2026-09-15 08:55 م

غـــارتهم وأيوبنـــا ... ويوم الحساب الكبير

2013-02-02
بقلم: سمير الفزاع

في ساعات الفجر الأولى من صبيحة يوم الأربعاء " 30 / 1 / 2013 " ، وعلى إرتفاع منخفض جداً ، من فوق الأراضي اللبنانية مروراً بشمال جبل الشيخ ، قامت أربعة طائرات صهيونية بقصف مركز البحوث العلمية في "جمرايا" ، في منطقة وادي بردى شمال غرب دمشق . تدمّر جزء مهم من البناء وسقط عدد من الشهداء والجرحى . أهمية الحدث أنه يأتي من خارج السياق الميداني ، والذي حافظ فيه أعداء سوريا وخصومها على مستوى متدني جداً من التدخل الميداني العلني ، فلم نسمع عن أي خرق مهم كهذا إلا قبل عام تقريباً عبر طائرتي " f -5 " التركيتين . وأن يأتي من كيان العدو الصهيوني تحديداً . سأحاول معالجة الموضوع على مستويين : السياق أولاً المضمون والنتائج ثانياً .

* في السياق :

1 - أن وسائل الإعلام الصهيونية لم تتحدث عن العملية إلا بعد مضي ساعات على تنفيذها ، وبعد أن نقلت كلاً من وكالتي " رويترز والأسوشيتد برس " الخبر عن عملية لسلاح الجو الصهيوني ، ضد قافلة تنقل السلاح من سوريا إلى حزب الله على الحدود السورية اللبنانية . وتهليل لقناة " عربية " تحدثت عن إستهداف لقافلة تنقل صواريخ " 17 - sam " من سوريا إلى حزب الله .

2 - من أعلن خبر الغارة الصهيونية داخل الأراضي السورية هو " وزارة الدفاع الأميركية " . ولكن جاء بصورة ملتبسة وغامضة ، حيث أشار المتحدث باسم الوزارة الكولونيل ستيفين وارين إلى أن " البنتاغون تأكد من حصول الضربة الجوية "الإسرائيلية" ضد " موكب متحرك " داخل سوريا " ، لافتا إلى أنه " يراقب الوضع الآن وأن هناك قلقاً من إحتمال إنتقال الأسلحة السورية الخطيرة الى أيدي مجموعات متطرفة " . ولاحقاً حذر البيت الابيض دمشق من نقل اسلحة الى حزب الله .

3 - ذكرت وسائل إعلام صهيونية بداية هذا الأسبوع ، أنه تم إيفاد مستشار الأمن الوطني الصهيوني " يعقوب أميدرور " إلى روسيا ، " لبحث مسألة الأسلحة الاستراتيجية السورية " . وقد تزامنت الزيارة مع قيام كيان العدو بنشر منظومات القبة الحديدية المضادة للصواريخ في الجولان السوري المحتل . مع تسريبات في وسائل الإعلام الصهيونية عن إمكان قيام الدولة العبرية بعملية عسكرية " خاطفة " تحت عنوان " نقل الأسلحة الكيميائية السورية إلى جهات إرهابية " . كما تم إيفاد مدير المخابرات العسكرية الميجر جنرال " أبيب كوخابي " للولايات المتحدة لإجراء مشاورات .

4 - قبل بضعة ساعات من الغارة ، وخلال كلمة له في مؤتمر "الفضاء الدولي السنوي المنعقد في مدينة هرتسليا "، قال " أمير إيشيل " قائد سلاح جو العدو "يوجد في سوريا ترسانة أسلحة ضخمة، بعضها في غاية التطور ، والبعض الآخر غير تقليدي " ، معتبراً أن هناك عدم يقين كبير يحيط بمصير الأسلحة الكيميائية " . وأضاف أن " كل ذلك يمكن أن يصل إلى حدودنا ولا يمكن القول إنه موجود في باحتنا الخلفية " . ووصف إيشيل الوضع الإستراتيجي الذي يحيط بكيان العدو، فقال " نحن موجودون في وضع ما بين حربين ، وهذا الوضع يتطلب جهوداً ، تمتاز بأننا نحاول النهوض بها تحت سقف عدم اندلاع حرب ووفقاً لمنطق منعها من جهة والمس بالتهديدات من جهة أخرى . ونحن نفعل ذلك بوسائل سرية وعلنية ".

5- من أعلن عن طبيعة وموقع الهدف هو الجيش العربي السوري ، وبقية الأطراف حاولة إما التكتم على العملية ، أو حرف هدفها وموقعها الحقيقي ، والإدعاء بأنها إستهدفت قافلة تنقل السلاح إلى حزب الله في الأراضي اللبنانية .

* ما معنى ذلك ؟ ... المضمون والنتائج ...

بعد الخيبة المدوية التي نتجت عن فشل التقدير الاستخباري الشهير، قبل أشهر، والذي عبَّر عنه في حينه وزير الحرب الصهيوني " ايهود باراك " ، بالحديث عن حتمية سقوط الرئيس الأسد خلال بضعة أسابيع .. ثم مرت الأسابيع والأشهر ولم يسقط الرئيس الأسد .. بسبب هذه الصدمة حرصت التقديرات الصهيونية الأخيرة على تجنب تحديد زمني دقيق لسقوط الرئيس الأسد ، رغم أن ترجيحات المعسكر المعادي (ومن ضمنه إسرائيل) كانت تميل إلى أن الرئيس الأسد لن يتمكن من الصمود إلى ما بعد نهاية العام 2012 .. وما حدث في " جمرايا " يأتي ضمن سياسة المنع " لفريق بني غانتس ونائبه غابي آيزنكوت ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أفيف كوخافي هم أنصار ما يسمى باللغة العسكرية غير المنظمة " سياسة المنع " بواسطة نشاط سري ، ما يفسر الهجوم على قافلة السلاح في العام الماضي في السودان . ومفاد إستراتيجية المنع " اذا أمكن منع وصول السلاح بالقضاء عليه في معامله أو في الطريق فليس هناك ما هو أفضل ذلك ، هذا أفضل من غزو بري موجه الى السلاح حينما يكون قد وصل الى غزة أو الى لبنان " . وتشمل "سياسة المنع" في الأساس"، بحسب فيشمان، "كل احباط هادئ للتنظيمات والنشاطات المعادية، والقضاء على التهديدات في أبعد مكان ممكن وفي مراحل التنظيم حتى اذا أمكن . أما الخطر فهو التورط في حرب مع دول معادية، الى جانب تورط محتمل في حرب مع دول صديقة وتعريض مصالحها للخطر. بيد أن "سياسة المنع" هذه تعمل سرّاً، لكن هنا تكمن النقيصة الكبرى، ففي اللحظة التي يُكشف فيها النقاب عن العملية أو اذا تركت وراءك بصماتك فانك تدعو الطرف الآخر الى الرد . وفي هذه النقطة تحديدا يمكن أن تنشب حرب ربما لم تكن تريدها وليس لها تسويغ من حيث الكلفة التي ستدفعها " . لهذا يجوز لنا ان نفترض ان " اسرائيل" اليوم أقرب الى مواجهة عسكرية في الجبهة الشمالية من أي وقت مضى منذ انتهاء حرب لبنان الثانية".

1- أن هناك خوف حقيقي " صهيوني " من تبني العملية وتحمل مسؤليتها ، كما أن هناك تهرب واضح من مسألة ضرب الهدف داخل الأراضي السورية . إن إعتراف كيان العدو بالعملية سيمنح سوريا حق الرد المشروع ، وهذا أمر يخيف أسرائيل ، بل ويرعبها ، ويبعثر الأوراق بشده في الإقليم . ويكفي أن ندرج شاهدين على ذلك ، أولهما منع نتن ياهو أي من موظفي حكومته الحديث عن هذه الغارة ، والثاني البيان " المهم والقوي " الذي أُكرهت على إصداره الجامعة العربية .
2 - من النتائج المباشرة لهذا العدوان تسليط الضوء على مأزق الكيان وحلفائه ، بكل برود أقول ، ألم يظهر هذا العدوان أن الأزمة في سوريا - في جزء مهم منها - حرب صهيونية على سوريا ؟ ألم يظهر هذا العدوان أن كل شريك في الحرب التي تُشن على سوريا ، هو شريك في هذا العدوان ؟ ألن يكون هذا العدوان تحدي وطني وقومي وإسلامي صارخ لكل من " المعارضة السورية " ودول " الربيع العربي " وبقية الدول العربية الأخرى ، ومنظمة التعاون الإسلامي ؟ فأي نتائج سيحصدها هذا العدوان مقابل مثل هذه الخسائر الممكنة ؟ .
3 - عندما تعلن وزارة الحرب الأميركية خبر الغارة - وبصرف النظر عن موقعها وهدفها - ألا يعني ذلك تحملها للمسؤلية عنها ؟ هذا إن لم المشاركة الفعلية في تنفيذها ؟ هل ستفتح هذه المشاركة الأبواب لحلفاء سوريا " بالتدخل والدعم " الميداني العلني والصريح ؟ ألن يكون هذا الإعلان تدشينا لمرحلة " طاولة الرمل والمقصود هنا طولة رملية يُشكّل عليها ميدان المعركة " والتي إما أن تُفضي لتسوية كبرى أو حرب كبرى .
4 - إذا كان هدف هذه الغارة هو " إستطلاع " ردّ فعل أصدقاء سوريا وحلفائها ، فإن سوريا وحلفائها غير معنيين بإسداء الخدمات المجانية . ردّ الفعل سيكون حسب مواقيتنا وظروفنا وإستعدادتنا وقرائتنا ، وحلفاء سوريا - كما أعلنوا - من سماحة السيد حسن نصر الله - الذي قال إن الحرب التي قد تشن على سوريا سوف تتدحرج ولن يعرف أحد مداها - وإيران - التي قالت على لسان مرشدها إن سوريا واسطة العقد في حلف المقاومة وممنوع سقوطها - وروسيا - التي إستخدمت حق النقض الفيتو ثلاث مرات حتى اللحظة ، وأساطيلها تجري مناوراتها الأضخم منذ عقود على مرمى حجر من السواحل السورية - .
5 - إن قصف هذا الهدف مهد له " صهاينة الداخل " ، عبر عدة هجمات فاشلة على هذا الموقع " جمرايا " ، وعبر إستهداف " فرع الجبهة " في سعسع بثلاث سيارات مفخخة . ومعروف أن هذا الفرع هدفه الوحيد هو رصد شؤون الجبهة وكيان العدو ، ولا ننسى هنا إستهداف الوحدتين 541 و 542 في الغوطة ، وهما وحدات للحرب الالكترونية ، والإنذار المبكر ، من قبل صهاينة الحرّ وجبهة العمالة . بالإضافة إلى الإعتداءات المتكررة على قواعد الدفاع الجوي ، وشبكات الرصد والإنذار في ريف دمشق ، وصولاً للإشتباك مع التشكيلات الأمامية للجيش العربي السوري على خطوط النار مع العدو في الجولان .
6 - لمن نسي ، في تشرين أول " ذكرى شهر حرب تشرين التحريرية " 2012 ، تقلع طائرة ايوب لتجوب أجواء فلسطين ، ولترصد أكثر المواقع حساسية عند العدو ، وتمر فوق مناوراته الأضخم مع أميركا ، وتبعث كلّ كنوزها الأمنية والعسكرية مباشرة ، ولحظة بلحظة إلى حلف المقاومة . وسوريا كانت الغائب الحاضر في هذه العملية ، كما هو الواقع في قصف البارجة " ساعر - 5 " في عدوان تموز ، وغيرها من العمليات النوعية التي ما زال الكثير منها طيّ الكتمان .
7 - إلى كلّ من يشكك في موقف حلف المقاومة في سوريا ، أقول وبكل صراحة عن واحدة من الركائز الغائرة لهذا الحلف ، إن حلف المقاومة يعرف أي أهمية قصوى تتمتع بها سوريا لهذا الحلف ، ولا أبالغ إن قلت ليس هناك من حلف مقاوم بدون سوريا . ستبدو إيران كمجرد "دولة فارسية " طامعة ، وسيصبح حزب الله مجرد " حزب شيعي " مسلح ، وكل المقاومات الأخرى مجرد " أدوات " في يد هذا الحلف " الفارسي - الشيعي " . ولأن واقع الحال مختلف تماما ، فإن سوريا هي " الحلقة الذهبية " في هذا الحلف ، وهي الدولة التي تمنحه البعد القومي العربي المقاوم ، وهي وحدها من ينزهه عن أي بعد ديني أو مذهبي .

ختاماً ، العماد علي أيوب ، ومن أرسل طائرة أيوب ، واللواء محمد علي جعفري ،وحلفاء آخرون ، في الوقت الذي يشمت به الشامتون ، ويتجرع فيه المرارة المحبون ، فإنهم يرسمون خطوط تتحول يومياً إلى حبل غليظ يلتف حول عنق هذا الكيان ، وعلى عنق أنظمة خدمته وخدمت أسياده طوال عقود بكل ما أمكنهم من تفان وإخلاص . ومن يشك في ذلك فليسترجع صورة " بوش الصغير " بعد إحتلال العراق ، ويرى أين أصبح العراق الآن ، وأين أصبحت أمريكا . سيدرك يقيناً يومها ، أن يوم الحساب الكبير بات أقرب من أي وقت مضى .