بقلم: سمير الفزاع
عندما يتعلق الأمر بمصر والسعودية، يجب أن نعرف أن أمريكا حاضرة بقوة حتى وإن لم "نراها". مصر: الدولة العربية الأكبر، والشريك الأهم عربيا لواشنطن، وقائدة مسيرة كامب ديفيد... والسعودية: بيضة قبان الجزيرة العربية، والمتحكمة بأقدس المواقع الإسلامية، و"مفرخة" الإرهاب والإرهابيين الكبرى، والبئر النفطية الأغزر في العالم... عندما تجلس مصر كامب ديفيد، ومملكة النفط السعودية على الطاولة، يقيناً، ستكون واشنطن وكيانها الصهيوني، وقضايا مثل مستقبل الطاقة والقضية الفلسطينية... وكيفية التعامل مع أعداء تحالف "كامب ديفيد"، وتحديداً سورية وحلفائها، حاضرون على ذات الطاولة. ليس في الأمر مبالغة. ومع مجيء الرئيس السيسي، وفي ظروف الربيع المشئوم من صراعات مذهبية واثنية وعرقية... برزت ظاهرة فريدة في التاريخ السياسي لمصر والمنطقة: إتفاق القوى الدولية والإقليمية على تجنيب مصر حمام الدم، مقابل إنكفاء مصري واضح. صحيح، اخترق هذا السياق بعض الانعطافات، لكنها لم تتعدى مستوى توجيه الرسائل، مثل إسقاط الطائرة الروسية وداعش في سيناء. والهدف الأبرز لتجنيب مصر الحريق، الإبقاء على قوة عربية-إقليمية وازنة قادرة على "تنفيذ" وضمان تنفيذ أي تسوية قد يصل إليها المتصارعون في الإقليم، وإعادة تأهيل الأنظمة المهزومة عبر نموذج مصر-كامب ديفيد. على نحو مكثف، سأحاول تقديم قراءة لواقع المنطقة ومستقبلها من بوابة هذا الحدث الاستثنائي، "تسوية صنافير وتيران"، -دون البحث في أحقية ملكية مصر أو السعودية لهما- وعلاقته بالحرب على سورية، من خلال أحداث وتحليلات مفتاحية تفضي لتكوين صورة أفضل للمشهد الكلي للواقع والغد.
* معاني وأهدف "تسوية" صنافير وتيران:
* احد الأوجه الكبرى للحرب على سورية، الصراع حول خطوط نقل النفط والغاز من المشرق العربي إلى أوروبا... وعلى ظهر جسر آل سعود الموعود، وبعد فشل الحرب على سورية، سينقل نفط وغاز الجزيرة العربية – وربما غزة والكيان الصهيوني لاحقا- إلى أوروبا، لكسر الاحتكار الروسي، وحرمان موسكو من أحد أهم أدواتها السياسية والاقتصادية.
* لطالما تعاملت واشنطن وموسكو مع مصر –على الأقل منذ بداية حكم المشير السيسي- على أنها القوة الاحتياطية "الضامنة" للاستقرار في لحظة حصوله، ومظلة "الشرعية العربية" لأي تسوية محتملة ساعة وقوعها... لذلك تمّ استبعادها إلى حدّ كبير عن إضطرابات المنطقة الاثنية والعرقية... والآن يبدو بأن واشنطن أصبحت مضطرة لاستخدام هذه "الورقة" المؤجلة، بسبب خسارتها المحتملة في سورية، لإحتواء الآثار المترتبة على هذا الانكسار على الإقليم والعالم... وهذا يفتح الباب واسعاً لاستقراء بعض المهمات المستقبلية لهذه التسوية، ومنها:
1- توسيع قناة السويس، وبناء جسر سلمان النفط-غازي بين مصر والجزيرة العربية، يتيح لواشنطن وحلفائها في المنطقة والعالم، تخفيف الاعتماد على مضيق هرمز الذي يعبره قرابة 40% من نفط العالم... ما يسحب من يد حلف المقاومة ورقة عسكرية-سياسية كبرى.
2- كلنا يذكر حالة "الذعر" التي أصابت مملكة آل سعود عقب أحداث 11 أيلول في نيويورك، ليقوم على إثرها عبد الله بن عبد العزيز بإطلاق مبادرته للسلام مع الكيان الصهيوني، "مبادرة السلام العربية". اليوم، يقوم سلمان بذات الأمر، لكن مع خطوة عملية هامّة بمساعدة الرئيس المصري، ورعاية واشنطن وتل ابيب: استعداد سعودي للدفع نحو تصفية للقضية الفلسطينية بكامل قواها مشفوعاً بخطوة عملية –عبر الجزيرتين- أدخلتها مباشرة إلى اتفاقية كامب ديفيد... وما التهديدات الأمريكية بفتح أوراق 11 ايلول إلا خطوة للدفع بهذا الاتجاه.
3- ابراهيم باشا، الذي قاد حملة إسقاط "دولة" آل سعود الأولى (1816-1818) غُطي تمثاله بالقماش خلال مرور وفد سلمان في القاهرة... وإذا علمنا بأن نظام آل سعود اليوم يعيش ظروف مشابهة لتلك، حيث التطرف والجهل والاستبداد والنهب والقتل... بلغ أقصاه، وأن هذا النظام لم يعد مقبولاً ولا قادراً على الحياة في القرن الواحد والعشرين، فإن مصر التي أسقطته في المرة الأولى، ستكون مكلفة بـ"ضمان" إعادة تشكيله وتأهيله بمساعدة الاردن والامارات... ولكن ليس على طريقة ابراهيم باشا، وإنما من بوابة النموذج المصري "للحياد" وكامب ديفيد، ونموذج الامارات المتحدة بدل ثنائية آل سعود-آل الشيخ، والملكية الدستورية في الاردن بدل الملكية المطلقة... لأن البديل الآخر، تفكك المملكة بين أبناء العائلة المالكة والقبائل المنتشرة فيها بعد حرب طاحنة قد تأتي على آخرها.
4- سيقوم اوباما بزيارة إلى "السعودية" في 21/4، حيث سيكون أمامه "تصور كامل" لمستقبل المنطقة، والخطوط الحمر التي سيشعلون الحرب عند تجاوزها بعد هزيمتهم في سورية، تقدمه دول محور "الاعتدال العربي". حضور مصري سياسي-عسكري لتأهيل وضمان الانتقال السياسي والاجتماعي والاقتصادي... في مملكة آل سعود. مشروع "تسوية" للقضية الفلسطينية، وهنا أذكر بخبرين هامين جداً إذا أصبحا واقعاً: رسالة مصرية تطالب بالإفراج عن الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي. الحديث عن تكليف فايز الطراونة بتشكيل حكومة جديدة في الاردن، وهو الذي قاد الوفد الأردني في اتفاقية وادي عربه مع الكيان الصهيوني. مشاريع طاقة هائلة "تنقذ" الغرب من السيطرة الروسية، وتسمح بتحقيق "فورة مالية" تنقذ أنظمة المنطقة، وخصوصاً الخليجية، من إضطرابات الفقر والفقراء... الإشتباك بمستويات جديدة في الإقليم مسموحة، لكن لا مزيد من الوقت لتضييعه بمحاولة إسقاط حلف المقاومة... عليكم ببناء متاريسكم وإلا سقطتم جميعاً... ربما هذه هي النصيحة الأمريكية التي قلبت المشهد.
أين سورية؟:
لنسأل، إذا توجه الجيش العربي السوري وحلفائه نحو الرقة ودير الزور بعد تحرير تدمر، ما هو مصير مشروع واشنطن وأدواتها في المنطقة؟. لو زحف الجيش العربي السوري وحلفائه نحو الجولان لتحريره، كم من الأنظمة العربية ستبقى صامدة إذا لم تكن في صف سورية بحربها، ولنتخيل مصر على وجه الخصوص؟ مثل هذه الأسئلة تظهر حجم مأزق واشنطن وحلفائها، وتكشف خلفيات التسوية الحدودية المصرية-السعودية، وتقدم تفسيراً مقنعاً للكثير من الوقائع، ومنها:
* خرق "الهدنة" في سورية، جاء لعدة أسباب يقف على رأسها، منع الجيش العربي السوري وحلفائه من التوجه نحو دير الزور والرقة، بعد الانتصار السريع والصادم في تدمر. معركة تدمر، كان مخطط لها أن تدوم لفترة طويلة، وإذا ما دخلها الجيش، ستكون هناك مجزرة بشرية وتاريخية كبرى... لقد تمّ تفخيخ كل شيء في المدينة، البيوت والطرقات والآثار والجثث والشجر... وعند دخول الجيش تقع الكارثة، مجزرة بحق مئات الجنود، ودمار كامل المدينة وآثارها... ضربة لن يصحو منها الجيش لأشهر.
* الم يكن لافتا أن واشنطن أعلنت ترحيبها بمساعي الجيش العربي السوري وحلفائه لتطهير حلب في حين تكرر وزارة الخارجية الروسي أن لا خطط موضوعة لتحرير حلب!؟
* في خطوة استباقية وبند بنكهة صهيونية، تقول ورقة ديمستورا: "وما زال الشعب السوري ملتزما بأن يستعيد مرتفعات الجولان المحتلة بالوسائل السلمية..." وخلال أيام قليلة خلت، صار الحديث الصهيوني عن التمسك بالجولان، واستحالة التنازل عنه في أي تسوية مقبلة تطال الحرب على سورية... أمراً متكرراً، حتى أن نتنياهو اصطحب وزرائه ليجتمعوا في الجولان، تأكيداً على هذه "الحقيقة" الثابتة. إذا كان مؤتمر جنيف مخصص لإجتراح حلّ للحرب على سورية بين حكومتها وطيف من المعارضات، لماذا طرح دي مستورا هذا البند، ومع من يتحدث وفد الجمهورية العربية السورية هناك عن تحرير الجولان، ولماذا هذه "الهستيريا" في كيان العدو، وهل صحيح أنهم يرفضون عرضاً دولياً وإقليميا بـ"مبادلة" الجولان بضمانة حول أمن مستقبلهم أم يتمنعون ليجعلوا من هذه المعادلة قاعدة للحل؟ هل سيكون الانسحاب من الجولان خطوة واشنطن وأدواتها الاستباقية لمحاصرة انتصار سورية خلف حدودها، ومنع تمدده نحو فلسطين وغيرها؟... .
* كلمة أخيرة:
حلف الحرب على سورية أمامه مرحلة فاصلة من الاشتباك في الميدانين السوري والإقليمي لتحقيق أحد هدفين: تسعير الميدان السوري لإستنزافها وتمرير "تسويتهم" لـ"خرائط" وبُنية حلفاء واشنطن "لحفظ" وجودهم أو الاندفاع إنتحاراً لحرب إقليمية مدمرة... وإلا، إنهيار تحالف الحرب على سورية، والتهيؤ لمشروع نهضوي يغير وجهة وبنية المنطقة عميقاً، يقوده أسد منتصر وسيد المقاومة... بالرغم من التيه وفوضى المشهد، عيناهما ترومان إلى فلسطين وما وراء فلسطين.
تيران وصنافير حربهم الأخيرة، أين دمشق؟.
2016-04-21

