2026-06-17 12:00 ص

القرضاوى.. " الشيخ المتلون "

2012-12-21
القاهرة/ تثير الفتاوى المتعاقبة للداعية المصرى القطري يوسف القرضاوي حالة من الاستغراب في الشارع الاسلامي، ويتصاعد الجدل حول سلامة مايصدر من رجل تجاوز السادسة والثمانين،

أصدر «القرضاوى» سلسلة من الفتاوى السياسية والاجتماعية الشاذة، فمن فتاواه المتعلقة بالثورات فى مصر وليبيا وتونس واليمن وسوريا والبحرين، إلى محاكمة «الهاشمي» في العراق.. لم يكد «مفتي الناتو» كما يحلو لمناوئيه أن يسموه يترك شاردة ولا واردة إلا وأدلى بدلوه فيها. آخرها دعوته للمصريين الى الخروج والمشاركة في الاستفتاء على مشروع الدستور، معتبرًا أن التصويت بـ«نعم» فيه خلاص واستقرار مصر والتصويت بـ «لا» يعد خسارة كبيرة وسيؤخر بناء مصر ويزيد البطالة ويعوق جذب استثمارات لمصر من بينها 20 مليارًا من قطر، قائلا: مصر تخسر كل يوم.. تتأخر كل يوم.. تتدهور كل يوم.. تنزل العملة فيها كل يوم، وقال القرضاوى: إنه يؤيد «نعم» لمشروع الدستور الجديد من أجل مصر، لا من أجل الإخوان، فالدستور فى مجموعه رائع لم تر مصر مثله أبدًا.. عندي بعض الملاحظات عليه ولكن بعد النتيجة ننظر في هذه الملاحظات، مضيفا: أنا أؤيد نعم أقول هذا من قلبي لا يهمني محمد مرسى ولا يهمنى حزب الحرية والعدالة ولا يهمنى الإخوان وإنما يهمنى مصر.. أعظم وأقدم بلد عربى.
لا يحظى «القرضاوى» باحترام في الأوساط الإسلامية، وتعرض لانتقادات حادة من علماء مسلمين على مدى عقود من الزمن وصلت إلى حد التشكيك في أهليته العلمية.
ويرجع الفضل في شهرة «القرضاوى» إلى جماعة الاخوان المسلمين وآلتها الإعلامية الضخمة، كما جعل برنامج «الشريعة والحياة» الذى يذاع على قناة «الجزيرة» القطرية من «القرضاوى» نجما عالميا يتدخل فى الكثير من تفاصيل المشهد السياسى العربى من المحيط إلى الخليج.
رحب القرضاوى بتولى الإخوان حكم مصر لأنهم «الجماعة الإسلامية الوسطية المنشودة» حسب وصفه، واعتبر مشروع الإمام حسن البنا «المشروع السنى الذى يحتاج الى تفعيل»، ووصف الإخوان المسلمين بأنهم «أفضل مجموعات الشعب المصرى بسلوكهم وأخلاقياتهم وفكرهم وأكثرهم استقامة ونقاء».
ورغم أنه كان قد صرح لبرنامج «الشريعة والحياة» الذي تبثه قناة «الجزيرة» القطرية بتحريم التصويت لكل مشارك من الحزب الحاكم السابق في مصر في الانتخابات الرئاسية، ودعا إلى انتخاب المرشح المنشق عن جماعة الاخوان المسلمين عبدالمنعم أبو الفتوح ليخذل بذلك الجماعة التى رشحت محمد مرسى فهو شيخ متلون كما يصفه معارضوه ومواقفه مع الحكام العرب خير دليل على ذلك.
تحول «القرضاوى» من مدح القذافى ووصفه بالأخ صاحب التحليلات العميقة والواضحة لمجريات الأحداث إلى النقيض تماماً ليصفه بالمجنون ويهدر دمه.
وفى مقابلة للقرضاوى في قناة «الجزيرة» أفتي بجواز قتل القذافى قائلا: «من استطاع أن يقتل القذافي فليقتله ومن يتمكن من ضربه بالنار فليفعل ليريح الناس والأمة من شر هذا الرجل المجنون» طالبا من الشعب الليبي الصبر للخروج من هذه الأزمة واستمرار المقاومة والكفاح مهما كانت التكلفة ومهما كان عدد الشهداء.
مع تزايد هجمات قوات «القذافي» علي المعارضة الليبية خرج «القرضاوى» ليصفه بالحمار الأرعن الذى يستبيح اعراض النساء فى ليبيا، وأنه مثل النمرود الذى قال للناس «أنا ربكم الأعلى» مؤكدا أن القذافى تجبر في الأرض بغير الحق. 
أما علاقته بالرئيس المخلوع فكانت علاقة عداء منذ خروجه من مصر وتفضيله العيش في دولة قطر بسبب اضطهاد نظام «مبارك» له.. فمنذ خروج الداعية الإسلامي من مصر وهو لايفوت فرصة للهجوم على الرئيس المخلوع وعائلته ونظامه، وكان أخطرها عام 2005 عقب توقيع الحكومة المصرية اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل، عندما أهدر القرضاوى دم «مبارك» قائلا: إن الفتوى تشمل كل من يشارك فى مشروع الغاز من المصريين وغيرهم من العرب، كل من يساعد المحتل الإسرائيلى حلال الدم، وإن كان مدنيا، حيث سيستخدم الغاز المصري لدعم الاقتصاد الإسرائيلي وتوفير الكهرباء للمصانع والقواعد العسكرية الإسرائيلية التي تخوض حربا مع فصائل فلسطينية ولبنانية نتج عنها مقتل المئات من العرب والمسلمين.
ومع بداية ثورة الخامس والعشرين من يناير وجد «القرضاوى» ضالته للتنكيل بالمخلوع وعائلته، فقد خرج فى أكثر من تصريح صحفى يطالبه بالانسحاب وأن يصبح رئيسا سابقا بدلا من أن يصبح رئيسا مخلوعا، مؤكدا أن سجله خال من البطولات الحربية، وأن ما يتحدث عنه «مبارك» من بطولات في حرب أكتوبر مجرد ادعاء سيثبت التاريخ زيفه.
وحمّل «القرضاوى» مبارك مسئولية قتل المدنيين فى الأحداث التى تشهدها مصر، مضيفا أن «مبارك» دفع بالبلطجية إلى الشوارع وأرسل القناصة يقتلون الناس من فوق العمارات، واتهمه بأنه المسئول عن نهب أموال مصر والثروات التى استحوذ عليها أقاربه وأصهاره وأولاده قائلا: من أين لك بهذه المليارات وأنت رجل فقير؟ ورأى أن مبارك يستحق لقبي «الفرعون الجديد» و«الرجل الأحمق».
علي النقيض تماما، كانت ردود أفعال القرضاوى من ثورة البحرين ورئيسها حمد بن عيسى، وذلك عندما اعتبر الثورة فى البحرين بأنها ثورة طائفية وليست ثورة شعب، بحجة أن معظم القائمين عليها من أهل الشيعة الذين لاينتمي اليهم الداعية الاسلامى، وقد وضعه هذا فى موقف المتناقض أو الساعى خلف المصالح علي حساب الحقيقة والصدق مع النفس.
كانت علاقة «القرضاوى» بالرئيس السورى بشار الأسد مرتبطة بالعلاقة بين سوريا وقطر صاحبة الفضل علي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.. ولكن مع اندلاع الثورة السورية مؤخرا بدأ موقف الشيخ متناقضاً فقد كان يخشي من فقد مصداقيته أمام العالم العربى فى حالة عدم إبداء رأيه فيما يحدث فى سوريا مؤخرا ولذلك خرج عن المألوف وانتقد الرئيس السورى على غير المتوقع حيث دعا الشعب السورى للخروج واسقاط النظام القمعى واخراج الاف المسجونين منذ اكثر من 30 عاما، متهما الأسد بالكذب قائلا: لايزال السورى يكذب وماذا يريد حزب البعث، هذا خلاص انتهى منذ زمن، لامكان له في الثورات الشبابية اليوم، منتقدا الطائفة العلوية التى ينتمى اليها الرئيس السورى بشار الأسد والتي تسيطر بشكل واسع علي مفاصل السلطة والقوى الأمنية في البلاد، وقال «القرضاوى»: الأسد يعامله الشعب علي أنه سنى ومثقف وشاب ويمكنه أن يعمل الكثير لكن مشكلته أنه أسير حاشيته وطائفته.
وفى تصريحات لافتة أفتى الشيخ يوسف القرضاوى بجواز أن يطلب السوريون تدخل حلف شمال الأطلنطى «الناتو» لمساندتهم فى مواجهة المذابح التي يرتكبها النظام بحق المدنيين، خاصة مع عجز الدول العربية عن التدخل. موقف «القرضاوى» وضعه في موقف حرج من قبل القيادات القطرية التى ترتبط بعلاقات وطيدة مع النظام السورى.
اتهمت الحكومة السورية «القرضاوى» بالتحريض علي أعمال العنف بحجة أن «القرضاوى» حرض السنة على التمرد على الحكومة السورية من خلال خطبة الجمعة، وأن كلامه كان السبب فى اندلاع الاضطرابات فى اللاذقية، فالمدينة لم تشهد أى اضطرابات قبل خطبة الجمعة، وأن كلمات «القرضاوى» مثلت دعوة واضحة ومباشرة للنزاع الطائفى.
اما علاقة «القرضاوى» بأمير دولة قطر حمد بن خليفة فهى علاقة حميمية  منذ ان ذهب للعيش فيها بعد ان سحب منه الرئيس السابق جمال عبد الناصر الجنسية اواخر الستينيات وحصل على الجنسية القطرية بعد ان ساند «حمد» وأفتى له بفكرة الانقلاب على أبيه، والتى نفذها الشيخ «حمد» ضد أبيه الشيخ خليفة زرعها فى عقل الابن العاق الشيخ يوسف القرضاوى الذى تقرر في مطلع الثمانينيات ترحيله من قطر إثر صراع بينه وبين الناقد العربى المصرى رجاء النقاش الذى كان يترأس تحرير مجلة الدوحة الثقافية.
وفى اطار إحساس «القرضاوي» بالغيرة والنقص من رجاء النقاش الذى تمكن من اصدار مجلة ثقافية من الدوحة أصبحت نجما لامعا فى سماء الثقافة العربية آنذاك، قدم وجها جديدا لقطر لم يكن معروفاً، فقد أصدر فتوى بتكفير رجاء النقاش بدعوى انه شيوعى وهو الامر الذى أحدث أزمة داخلية في قطر التي لم تعرف من قبل فتاوى التكفير، وتمكن «القرضاوى» من اقناع التيار الاسلامى باغلاق مجلة الدوحة ووضع حاكم قطر في مواجهة غير مباشرة مع المثقفين والكتاب العرب الذين وقفوا إلى جانب «النقاش» فضلا عن استياء مصر من الموقف المهين لأحد رموزها الثقافية.
سارع الشيخ خليفة إلى تجميد «القرضاوى» وقرر سحب الجنسية منه وطرده من قطر بعد أن اكتشف أنه بدأ يلعب أدوارا داخلية فى قطر تهدد الاستقرار الداخلى وبعد أن وجد أن «القرضاوى» أصبحت له تأثيرات كبيرة على ابنه الكبير «حمد» الذى لم يكمل تعليمه المدرسى، ولكن القرضاوى أصدر فتوى لابنه «حمد» بجواز الانقلاب على أبيه واعتقاله وسجنه بتهمة التشجيع على الكفر باصدار مجلة يترأسها شيوعى.. وتمت عملية الانقلاب التليفزيونى المشهورة في قطر وتولى «حمد» الحكم وأصبح القرضاوى بمثابة الأب الروحي له.
وقال «القرضاوى»: لولا الشيخ حمد بن خليفة أمير البلاد لكنت فى قائمة الإرهابيين التى حاولت الولايات المتحدة إدراج اسمى فيها. إن الله أكرمنى بدولة قطر التى أفسحت لى الطريق ولم يقف أمامى أى عائق فى سبيل حرية القول.
و«القرضاوى» لمن لا يعرفه هو الشيخ  يوسف عبد الله القرضاوى أحد أبرز العلماء السنة فى العصر الحديث ورئيس الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين ولد فى 9 سبتمبر 1926 بقرية صفط تراب مركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، حفظ القرآن الكريم وهو دون العاشرة والتحق بالأزهر الشريف حتى تخرج في الثانوية وكان ترتيبه الثاني على مملكة مصر حينما كانت تخضع للحكم الملكي ثم التحق الشيخ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ومنها حصل على العالمية سنة 1953 وكان ترتيبه الأول بين زملائه وعددهم مائة وثمانون طالبًا حصل على العالمية مع إجازة التدريس من كلية اللغة العربية سنة 1954م وكان ترتيبه الأول بين زملائه من خريجي الكليات الثلاث بالأزهر  وعددهم خمسمائة، حصل يوسف القرضاوى على دبلوم معهد الدراسات العربية العالية في اللغة والأدب في سنة 1958، ولاحقا فى سنة 1960 حصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين.
وفى سنة 1973م حصل على الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من نفس الكلية وكان موضوع الرسالة عن الزكاة وأثرها فى حل المشاكل الاجتماعية، مات والده وعمره عامان فتولى عمه تربيته. انتمى «القرضاوى» إلى جماعة الاخوان المسلمين وأصبح من قياداتها المعروفة واعتبر منظر الجماعة الأول كما عرض عليه تولى منصب المرشد عدة مرات لكنه رفض. كان يحضر لقاءات التنظيم العالمى للإخوان المسلمين كممثل للإخوان فى قطر إلي أن اعفى من العمل التنظيمى فى الإخوان.
سجن يوسف القرضاوى عدة مرات لانتمائه للإخوان المسلمين دخل السجن أول مرة عام 1949 فى العهد الملكي، ثم اعتقل ثلاث مرات فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر. سافر القرضاوي إلى دولة قطر وعمل فيها مديراً للمعهد الديني الثانوي وبعد استقراره هناك حصل على الجنسية القطرية، وفي سنة 1977 تولى تأسيس وعمادة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وظل عميداً لها إلى نهاية 1990، كما أصبح مديراً لمركز بحوث السنة والسيرة النبوية بجامعة قطر ولايزال قائماً بإدارته.
المصدر: فاتن الزعويلي/ بوابة الوفد الالكترونية