهم يعرقلون مبادرات الحوار " . خلال الأيام القليلة الماضية حدثت عدّة تطورات مهمة جداً ، سياسية وأمنية وميدانية ... ، أحاول هنا تسليط الضوء على أبرزها لنكون صورة أوضح ، ونؤكد قناعة ترسخت منذ أشهر تقول " إن خيار التسوية أصبح أقرب من أي وقت مضى ، وخيار الحرب أصبح أبعد من أي وقت مضى ، وأن نصر سوريا بات قريباً جداً " . * قال لافروف قبيل لقاء نظيره السوري وليد المعلم في موسكو يوم 25 / 2/ 2013 " إن عدد المؤيدين لهذا الخط الواقعي (التسوية السلمية) في تزايد .. وهذا أيضا ما يشعر به من يرغب بان تستمر الحرب الى تحقيق النصر النهائي ، كما يقال ، وهم يحاولون حتى خنق النزعات الايجابية في صفوف المعارضة ومنع الخطوات لبدء الحوار " . وتابع لافروف " في هذه الظروف تتزايد بالنسبة للسلطات السورية ضرورة استمرار تأييد بدء الحوار وعدم السماح للاستفزازات بالتغلب " . ولفت الوزير الروسي الى ان نصف عام مضى على آخر لقاء له مع وليد المعلم ، وان اللقاء جرى قبل اجتماع جنيف في 30 /حزيران 2012 ، حيث تم الاتفاق على اعلان جنيف . قائلا " أعتقد انه لدينا حاجة في مُزامنة التوقيت والنظر في كيفية دفع مسألة التسوية .. نحن سندعم هذا بكافة الطرق " . كما قال " موقفنا مبدئي ويبقى دون تغيير في جميع ما يتعلق بالازمة السورية .. نحن مع ان تكون سورية مستقلة وموحدة وان تحيا كل الفئات من جميع القوميات وبغض النظر عن ميولها السياسية بشكل حرّ وفي ظروف السلام والاستقرار والديمقراطية " . * أعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم يوم 25 / 2/ 2013 استعداد دمشق لإجراء محادثات مع المعارضة السورية ، بما فيها المعارضة المسلحة ، قائلا : " جاهزون للحوار مع كل من يرغب بالحوار ، بما في ذلك من حمل السلاح ، لأننا نعتقد أن الإصلاح لا يأتي من خلال سفك الدماء، بل يأتي من خلال الحوار " . كما قال : " اليوم "جبهة النصرة" ، وهي أحد أفرع " القاعدة " ، هي الطرف الرئيسي الذي يقوم بأعمال إرهابية في سورية " . أضاف أن "هذه الجبهة جذبت مقاتلين من 28 دولة ، بما فيها الشيشان " . * كيري أعلن الاثنين 25 / 2 / 2013 عن افكار لدى الولايات المتحدة بشأن تسوية الازمة السورية سيكشف عنها بعد لقاءه مع سيرغي لافروف ، ومع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ، واجتماع مجموعة " اصدقاء سورية " في روما . المؤتمر الذي سيعقد في روما اليوم الخميس ، بحضور أحمد معاذ الخطيب الذي قال " إن المعارضة السورية لن تشارك في مؤتمر " أصدقاء سورية " في العاصمة الإيطالية ، معللا هذا الرفض " بعجز المجتمع الدولي المخزي " عن وقف العنف في سورية ، ولكنه " عاد " عن تصريحه بعد أقل من 24 ساعه على اطلاقه وقرر المشاركه بعد مهاتفة جون كيري له . * تصدر الملف السوري جدول مباحثات سيرغي لافروف ونظيره الامريكي جون كيري التي تعقد الثلاثاء 26 / 2 / 2013 في العاصمة الالمانية برلين ، وذلك في أول لقاء يجمع بينهما منذ تولي كيري حقيبة الخارجية الامريكية . وقالت فيكتوريا نولاند الناطقة باسم الخارجية الاميريكية قالت " إن الوزيرين اجتمعا لمدة ساعة و45 دقيقة وأمضيا اكثر من نصف هذه المدة في مناقشة الوضع السوري . ووصفت المحادثات بانها كانت "جديّة وعميقة " . وذكرت أن الوزيرين ناقشا كيفية تطبيق إعلان جنيف بهدف الاتفاق على صيغة تسمح بتشكيل حكومة انتقالية . * الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند اليوم الخميس 28 /2 / 2013 سيكون موجوداً في موسكو ، بعد لقاء مع وزير الخارجية الأمريكي كيري وإطلاعه على نتائج مباحثاته مع لافروف ، ومن المؤكد أن مباحثات الضيف سوف تتطرق إلى الملف السوري . * أكدت وكالة الأنباء رويترز تلقي المعارضة المسلحة في سورية دفعة أسلحة متطورة . وأبلغ عدد من قادة ومقاتلي المعارضة رويترز أن شحنة وصلت إلى سوريا عبر تركيا الشهر الماضي اشتملت على معدات تحمل على الكتف وعتاد محمول آخر بما في ذلك أسلحة مضادة للطائرات والدروع وقذائف مورتر وقواذف صاروخية . وأبلغ معارضون مسلحون رويترز أن الأسلحة - بالاضافة إلى أموال لدفع رواتب للمقاتلين - يجري توزيعها . ورفض المعارضون الكشف عن موردي الأسلحة رغبة منهم في عدم إحراج الداعمين الأجانب لكنهم قالوا إنها وصلت عبر تركيا " من دول مانحة " . وقال قائد للمعارضين في محافظة حمص "تسلمنا هذه الأسلحة بشكل قانوني وعادي. لم تسلم عبر ممرات التهريب وإنما سلمت بشكل رسمي من خلال معبر باب الهوى" الحدودي مع تركيا الذي تسيطر عليه المعارضة . واضاف قائلاً " لكنها لا تكفي لمساعدتنا على الانتصار ... وصلت شحنة أخرى إلى تركيا لكن لم نتسلمها حتى الآن . " . * صرح سعيد جليلي في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء 27 /2 / 2013 في أعقاب مفاوضات استمرت يومين في الماتي بين مجموعة 5+1 (الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا و فرنسا والمانيا) " إتفقنا على عقد لقاء على مستوى الخبراء في اسطنبول في 18 اذار يليه اجتماع لمجموعة 5+1 وايران في 5 و 6 نيسان في الماتي" في كازاخستان . وأضاف ان "بعض مواقف مجموعة 5+1 اكثر ايجابية من المواقف السابقة "، معتبرا انهم " قرروا تقريب مواقفهم من مواقف ايران في بعض النقاط ونعتبر ذلك ايجابيا ". * كل هذا جاء بعد محاولة جديدة فاشلة لإختراق العاصمة ، بدأت بتفجير سيارة مفخخة يقودها انتحاري هاجمت حاجزا عسكريا بالقرب من معمل الشركة الخماسية في منطقة القابون ، وحسب المعلومات ، فقد شعر عناصر الحاجز مسبقا بأن السيارة يقودها انتحاري واستطاعوا التصدي لها قبل بلوغها الحاجز ، وادى تمترس الجنود خلف اكياس الرمل ونصبهم المتاريس الى تخفيف آثار القدرة التفجيرية " . وتابع انه "بعد التفجير، الذي دوى صوته في معظم ارجاء العاصمة دمشق، بدأت اشتباكات عنيفة في ثلاثة مناطق رئيسية هي جوبر والقابون وبرزة، ابرزها في جوبر حيث استخدمت كافة انواع الاسلحة ..وذلك على اثر هجمات شنها مسلحون على عدد من الحواجز هناك اذ حاولوا التقدم باتجاه حي العباسيين لكن قوات الجيش تصدت لهم " . * الإستنتاجات : 1 - لافروف لم ينهي مقاطعته لجون كيري إلا بعد أن تلقى تعهد جدّي وحقيقي بتطبيق إتفاق جنيف ، وقد حصل على هذا التعهد عبر الإتصال الهاتفي الذي جرى بين الرجلين . وهذا التطبيق لن يكون خاضعاً لتفسيرات وأمزجة أي طرف من الأطراف ، ودور أميركا هو إقناع حلفائها بتطبيقه ، كما هو دور روسيا بإقناع حليفها بتوسيع قاعدة الحوار ليشمل بعض الجهات المسلحة . وقد كان ذلك بالنسبة إلى روسيا بعد زيارة المعلم لها يوم 25 / 2 . 2 - خلال إجتماع لافروف - كيري في برلين تم وضع اللمسات الأخيرة على هذا التفاهم ، بعد أن تمت مناقشة أفكار كيري التي حملها معه للإجتماع . حيث رفضت روسيا بشكل قاطع أي حديث عن ممرات آمنه ، أو مناطق حضر جوي . وتم الإتفاق على حصر دعم أميركا وحلفائها بما يسمى " جيشاً حرّاً " وإئتلافاً وطنياً على حساب " القاعدة وفصائلها " ، لخلق شريك جدّي وحقيقي في المفاوضات المقبلة بين القيادة السورية والمعرضة المسلحة . ولنتذكر هنا حديث الرئيس بشار الأسد عن عدم توافر شريك سياسي للحوار معه ، فقال : " إننا لم نر شريكاً خلال المرحلة الماضية " . 3 - على ما يسمى " إئتلافاً وطنيّاً وجيشاً حرّاً " تبني موقف واضح مقرون بالفعل المسلح على الأرض ، ضد القاعدة وتلاوينها على الأرض ، إنهم هم من وَفرَ الغطاء لتتسلل القاعدة تحته ، وجاء الوقت ليكونوا شركاء في محاربة هذا الإرهاب . والأسلحة التي حصلوا عليها تؤدي غرضين ، أن يكونوا قوة حقيقة على الأرض لمحاربة الإراهاب من جهة ومحاورة النظام من جهة أخرى . 4 - أمريكا في طريقها إلى الإنسحاب من المنطقة ، ولكن هناك ثلاثة أمور حيويّة تريد المحافظة عليها . أولاً تدفق سلس ودائم للطاقة ، وثانياً مستقبل الكيان الصهيوني في المنطقة من حيث الوجود والعدم ، ثالثاً إنظمة الإعتلال العربي التي تحافظ على هذين الهدفين . من هنا ترابط بعض الملفات مثل : النووي الإيراني ، و " التسوية السياسية " للقضية الفلسطينية ، والأزمة البحرينية ، وأزمة الحكم في لبنان ، وزيارة ملك الأردن إلى روسيا والإتفاق على إنشاء " مصنع ضخم للإسلحة في الأردن ... . 5 - تحاول أمريكا تحسين شروطها التفاوضية من خلال الأموال الخليجية ، وتسخيرها في حرب الجماعات الإرهابية ضد سوريا ، وفي الإندفاعة الأردوغانية - التي قضت عمليّاً على مستقبله السياسي وربما مستقبل حزبه وما نراه من إنفتاح على حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبد الله أوجلان إلا تعبير عن هذا المأزق - ، والتلويح بالفتنة المذهبية والطائفية - عبر أدواتها - في العراق ولبنان ... ولكن لمجرد الحديث عن إنتفاضة ثالثة في فلسطين ، أصيبت هذه المساعي بضربة قاضية . 6 - يحقق الجيش العربي السوري ما نعجز عن وصفه ، نعجز عن الوصف لبسالة الكفاح ، وتماسك المؤسسة ، وإحباط عناصر العدوان ، ومرونة الحركة والقدرة على المناورة ... كما هو الشعب العربي السوري ، الذي أصبح أسطورة القرن في تعطيل واحد من أضخم المشاريع الإستعمارية الأكثر خبثاً ودهاءاً وكلفة . 7 - سيادة الرئيس بشار حافظ الأسد باق رغماً عن أنف من رفض ذلك ، وهو مرشح أكيد في إنتخابات 2014 رغماً عن أنف من لا يريد ذلك ، وفوزه محتم في معركة الرئاسة كما إنتصر في معركتي الميدان والسياسة . 8 - روسيا أصبحت هي مقصد كلّ الدول والساسه لحل مشكلات أساسيّة في حوض المتوسط ، وأهمها الملف النووي الإراني ، والأزمة في سوريا ، وإعادة بناء ليبيا ، و " التسوية السياسية " للقضية الفلسطينية والدرع الصاروخية ... . وهذا مرده إلى عدة أمور أهمها نصر حلف المقاومة 2006 ، وحرب 2009 ، وهزيمة الغزو الأميركي للعراق وهروبه منه في 2011 ، وإنسداد أفق " الربيع العربي - الأميركي " في سوريا ، ... لذلك سيبقى هذا الحلف هو المنظومة الأكثر إغراءاً لكل من يريد علاقة مميزة وراسخة وثابة مع الإقليم . 9 - أمريكا تقلص نفقاتها الفلكية في كل مؤسساتها الإمبراطورية ، وتنص الخطة على تخفيض النفقات بمقدار 85 مليار دولار بين الاول من اذار/ و 30 ايلول/ موعد انتهاء السنة المالية 2013 ، وبمقدار 109 مليارات دولار لكل من السنوات التسع التالية . ومع انتهاء هذه المدة يكون تم تخفيض العجز بشكل اجمالي الى 3,6' من اجمالي الناتج الداخلي مقابل 5,3' هذه السنة . وقد يبدو رقم 85 مليار دولار للتخفيضات في النفقات زهيداً بالمقارنة مع ميزانية اجمالية بقيمة حوالى 3500 مليار دولار ، غير ان الاقتطاعات تتركز على برامج معينة . وسيكون قطاع " الدفاع " الهدف الاول لهذه الخطة اذ سيتم اقتطاع ميزانيته بحوالى 8% عام 2013 . وان كانت هذه الاقتطاعات تحيد العسكريين ، الا ان الموظفين المدنيين في البنتاغون البالغ عددهم 800 الف سينتقلون الى نظام البطالة الجزئية ليوم في الاسبوع اعتبارا من نهاية نيسان/ ، مع خفض رواتبهم بنسبة 20% . وستخفض البحرية عدد الايام التي تقضيها سفنها في عرض البحر بنسبة تتراوح بين 30 و35% . وتم الغاء نشر حاملة طائرات ثانية في الخليج وارجاء صيانة القواعد والتجهيزات العسكرية ، ما ارغم الشركات المتعاقدة مع البنتاغون على تسريح ألآف الموظفين . وهذا يذكرني بمقاربة كنت قد ذكرتها سابقاً وهي التالية : في مؤتمر برمودا 1957 الذي جمع الرئيس الأميركي ايزنهاور " وهو جنرال أميركا الكبير في الحرب العالمية الثانية وقائد هجوم النورمندي " مع رئيس وزراء بريطانيا هارولد ماكميلان " وهو الوزير المقيم والملحق بالجنرال ايزنهاور وقت الحرب " ، وتم التوقيع على أغرب إتفاق دولي مكتوب ، فيما يلي بنوده الحرفية : 1- ان الرئيس الأمريكي يعبر عن فهمه للضرورات التي تدعو الحكومة البريطانية إلى تخفيف أعبائها في الشرق الأوسط ، وهو يتعاطف مع رغبة هذه الحكومة في جعل إلتزاماتها في المنطقة متوازنة مع مواردها الإقتصادية والعسكرية . 2- إن الرئيس أخطر رئيس الوزراء البريطاني بأن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل كلّ الأعباء البريطانية التي ترى الحكومة البريطانية أنها مضطرة للتخلي عنها ، ولهذا فإن الولايات المتحدة تأمل في أن تواصل الحكومة البريطانية إخطار الحكومة الأميركية بخططها في المستقبل . 3- أن الرئيس سوف يتخذ الترتيبات التي تكفل إستمرار التشاور مع الحكومة البريطانية في المسائل والحالات التي يتعين فيها إستطلاع رأي الحكومة البريطانية ، وسوف يكون ذلك موضع إعتبار . 4- إن الرئيس يعرب عن أمله في أن الحكومة البريطانية سوف تقوم بتخفيظات تدريجية ومنتقاة بما يناسب المصالح الغربية بصفة عامة ، ويتفق مع مطالب الأمن الضرورية للسلامة المشتركة . 5- أن حكومة الولايات المتحدة سوف تقدم للحكومة البريطانية دعماً مالياً فورياً مقداره أربعمائة مليون دولار . كم يشبه اليوم الأمس !!! ، ولكن أميركا هي من تبيع ما إشترته يوما من بريطانيا " العظمى " ، ولكن من ملكوا بالأمس قرارهم وأحتفضوا به ، هم اليوم خارج هذا البازار ، بل ربما سيكونوا من أكثر المستفيدين منه وخصوصاً سوريا . صحيح أن التفاصيل اليومية تأخذنا بثقلها البالغ من رؤية كليّة للصورة ، فنتألم ونفرح ، ونتضايق لفقد أحد سبل العيش الرغيد ونفرح لعودته ... ولكننا دائما مدعون لنرى المشهد بكليته ، لنحدد ماذا أراد العدو وما حقق من هذه الإرادة ، وماذا أردنا نحن وكم حققنا من إرادتنا . في الرؤية الكلية نصبح أكثر منطقية ، وأكثر صوابية في الحكم ، وأدق توصيفا للحال .