نتنياهو لا يدري الى أي جهة يدور وبمن يستنجد. فعلى الصعيد الداخلي ما زالت التحقيقات بالفساد المالي المرتبطة بشراء غواصات للبحرية الاسرائيلية من المانيا تلاحقه وتلاحق زبانيته ويعتقد بعض المحللين والمطلعين بأن مصيره قد يكون كمصير أولمرت فالذي يبدو أن الفساد المالي والاخلاقي باتت السمات المميزة للقيادات السياسية من الجيل الثاني في هذا الكيان المسخ. هذا أقل ما يمكن أن يقال على الجبهة الداخلية.
أما على الجبهة الخارجية فإن الانتصارات التي حققها ويحققها الجيش العربي السوري وحلفاءه المخلصين الذين وقفوا وقفة الرجال دون تردد أو وهن طيلة هذه السنوات باتت تؤرق نتنياهو والنخب العسكرية والسياسية في الكيان الصهيوني. فالخبرات الميدانية القتالية في بيئة جغرافية ومناخية متعددة ومختلفة، واستخدام العديد من الادوات والاسلحة القتالية النوعية وتنوع التكتيكات العسكرية التي إكتسبها هذا الجيش المبدئي والعقائدي وكذلك مقاتلي حزب الله بات يحسب لها حسابات خاصة من المؤسسة العسكرية لهذا الكيان الغاصب. نتنياهو والقيادة السياسية والعسكرية الاسرائيلية راهنت ومنذ البداية على سقوط الدولة السورية وتقسيم الوطن السوري الى كانتونات طائفية وإثنية متقاتلة فيما بينها بما يضمن الامن والسلام للكيان الصهيوني والهيمنة على المنطقة، وخاصة مع وجود عناصر وفئات من المعارضة السورية التي أبدت استعدادها لعقد إتفاقيات سلام مع هذا الكيان وحتى التنازل عن الجولان المحتل مقابل التدخل العسكري الاسرائيلي لصالح المجموعات الارهابية.
بات من الواضح الان للقاصي والداني أن سوريا الوطن والدولة والمؤسسات صمدت برغم أكبر هجمة كونية في التاريخ المعاصر وعلى أن القيادة والجيش باقون وبتأييد شعبي واسع وأن المخططات والاليات التي استخدمت بالرغم من تنوعها وشراستها على جميع الجبهات العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والاعلامية فشلت في فك الترابط بين الثالوث المقدس الجيش والقيادة والشعب. ومن ثم بدأ العديد بالنزول عن الشجرة والتقرب بشكل مباشر أو غير مباشر من القيادة السورية الشرعية للبلاد لاعادة العلاقات الدبلوماسية. ومع إقتراب الحل السياسي واجتثاث المجموعات الارهابية يسعى كل طرف الى إعادة التموضع والعمل على تحقيق بعض من المكاسب والمصالح الخاصة به بدء من الولايات المتحدة الى بقية السبحة من الدول التي كانت تأمل عكس ما تحقق على الساحة السورية.
وبالتالي لم يكن مستبعدا أن يقوم المجرم نتنياهو بالحج مرة أخرى الى موسكو على أمل أن يحصل على بعض التطمينات من بوتين فيما يخص "أمن" اسرائيل. هذه العملة التي استخدمت لابتزاز العالم باجمعه منذ قيام هذا الكيان الغاصب. ذهب يستجدي موسكو بعدم السماح لتمرير أو وصول أسلحة نوعية الى حزب الله أو الجيش العربي السوري التي قد تتسبب في احداث خلل نوعي في موازين القوى في أية مواجهة مستقبلية مع هذا الكيان العدواني. وطبعا لم يغب عن باله أن يذكر الخطر الايراني المزعوم على السلم "الاقليمي والعالمي" ووصول قوات ايرانية الى قرب الحدود مع إسرائيل في الجولان.
نتنياهو وغيره من القيادات السياسية أدركوا من خلال التجارب الحديثة أن مصالح الدول الكبرى تأتي كأولوية عند النظر الى أية أزمة أو حلول سياسية. وربما الاتفاقية التي وقعت ما بين الدول الست الكبرى وايران حول برنامجها النووي شكل ضربة وصفعة كبيرة للكيان الصهيوني الذي كان يهدد ويتوعد ليلا ونهارا بضرب المفاعلات الايرانية وبشكل منفرد دون أخذ الاذن من راعي هذا الكيان أي الولايات المتحدة الامريكية لان القدرات النووية والصاروخية الايرانية باتت تهدد "الامن القومي" لاسرائيل وأن هذا خط أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه. ولهذا الغرض خصصت حكومة العدو الصهيوني ملايين الدولارات على تدريبات القوات الجوية الاسرائيلية في مناطق في إيطاليا وبالتنسيق مع حلف الناتو تتماثل تضاريسها الطبيعية مع تلك المناطق في ايران التي يراد قصفها. كما وقد تم الاتفاق مع آل سعود على السماح للطائرات الاسرائيلية باستخدام الاجواء السعودية لهذا الغرض كما أوردت بعض وسائل الاعلام. وقام نتنياهو بالذهاب الى اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة حيث عرض الصورة التي ضحك عليها الكثيرون والتي من خلالها كان يحاول إقناع الرأي العام العالمي بالخطر الذي تشكله إيران على السلام "الاقليمي والدولي".
كما وقام نتنياهو بالذهاب الى القاء كلمة بدعوة من الكونغرس الامريكي حول الاتفاق النووي وقبل توقيعه بعد أن جند القوى الصهيونية والمتصهينة من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري في مجلس النواب والشيوخ ضد توقيع الادارة الامريكية في عهد أوباما. وبالرغم من كل هذا الصراخ والاعتراضات والتشويش الاسرائيلي والسعودي على الاتفاقية وتجنيد فرنسا داخل مجموعة الدول الكبرى لوضع العراقيل في اللحظات الاخيرة (طبعا مجهودات فرنسية مدفوعة الثمن بالاوراق الخضراء من السعودية) الا أن الاتفاق وقع مع إيران لان هذه الدول رأت أن التوقيع يحقق لها بعض من مصالحها في الشرق الاوسط. ولا ننسى ان الولايات المتحدة هي من أجرت المباحثات السرية مع إيران على أرضي سلطنة عمان لايجاد الارضية المشتركة وعلى فترة زمنية طويلة وحتى في عهد الرئيس نجاد الذي اشتهر بتشدده وعدائه لامريكا ولاسرائيل بالطبع وإلصاق تهمة اللاسامية به من خلال تصريحاته حول المحرقة لليهود على إيدي النازية.
وربما الضربة الثانية التي تلقاها نتنياهو وحكومته كانت اتفاقية خفض التصعيد في الجنوب السوري بعد مناقشات بين الولايات المتحدة وروسيا حيث كان التخطيط الامريكي اقتطاع جزء من الاراضي السورية في منطقة التنف وتسليمه لبعض المجموعات التي تدربت على إيدي المخابرات المركزية الامريكية وذلك في محاولة لقطع طريق التواصل بين طهران والعراق وسوريا.وكانت تهدف الى منع تقدم الجيش العربي السوري وحلفاءه على الارض من التقدم في إتجاه الحدود المشتركة مع العراق وكذلك في اتجاه الجولان المحتل.
عندها أيضا رأينا نتنياهو في موسكو للحجيج وتقديم الاعتراضات الاسرائيلية على بنود الاتفاقية وقام بإرسال وفد الى واشنطن لنفس الغرض. وعندما عاد من موسكو وفي إجتماع للحكومة المصغرة أكد نتنياهو على استجابة الطرف الروسي والامريكي وتفهمهم للتحفظات والاعتراضات الاسرائيلية وبأنهم سيأخذون بعين الاعتبار للمطالب التي قدمت من قبله عند الصياغة النهائية لبنود الاتفاق وبالتالي فإن نتنياهو ذكر أن حكومته ترحب بالاتفاق. ولم يمضي يوما على هذا الاطراء الاسرائيلي على الاتفاق ليتبين أن بنود الاتفاق المعلنة والنهائية لم تستجب للمطالب الاسرائيلية وبدأ نتنياهو بالهجوم على الاتفاقية وعلى أنها تهدد "الامن" الاسرائيلي ولكن لم يلتفت أحد الى تصريحاته. عندها تبين لاسرائيل مرة أخرى أن الدول الكبرى تسعى الى حل الازمة بالشكل الي ترتئيه ضمن مصالحها وأن على اسرائيل أن تدرك أنها دولة صغيرة بالاضافة الى أنها خرجت من الصراع في سوريا خاسرة ولا تستطيع أن تملي أية شروط لا يرضى عنها الطرف المنتصر.
نتنياهو المأزوم!!
2017-08-25
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني

