2026-03-17 07:06 م

معركة حلب والمحاولة التركية السعودية لتغيير المعادلات في سوريا

2016-10-04
بقلم: عميرة أيسر*
عتبر معركة حلب التي تجري وقائعها في سوريا منذ أسابيع نقطة مهمة في مسار استعادة السيطرة علي واحدة من أهم المدن السورية ألكبري والتي لها بعد عسكري تكتيكي استراتيجي وتعتبر من اكبر معاقل جبهة النصرة التي وضعت علي لائحة المنظمات الإرهابية النشطة في سوريا والتي تحظي بدعم قوي وكبير من تركيا,فبعد أن تمت السيطرة علي جزء هام من مدينة تدمر التي كانت تعتبر أهم مراكز داعش والمدينة التي تربط القلمون ونبل والزهراء وكانت تشكل تهديدا حيويا لأمن العاصمة دمشق فالطريق الصحراوي الذي يعتبر حلقة وصل بين العراق وسوريا والذي كانت تدمر بوابته قد تمت السيطرة عليه من قبل الجيش السوري وحلفاءه ودخلت قوات خاصة روسية من فرق تفكيك الألغام لتطهير المدينة منها,وتم حصر داعش في مدينتي الرقة ودور الزور تمهيدا للانقضاض عليهما وكان لزاما علي القيادة العسكرية السورية أن تفكر في الخطوة التالية والتي كانت تقليم أظافر جبهة النصرة وإضعافها من اجل فرض أمر واقعي ميداني لخارطة عسكرية مغايرة تماما لحسابات الأمريكان والأتراك والسعوديين ,فالخلاف الأمريكي التركي السعودي قد تجلي وظهر إلي السطح أكثر بعد معركة حلب التي قامت فيها المجموعات الإرهابية التابعة لجبهة النصرة بقصف واستهداف المواقع المدنية والمستشفيات بغطاء ناري تركي حيث أن الأتراك عن طريق النصرة توغلوا إلي داخل العمق السوري وتعتبر مدينة حلب معقلهم الأساسي وخسارتها تعني ضمنيا ولوجستيا خروجهم من المعادلة السورية نهائيا,فالقرار السوري الروسي الصارم والقاضي بإغلاق جبهة الحدود السورية التركية وعدم السماح بإدخال مزيد من المقاتلين والذخيرة والسلاح شكل عقدة مستعصية الحل أمام صناع القرار السياسي والعسكري في انقره فرموا كل ثقلهم هذه المرة من خلال دعم جبهة النصرة وتقديم كافة أشكال الدعم والمساندة والتغطية الإعلامية والعسكرية لها من اجل السيطرة علي الطريق الأوسط ومعبر الباب الرئيسي بعد أن سقط طريق إعزاز في يد الدولة السورية وجيشها بعد سقوط أجزاء مهمة من مدينة تدمر. -السعودية التي لم يعجبها التفاهم الروسي الأمريكي وتوقيع الهدنة في شهر شباط الماضي وتمديدها يوميا بضمانة أممية فقامت الرياض بانقلاب علي تفاهمات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير والأمريكي جون كيري في جنيف والقاضية بان تقوم السعودية بلجم الجماعات الإرهابية في حلب والالتزام بوقف العمليات القتالية والعودة إلي طاولة الحوار والاتفاق علي هدنة تبدأ الساعة 12ليلا,حسب ما ذكرته صحيفة الوطن السورية وعدة مصادر إعلامية محايدة ولكن السعوديون اعتمادا علي الدعم الإسرائيلي التركي اخلوا بهذا الاتفاق ولم يلتزموا ببنوده,وهذا ما أثار حفيظة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ودعي حلفاء واشنطن إلي الكف عن دعم الإرهاب والالتزام بما اتفق عليه من تطبيق شامل وتام لشروط الهدنة في المدينة ودعي فصائل المعارضة السورية المعتدلة إلي الانسحاب من مناطق سيطرة جبهة النصرة الإرهابية والتي لا تفاوض معها ولن تكون جزءا من عملية الحل السياسي وليست طرفا في أي مفاوضات تتناول الحل النهائي في سوريا ,فبعد أن تلقي أحرار الشام وجيش الإسلام ضربة قوية بعد أن طلب سفير روسيا لدي الأمم المتحدة فيتتالي تشو ركين تصنيفهما كمنظمات إرهابية من طرف مجلس الأمن الدولي لارتباطهما حسب رأيه بمنظمات إرهابية كالقاعدة وتنظيم داعش ودعمها لوجستيا وعسكريا من طرفهما,وهو الأمر الذي ترفضه كل من الرياض وأنقرة وواشنطن,فموسكو تحاول من خلال ذلك تحجيم دور السعودية في الملعب السوري والضغط عليها سياسيا من اجل تقديم المزيد من التنازلات والكف عن دعم الإرهاب في سوريا والقبول بشروط الدولة السورية في جنيف,فمعركة حلب المصيرية والتي تعتبر محددا لمن سيرسم معالم المرحلة المقبلة لان السيطرة علي واحدة من اكبر وأكثر المدن السورية كثافة سكانية سيعطي المتحكم بها تحكما في جزء واسع من الجغرافيا السورية. -وهذا ما تعلمه كل الأطراف التي تقاتل ألان هناك ,ولتأثير علي الرأي العام المحلي والدولي عمدت السعودية ومن وراءها إسرائيل وتركيا إلي تشويه الحقائق وتزييفها والادعاء بان القوات السورية هي من يقصف المدينة وقد ذكر موقع غلوبال ريسرتش الكندي عن إرسال الاستخبارات الأمريكية لآلاف الأسلحة الحربية إلي المنظمات الإرهابية التي تقاتل في سوريا ومنها القاعدة وجبهة النصرة كان أخرها شحنتان تضمنت حوالي 3الاف طن من الذخيرة وقد استعملت هذه الأسلحة لقصف الأحياء المدنية في حلب,كما أن موقع فيديرال بزنس اوبورتشنتيز الحكومي المتخصص في التجارة الفدرالية نشر وثائق تؤكد استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في إرسال المزيد من الأسلحة إلي سوريا ودعم الإرهاب هناك ,ونقلها من أوروبا الشرقية بما فيها مواد متفجرة عبر ميناء العقبة الأردني,وهنا لا يخفى الدعم الأمريكي الجلي للإرهاب والذي تحاول قنوات الإعلام السعودي والتركي والغربي نفيه ,وزيارة علي ما سبق ذكره فان للأمريكان اليد الطولي في التحكم بمجموعات الدفاع المدني التي تعتبر احد الفواعل التي عملت علي تشويه الصورة وفبركة مجازر لم تحدث أصلا ونسبتها إلي الجيش السوري والقوات الإيرانية وحزب الله فقد أماط موقع غلوبال ريسرتش اللثام عن حقيقة استهداف الإعلام الأمريكي لرئيس السوري بشار الأسد وذكر بان القبعات البيض أو الخوذات البيضاء العاملة في سوريا والتي عملت علي نقل صورة خاطئة عن حقيقة المعارك التي تجري بين الجيش السوري والجماعات الإرهابية كداعش والنصرة وأحرار الشام والمدعومة من حلف الناتو كما ذكر التقرير الذي صدر الأحد 2ماي 2016,وأوضح بان المجموعات المسلحة أرسلت مئات قذائف الهاون وأسقطتها علي المدينة ما استدعي ردا عنيفا من قبل الجيش السوري ومن يقاتل معه,وذكر مركز غلوبال ريسرتش أن أمريكا تعتمد علي المنظمات غير الحكومية بالوكالة إلي جانب بعض الميليشيات لتصدير صورة دائمة عن الجيش السوري بأنه يستهدف المدنيين العزل,ومن أبرزها منظمة الخوذات البيضاء أو الدفاع المدني السوري والتي تعتبر المصدر الرئيسي لتلك الصور السلبية عن الدولة السورية وجيشها,والخوذات البيضاء هي في الأساس تشكيل أمريكي يقوده الجندي البريطاني جيمس لو,بتمويل مشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية وجبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة في سوريا والعراق,وأوضح التقرير بان تلك المنظمة تصور كل هجوم علي معاقل ومقرات جبهة النصرة علي انه هجوم علي المدنيين أو مشافيهم أو علي العاملين بمجالات الصحة والطوارئ وأشار التقرير كذلك إلي اعتراف مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة وجون بايدن نائب الرئيس الأمريكي وبالتعاون مع دول موالية لأمريكا كقطر وتركيا والمجموعات الإرهابية العاملة في سوريا وتمويلها سرا من اجل إسقاط بشار الأسد وإغراق الدولة السورية في الفوضى. -وبالتالي فإننا انطلاقا من هذه المعطيات وغيرها نستطيع أن نفهم السعي المحموم وبكل الطرق والوسائل لحسم هذه الجولة من الحرب ومحاولة حصر الروس والسوريين في الزاوية ,فتغيير الوقائع مهم جدا لان الاتفاق الأمريكي الروسي والذي لا تعتبر تركيا أو السعودية جزء منه ينص صراحة علي انه يجب ضمان تشكيل حكومة الموحدة وحتى بدون الرضي السعودي التركي وبحضور جماعة الرياض أو بغيابها ووفق بنود هذا الاتفاق الملزم,فمساءلة رحيل الرئيس بشار الأسد والتي لا تريد تركيا أو الرياض التنازل عنها باتت من الماضي إذ أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ابلغ رئيس الوفد السوري المفاوض في مؤتمر جنيف 3اسعد عوض ألزغبي أن رحيل الأسد لن يتم إلا عن طريق صناديق الاقتراع وهذا ما سمعه منه كذلك رياض حجاب رئيس الوزراء السوري السابق والذي تم الاتفاق علي تسميته ليكون منسقا لفريق وفد المعارضة المفاوض حول مستقبل سوريا , فالأتراك والسعوديون يحاولون ألان الالتفاف علي هذا الاتفاق عن طريق إشعال المنطقة ومحاولة فرض شروطهم عن طريق لغة السلاح والتدمير ولكنهم في ظل الوجود الروسي الذي أعلن عن سوريا كمنطقة نفوذ روسي ممنوع الاقتراب منها أو تجاوز خطوطه الحمراء فيها وتعثر المعارك في مدينة حلب وتقدم الجيش السوري أصبح هؤلاء في ورطة كبيرة ,فالرئيس الأمريكي باراك اوباما الذي سيغادر البيت الأبيض عما قريب لا يريد التصعيد أكثر في سوريا بل يريد تسوية سياسية تخرجه من الرئاسة الأمريكية بمظهر المنتصر فأمريكا كما يقول المحلل السياسي الأستاذ ناصر قنديل بدون سياسة وبرامج وخطط واضحة في سوريا فهي تدعم المسعى الروسي ومسعى حلفاءها علي الأرض السورية في نفس الوقت وفي اللحظة المناسبة وعند استغاثة احدهما تنظم إلي خصمه وتدعمه من اجل فرض شروطه وشروطها طبعا ضد المنهزم,ولحد الساعة هي تساير الروس لأنهم الأقوى ولان حلف الخاسرين غير جدير بالثقة حسب الرؤية الأمريكية ومعركة حلب تعتبر أخر فرصة تعطيها لهم من اجل استعادة هيبتهم ونفوذهم وتغيير المعادلة لصالحهم وإذا فشلوا وكل المؤشرات والقراءات تدل علي ذلك فان عليهم الرضوخ للاملاءات والمطالب الأمريكية الروسية وإلا فأنهم سيتوسلون من اجل إيجاد مقعد لهم علي طاولة المفاوضات المقبلة . -فرفض الأمريكان لتدخل البري في سوريا وإحجام الأتراك والسعوديين عن ذلك وحتى التدخل التركي في الشمال كان بموافقة من دمشق وحلفاءها ,ولو أن الأمر قد تم وسيطر هؤلاء علي جزء من الجغرافيا السورية ومناطق نفوذ داعش واستعملوها كورقة ضغط تحت لواء الجيش الحر لكان الواقع قد تغيير كلية من الناحية الميدانية والإستراتيجية ولكن الجبن والخور الذي أصاب القيادة التركية السعودية حال دون ذلك ,واستمر هؤلاء بالدعم الغير مباشر لجماعات الإرهابية في سوريا والنتيجة كانت عدم قدرتهم علي فرض أي نوع من النفوذ الداخلي في سوريا رغم حجم الدمار والقتل والخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالدولة والشعب السوري ,فبوابة حلب التي تسيطر عليها جبهة النصرة إن سقطت فان هذا سيكون له تأثير سلبي جدا علي معنويات كل الفصائل المسلحة المقاتلة والتي ستري في تلك الهزيمة بداية انفراط أحجار الدومينو لذا ستفعل أنقرة والرياض كل ما في وسعهما من اجل منع ذلك حتى ولو أدي ذلك إلي تدمير البلدة علي رؤوس سكانها , وهذا ما تعيه القيادة العسكرية السورية وتحاول الاستفادة منه.
* كاتب جزائري