2026-03-13 11:33 ص

الناتو العربي!!!

2018-09-08
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني 
الولايات المتحدة سائرة في خطط تكوين حلف امني جديد تحت مسمى " الحلف الاستراتيجي الشرق أوسطي" الذي يضم السعودية والامارات والكويت وقطر وعمان والبحرين ومصر والاردن. ومن المتوقع ان يتم الاعلان عن هذا الحلف الجديد اثناء القمة الخليجية- الامريكية في واشنطن بتاريخ 12-13 اكتوبر القادم. ومن الواضح ان هذه محاولة "جدية" لاقامة بنية أمنية في المنطقة, بعد ان فشلت عدة محاولات لتشكيل مثل هذا الحلف. وفيما يخص أهداف هذا التحالف كما اوضحها المتحدث الرسمي للامن القومي في البيت الابيض فإنه سيخدم " الحصن الواقي للاعتداءات الايرانية, والارهاب, والتطرف وسيأتي بالاستقرار في الشرق الاوسط". وفكرة إقامة تحالف عربي عريض كانت أن طرحت في بداية مظاهرات ما سمي بالربيع العربي عام 2011. وقد اعيد طرح الفكرة عام 2015 ولكنها لم تجد صدا عند إدارة الرئيس اوباما التي كانت منهمكة ومشغولة باستراتيجية تحقيق الانسحاب التدريجي من المنطقة. أما الرئيس ترامب فقد أبدى اهتماما اكثر بالمنطقة من خلال تصريحاته المتشددة تجاه إيران متهما إياها " رأس الارهاب الدولي" ومدعيا انها تشكل خطرا على الامن القومي الامريكي ومجلس التعاون الخليجي واسرائيل الحليف الدائم للولايات المتحدة. وقد طرحت فكرة إنشاء هذا الحلف أثناء زيارة ترامب الى السعودية العام الماضي. في ذلك الوقت طرح المسؤولين السعوديين فكرة إنشاء تكتل امني في المنطقة وقد ايدها الرئيس ترامب بقوة وتتأمل كل من الرياض وأبو ظبي ان تتخذا دورا رياديا في هذا الحلف. وسيركز حلف الناتو العربي على إقامة منظومة دفاع صاروخية إقليمية، وإجراء دورات تدريبية وإمتلاك الاسلحة التي من شأنها النهوض بجيوش الدول العربية. والدول العربية التي من المتوقع ان تنضم لهذا التحالف لا تمتلك صناعات عسكرية دفاعية وهذا يعني ببساطة زيادة أرباح شركات تصنيع الاسلحة الامريكية. وأغلب الظن ان يكون هنالك بند ينص على الدفاع الجماعي ضمن لائحة الالتزامات المشتركة لاعضاء الناتو العربي. ولا شك ان ضرورة حماية الطرق البحرية للملاحة هي نقطة تلتقي عليها هذه الدول. ويأتي الحديث عن تشكيل هذا الحلف بالتزامن مع إعادة فرض العقوبات على إيران وإستتباع قيود اغسطس الماضي بعقوبات اشد ضررا في شهر نوفمبر القادم. والدعم لهذا التكتل تتعزز بالحقيقة التي اوضحت ان جامعة الدول العربية قد فشلت في الاسهام في حفظ السلام والاستقرار وعمليات الاغاثة الانسانية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا. ويبقى السؤال هل إدعاء الخطر الايراني كاف لكي يوحد الدول التي ذكرت سابقا هنا؟ وحدها السعودية والامارات والبحرين يرون في إيران العدو وعلى استعداد ربما للذهاب الى الحرب ضدها. أما بالنسبة لعمان وقطر والكويت فإنها تحافظ على علاقات طبيعية مع إيران. ولم يحصل ان ذكرت كل من مصر والاردن انهم يرون في إيران اي تهديد وجودي بالنسبة لهم. والى جانب ذلك فإن كل من الامارات والسعودية ( اكبر دولة مشترية للاسلحة الامريكية) والبحرين متحدين ضد قطر وهي الدولة التي يتواجد بها اكبر قاعدة عسكرية في الخليج العربي، والتي كانت السعودية تخطط لغزوها عام 2017 . الى جانب ذلك فإن هنالك إنقسامات وخلافات في وجهات النظر المتضاربة حول اليمن وأدوار كل منهم هناك. ومن هنا يبدو ان تجميع هذه الدول هو هدف صعب المنال. ولنا في بعض التطورات الحديثة الشبيهة في المنطقة أكبر دليل على هذا. فعلى مدى ما يقل عن اربعة سنوات منذ الاعلان عن تشكيل التحالف الاسلامي ضد الارهاب من قبل السعودية والذي دعم من قبل بعض الدول لم يأتي بشيء بالرغم من بعض التعاون على مستويات مختلفة لعبت فيها الاوراق الخضراء دورا اساسيا في شراء المرتزقة والمطبلين والمزمرين . وقد فشل مجلس التعاون الخليجي المرة تلو الاخرى بالاتفاق على تشكيل قدرات دفاعية مشتركة. أما بالنسبة للسعودية والامارات العربية فقد فشلوا حتى في خوض معركة منسقة فيما بينهم هذا الى جانب الخلافات في الاجندات والروئا والاهداف والادوار بينهم. ومن هنا لا يمكن تصور كيف يمكنهم ترتيب وتحضير لشيء طموح مثل الناتو العربي. والخلافات بين الدول الخليجية حول تحديد أولويات أعدائهم والاتفاق على طبيعة التهديدات ومصادرها لن تكون في مصلحة نجاح هذا التحالف المرجو إقامته والذي قد يتشكل نظريا على الورق بضغوط امريكية لمصالح أمريكية بالدرجة الاولى ولكنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل ان يكتسب اية صيغة عملاتية على الارض هذا اولا. ولا نعتقد انه سيكون بديلا ليحل محل العلاقات الثنائية بين كل دولة عربية على حدة مع الولايات المتحدة لان هذه العلاقات ايضا تصب في مصلحة الولايات المتحدة وتتيح لها اللعب على التناقضات والخلافات بين هذه الدول وإبتزازها من ناحية مالية كما هو حاصل بين الخلاف بين السعودية والامارات من جانب وقطر من الجانب الاخر. ويرى البعض انه من الصعوبة فهم لماذا الولايات المتحدة بحاجة شديدة الى الشرق الاوسط. لا يوجد دولة تشكل تهديدا للولايات المتحدة. وبالاضافة فإن أمريكا اصبحت مؤخرا أكبر دولة منتجة للطاقة. وإذا ما قامت إيران بإغلاق الخليج امام الملاحة البحرية لناقلات البترول والغاز المسال فإن ذلك لن يكون تأثير كبير أو ضررا على الولايات المتحدة. هذا البعض لا يقدر ان الهيمنة الامريكية الكونية تتطلب فيما تتطلبه السيطرة والتحكم بمناطق انتاج الطاقة وطرق إمداداتها الى الاسواق العالمية والطرق البحرية لنقلها. الى جانب ذلك فإن تشكيل هذا التحالف سيفضي الى تعزيز مصالح الصناعات الحربية الامريكية وأرباحها الخيالية ويؤمن الوظائف والعمالة في الداخل الامريكي. وحال تكوين هذا التحالف سيكون لديه تفويضا ضمنيا للتدخل والقيام بعمليات تنتهك سيادة الدول الاخرى في المنطقة مثل سوريا واليمن على سبيل المثال. ولقد اشارت بعض التقارير على ان الولايات المتحدة قد اقامت دفاعات جوية وأنظمة رادار اليكترونية في منطقة عين العرب (كوباني) في محافظة حلب في الشمال السوري وفي قاعدة في محافظة الحسكة كخطوة أخرى في طريق أقامة منطقة حظر جوي في الشمال السوري ممتد من مدينة منجب الى دير الزور. وإذا ما حدث ذلك فإن الولايات المتحدة ستبقى في سوريا الى فترة طويلة وستكون بحاجة الى تحالف لدعم عملياتها عسكريا ودبلوماسيا، وهذا ما سيحققه لها الناتو العربي.