2026-09-15 12:18 م

صباح اليوم الأول للدولة العروس

2012-12-02
بقلم : ظاهر الشمالي

بعد عملية الشد والجزر بين المحتل والمفاوض الفلسطيني،  ومن ثم عمليات الهرج والمرج المستمرة والتي تواصلت لاكثر من عشرين عاما .  ومن ثم تواصلت فصول الحكاية الأليمة، لشعب لم ير من الفرح لونا،  ولم يذق للسعادة طعما، إلى أن  تبددت الغيمة السوداء، وبدت الشمس تظهر متلبدة بغيوم خجولة  في فجر فلسطيني بطعم آخر . نحاكي فيه الانتصار حين تمخض الجبل فولد حلمأ، ومن ثم بزغ نور الحلم، ليبتسم لهضاب الوطن المكلوم والمغلوب على أمر ناسه . حين وقف العالم وقفة شموخ إجلالا واحتراما لعدالة القضية الفلسطينية ورفعتها . في الوقت الذي بدى الطمع والنكران، والتحيز يظهر على بعض وجوه دول نكرة،  لا تبتسم الا للظلم والقهر العدوان، وهكذا كان حال كندا وبريطانيا وامريكا وبعض الدول التي لا تذكر .

حين إنتصرت فلسطين على الظلم والجبروت،  يوم  لقن الغزيون الاحتلال ومن خلفه، العالم درسا في لغة الأدب والمقاومة. عندما زغردت السماء فرحا وهي ترى الحجر الفلسطيني  يتجبر، ليصبح صاروخا يدكّ أركان المحتل وعاصمته المزيفة تل ابيب . ويضع الكل الاسرائيلي رهينة تحت رجمات  الصواريخ، التي جعلت العالم يركع على ركبتيه، مستجديا غزة الصغيرة وقيادتها،  بهدنة هم من يضعون ويفصلون شروطها. ناهيك على ان غزة هاشم،  اصبحت قبلة  يحج إاليها الدبلوماسيون العرب والعجم . ليسبلوا شعر مقاومتها  التي  غضبت في وجه المحتل . ولكي يشتروا من غزة الهدوء بعدما  أزعجت العالم  بمشاهد الدم، لأطفالها وبأصوات صفارات الانذار، التي صاحبها الصراخ والخوف والرعب الذي سببته الصواريخ، والتي جعلت ساسة امريكا لا ينامون قبل ان ينام  المستوطن بهدوء .

وفي الوقت  الذي كانت فيه غزة تخرج من انتصار لا ينكره احد، كانت رام الله شقيقتها وتوأمها السيامي في النضال والثورة والمقاومة،  تنصب خيمتها  واوتاد الحلم  لانتصار جديد .  يهز أيضا اركان  الثقة العمياء التي تتمتع بها اسرائيل، وعرش البعبع الامريكي، الذي لا تكسر له كلمة في هذا العالم المنافق،  قبل إعلان الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 67 وعاصمتها القدس الشريف . بقبول ورضى واجماع من هذا العالم،  وعلى مسمع امريكا ونظر  اسرائيل . 

في هذا المشهد البوليسي الثوري الثاني، والذي وقف فيه ابو مازن  خليفة عرفات  امام دول العالم . دون كلل او ملل، ولا حتى بدت عليه أي علامات الاحباط والهزيمة والانتحار السياسي غير المحسوب العواقب . كانت في هذا المشهد قراءات ودلالات عدة، تحمل في أحشائها  كاريزما الانتصار والثقة الزائدة، على عكس اسرائيل البطة العرجاء، التي أرهقتها صواريخ المقاومة، والتي يطلقها ابناء شعب  ابو مازن، الساكنون على  خط النار في غزة . كان ابو مازن  يصفع العالم بكلماته ويجلد المحتل على جرمه، ويعاقب  بالكلمة الحادة  كل من سولت له نفسه يوما، بإزعاج منامات الفلسطينيين وإيقاظهم من وسط الحلم،  الذي لم يتحقق جراء جرم المحتل . وجاء الوقت المناسب  لكي يتحقق هذا الحلم . 

ومن على تلك المنصة الزرقاء، والتي وقف عليها ياسر عرفات في زمن مضى . أدلى أبو مازن بدلوه، فصفق له العالم واقفا ومؤمنا بالحق والحقيقة الظاهرة،  بوجوب أن يستقل هذا الشعب ويتحرر من براثن الظلم والاحتلال،  وأن يبني كيانه ودولته، ولو حتى على انقاض الحلم. الذي سيتجلى ويصبح حقيقة مشروعة . حينها قال العالم كلمته بعد تأنيب الضمير،  ولعنة الطفولة التي لاحقت زيف هذا العالم، في التعامل مع أعدل قضية في تلك المنطقة. حين قال نعم لفلسطين لا  لاسرائيل  ولا لأمريكا وكندا وبريطانيا .

حين أدرك أن غزة ورام الله وبيت لحم والخليل ونابلس واريحا وقلقيلية وخانيونس والقدس تستحق دولة، في خطوة أولى نحو الحلم الأكبر والحاضنة  التي ستجمع الوطن ككلّ، على قاعدة الانتصار الكبير.  حين تبتسم يافا في وجه الخليل تتلاحم عكا مع رام الله والناصرة مع بيت لحم،  ويعود اللاجئون لديارهم تحت ظلال العلم الفلسطيني، والدولة العتيدة التي لن تكون إلا عنصرا فعال في هذا العالم، ولن تكون فائضا عن حاجة هذا العالم الأعمى الذي لا يرى إلا القوي الغارق  والمتهالك بدم الاطفال .

الصباح الأول للدولة وإن لم يكن كغيره من الصباحات، لكنه يحمل شعورا غريبا،  أننا نمنا على وقع احتلال سافل، وأصبحنا على وقع دولة عربية جديدة، ينتشي النصر والحرية في نفوس أهلها، وإن تواجدت هنا وهناك بعض مظاهر الاحتلال المشوهة للطبيعة ومظاهر الغول الاستيطاني،  الذي يتلوى كالثعبان في خاصرة الدولة، ويقضم أجمل أراضيها ويشوه الطبيعة الخضراء،  ليزرع بدلا منها أبناء الفلاشا  والمستوردون من  عبّارات اوروبا،  ومن غجر العشوائيات في مقاطعات امريكا وبريطانيا .
ولما  كان الصباح مغايرا،  كان الأطفال يرفعون  الاعلام فوق اسطح المنازل، وكانت الاذاعات تغني للدولة، وكان وقع الخبر على مخيمات لبنان  واللجوء والتشتت،  بين الحزن والفرحة بأن أصبح لنا وطن يسكن فينا ونسكن فيه . هو ناقص لكنه سيكمل يوما ما، وسيعود مرتع الصبا الى الذاكرة من جديد هناك على سفوح الوطن في  جليل الوطن المحتل ومثلثه ونقبه .
 وبالفعل كان الخبر  جميلا بما حمل، من مكنون فوضوي  للذات وللمشاعر التي  اثرت على العيون  في إجهاشها بالبكاء حزنا وفرحا، على ارواح الشهداء ومعاناة الأسرى وهموم المشردين والمبعدين .

لكنها عروس  مزينة  ومرصعة  بالحب والولاء من كل ابناءها، الذين اجتمعوا في لوحة جميلة على كلمة رجل واحد،  في عقد لقران المصالحة والألفة  والمحبة والاخوة،  التي ترسخت  قلبا وقالبا يوم كانت الصواريخ  تزور ارضنا المحتلة . وزادت الوحدة  في بهاء صورها يوم توجه الرئيس الى هناك، الى  مرتع الباطل ليشتري الحق  والعدالة لشعبه، الذي كافح من أجل الحرية والدولة . 

وأصبح هذا الشعب  ما يريد . فما أجملها من ولادة، ولو انها واجهت العسر  في مولودها البكر ودولتها المستقلة، التي  كانت تشبه الوحدة في عيونها، وتشبه الثورة في إبتسامتها وتشبه المقاومة في شقار شعرها  وتشبه فلسطين كل فلسطين  في حركات العيون، كما وصفها أطباء الحرية في هذا العالم، الذين  يناصرون الحق والعدالة الساكنتين في أعلى برج الدولة الأم فلسطين .

والصباح الأول للعروس يكون أجمل. يوم  تطل تلك العروس الأنيقة، والتي اجمع العالم عليها  من شرفة غرفتها  على  سور عكا  وساحل فلسطين . يوم يكون شهر عسلها في القدس  العربية . وتكون أجمل أيام سعادتها في رام الله وغزة  والخليل. يومها يكون الانتصار، الذي اعتقد ان السماء ستبكي فرحا  حين يأتي . وحتما سيأتي ما دامت  الطريق مستمرة،  والنفق بدأ يتبلور فيه النور والمشهد . والحرية بدت قريبة كل القرب من هواء شعبنا .

وأخر دعوانا ان الحمد لله  وعاشت فلسطين حرة عربية.
pressdahir@hotmail.com