2026-03-19 01:37 م

المدان الحقيقي في تسريبات بنما!

2016-04-06
بقلم: السيد شبل
مع كل حدث جديد تقع فرقعة ما، يختفي الجاني الحقيقي، ويظهر جناة آخرون يُراد التركيز عليهم، لصالح غرض بعينه، وهذا لا ينفي التهمة عن هؤلاء الأخيرين أبدًا، ولكن لمصلحة من يتم التعمية على المتهم الأصلي. بداية، بنما: هي مجرد دولة صغيرة المساحة، تقع على جزء من اليابسة الدقيقة التي تربط بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وتمر بها قناة بنما، شديدة الأهمية في التجارة العالمية.. الدولة كان يعيش بها سكانها الأصليون، قبل ان تبسط عليها مملكة أسبانيا سيطرتها، بعد أن وصلت إليها سفن بحارتها في عصر الاستكشاف في القرن السادس عشر. في القرن التاسع عشر، حصلت "بنما" على استقلالها، وكان من الطبيعي أن تكون جزءًا (انطلاقًا من مساحتها الجغرافية المحدودة 75 ألف كم2، وطبيعتها الدميغرافية) مجرد مقاطعة في كولومبيا، لكن "الولايات المتحدة الأمريكية" لم يرضها هذا الترتيب، ودفعت وحرضت نحو انفصالها عن كولومبيا في 1903.. ومن هذا التاريخ وهي تابعة سياسيًا لمنظومة السلطة الأمريكية. في مطلع القرن العشرين، وقعت بنما مع الحكومة الأمريكية، معاهدة فرضت بموجبها "أمريكا" سيادتها على قطاع من الأراضي الملاصقة لجانبي القناة، التي تم حفرها في الفترة ما بين 1904 إلى 1914. في السبعينات، وبعد سلسلة من المفاوضات ، توصلوا لاتفاقية يتم بموجبها نقل ملكية القناة من أمريكا إلى بنما، بحلول عام 1999، وبالفعل تم تنفيذ الاتفاقية.. لكن التخلي بقي ظاهريًا تمامًا، وبقيت "بنما" التي لا تملك جيشًا من الأصل وإنما شرطة محلية وبعض قطع البحرية البسيطة، تابعة تمامًا للسياسة الأمريكية وتدور في فلكها (ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا)، وتأتمر بأمرها. وعليه، فإذا أقررنا بأن سماح دولة ما، (لنفسها بأن تتحول أراضيها لمجموعة من شركات المحاماة والبنوك، التي يتأسس عبرها شركات وهمية، هي في حقيقتها مظلة لغسيل الأموال وإخفاءها والتهرب الضريبي وإعادة استخدامها من جديد في دول أخرى) أمر مدان وغير أخلاقي ومرفوض وضار بالمنظومة الاقتصادية، ككل.. أفلا تصبح حكومة تلك الدولة، التي تسبح بالرضا الأمريكي، وتدور في فلك منظومة الحكم "الأمريكية"، مدانة، ويصير ربّها الساكن في واشنطن مدان؟! لماذا لا ينتبه أحد عند إدانة "س" أو "ص" بتهمة غسيل الأموال والتهرب الضريبي، إلى منظومة الحكم التي سمحت له، بهذا من الأساس؟. ولكن، لحظة واحدة.. هل "بنما" التابعة لأمريكا، هي وحدها المتورطة في هذا الصنف من الأنشطة؟ الإجابة: لا فهناك، أيضًا، على سبيل المثال لا الحصر: - جزر العذراء البريطانية، وجزر كايمان (وجميع هذه الجزر، صغيرة المساحة، والشهيرة كمقصد سياحي، تقع في منطقة بحر الكاريبي، وتتبع التاج البريطاني مباشرة). - جبل طارق، وهي منطقة عند مضيق جبل طارق، جنوب شبه جزيرة أيبريا، وتتمتع بحكم ذاتي تابع للتاج البريطاني، وسكانها "مستوطنون" بريطانيون، منذ عصر الاستعمار، وتقع بشأنها خلافات مع أسبانيا!. الخلاصة: أن هذه المناطق الثلاث، صغيرة المساحة جدًا، وقليلة السكان، تتبع للحكومة البريطانية، هي أشهر المناطق في العالم، التي تسمح بتأسيس هذا الصنف من الشركات الوهمية، التي تقوم بغسيل الأموال.. وإلخ. فلماذا لا تدان بريطانيا، بسبب إقرارها، قوانين هشة، تسمح بوجود هذا الصنف من الشركات؟ ألا يعتبر هذا تسهيل أنشطة اقتصادية غير شريفة؟ ما حجم الاستفادة التي تعود على أمريكا وبريطانيا، جراء وجود هذه الأموال، في حسابات شركات، ضمن مناطق نفوذها؟ على الهامش.. بخصوص، تسريبات بنما الأخيرة: 1- ما نشر عن عائلة "مبارك" ليس بجديد، ومعورف أن الأخوين علاء وجمال، لهما باع طويل في تأسيس الشركات الوهمية، أهمها في جزر (كايمن والعذراء) التابعة للتاج البريطاني، أهمها شركة: بان وورلد للاستثمارات، وقد تم تأسيسها في 1996، وكانت تخرج إلى الشركة الأموال من داخل مصر، ثم تدور في حلقة من الشراكة مع شركات أخرى في قبرص، ثم تعود الأموال لتُستثمر في العديد من الأنشطة الداخلية، باعتبارها رأس مال أجنبي، مختلط المصادر، بل ويستفيد من الإعفاءات الضريبية.. ودخلت الأموال في شراكات واستثمارات مع أسمنت السويس، والبنك الوطني المصري، ومجموعة طلعت مصطفى القابضة، إيديتا للصناعات الغذائية، وشركة الوادي القابضة.. وهذا الكلام نشره جهاز الكسب غير المشروع، في وقت سابق، وتفاصيله جاءت في القضية المعروفة إعلاميًا باسم "التلاعب في البورصة". 2- في تشابك مع عائلة مبارك، هناك رجال أعمال آخرون، يصدرون أموالهم للخارج، ويعودون لاستثمارها، بعد تشابكات وشراكات اقتصادية، مستفيدين أيضًا من الإعفاء الضريبي على رأس المال الأجنبي، ومن التعمية التي تجري على عملية الاستثمار، أبرزهم بالطبع "حسين سالم"، الذي حاز نصيبًا من الشركات في ذات الجزر البريطانية، ودخل في شراكات هو وغيره من رجال أعمال "الحزب الوطني"، مع الأخوين مبارك.. فقد امتلك سالم حصة في شركة غاز شرق المتوسط (التي كانت مسئولة عن تصدير الغاز للكيان الصهيوني والأردن)، عن طريق شركة أخرى مسجلة في جزر العذراء المملوكة لشركة أخرى مسجلة في بنما. والشركة الأخيرة كانت تمتلك حصصا في العديد من الشركات مصرية عن طريق صندوق استثمار مسجل في جزر الكايمان، ويشارك "سالم" في هذا الصندوق الاستثماري، سلسال من الشركاء السري أبرزهم: أحمد عز، وجمال وعلاء مبارك من خلال صندوق آخر مسجل في ملاذ ضريبي آخر.. وهكذا!. يكفي هنا كملاحظة، الإشارة إلى أن جزر الكايمان (ذات الـ 260 كم2 !!) كانت تحتل المركز السادس في قائمة أكبر الدول المستثمرة في مصر ، برأس مال يقترب من