الإرهاب
من تفجير فندق الملك داوود إلى تفجيرات بروكسل
مقدمة
العنف الدموي سواء الذي يجري في البلدان العربية والإسلامية أو يضرب في بعض دول الغرب كما جرى في باريس وبروكسل ويتم نسبته للإسلام والمسلمين ليس حديث العهد بل يعود بجذوره إلى الإرهاب الصهيوني عندما فجر اليهود فندق الملك داوود في القدس 22/7/1946 ، وبالرغم من اختلاف أصول ودوافع الجماعات التي تمارس الإرهاب اليوم إلا أنه غير منقطع الصلة بالحركة الصهيونية ومخططاتها وبمخططات غريبة تحاك للشعوب العربية والإسلامية . إن نسبة الإرهاب للإسلام والمسلمين مبني على التفسير الظاهري والمُعلن دون الغوص في الأسباب والدوافع الحقيقية للظاهرة .
غيِّب الإرهاب في عالمنا العربي قضايا جوهرية كان يفترض أن يكون لها الأولوية كالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية وبناء الدولة الوطنية وحمايتها من التفكك ، كما غيب إرهاب الدول وخصوصا إرهاب دولة إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني وهو الإرهاب الأكثر خطورة وفتكا لأنه يهدد الوجود الوطني لشعب بكامله بالإضافة الى الجرائم المستمرة من خلال حالات العدوان المتكررة على قطاع غزة وعمليات الاستيطان وتدنيس المقدسات وقتل المواطنين في الضفة والقدس. نتج عن ذلك أن إسرائيل ركبت موجة محاربة الإرهاب لتتستر على إرهابها ولتخلط الأوراق لتوحِد ما بين الإرهاب الذي تتعرض له دول غربية والعنف المنتشر في سوريا والعراق واليمن وليبيا الخ من جانب ، وما يقوم به الفلسطينيون من أعمال مقاومة مشروعة ضد الاحتلال من جانب آخر.
لذا فإن ظاهرة (الإرهاب) تستدعي المزيد من البحث والدراسة لوضع ما يسمى تضليلا بظاهرة (الإرهاب الإسلامي) في سياقها الصحيح . الجماعات الإسلاموية التي تمارس الإرهاب لم تأخذ تفويضا ربانيا بالقيام بما تقوم به، كما أن المسلمين لم يفوضوها بذلك . أيضا هناك شكوك قوية بوقوف دول غربية وراء هذه الجماعات أو بعضها، كما أن إرهاب هذه الجماعات ليس الوحيد في المنطقة حيث تمارس الدول العظمى إرهابا أكبر واكثر خطورة من خلال استغلالها لثروات الدول الصغيرة والتدخل في شؤونها الداخلية ودعم الانظمة المستبدة.
المحور الأول
مقاربة مفهومية للإرهاب
الإرهاب الذي يُسقط ضحايا مدنيين مسالمين في مختلف أرجاء العالم ، لا يؤيده باستثناء ممارسوه والمؤمنون بنهجهم إلا قلة من الناس حتى من المسلمين انفسهم . ولذا فالمشكلة ليس أن نكون أو لا نكون مع الإرهاب ، نؤيد أو لا نؤيد محاربة الإرهاب ؟ بل في تعريف الإرهاب ، ومن هي الجهة التي تُحدد أن هذه الجماعة أو الدولة أو هذا السلوك العنيف أو ذاك إرهاب يجب محاربته ؟ .
مصطلح الإرهاب السياسي المتداول في اللغة العربية اليوم ترجمة لكلمة TERRORISM الانجليزية وهي مشتقة من اللغة اللاتينية حيث إن كلمة TERROR تعني الرعب والفزع أو الشخص الذي يبثهما في قلوب الآخرين. هذا المصطلح بهذا المعنى ظهر لأول مرة في فرنسا إبان الثورة الفرنسية (1789-1799) حيث تم إطلاقه على الأعمال التي قام بها الثوار اليعقوبيون بزعامة مكسمليان روبسبير ضد معارضي الثورة ، وتكرر استعماله لوصف الأعمال التي قامت بها الحركة الفوضوية Anarchism والعدمية Nihilism في أوروبا وروسيا تحديدا بدءا من منتصف القرن العشرين ، كما أطلق الثوار البلاشفة (الشيوعيون) في الثورة الروسية في أكتوبر 1917 صفة الإرهاب على الاعمال التي يقومون بها ضد المناشفة واعداء الثورة .
في جميع الحالات السابقة كانت كلمة إرهاب لا تحمل معنى سلبيا بل كانت وصفا لنسق من الحكم أو السلوك السياسي هدفه إرهاب أعداء الثورة ، أو إرهاب الشعب لأعدائه ، وبالتالي كان يحمل قيمة إيجابية. وفي هذا السياق نستحضر ورود مشتقات الكلمة في القرآن الكريمة كإحدى أدوات الحرب النفسية لمواجهة العدو . فجاء في سورة الانفال " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ " .
في بداية السبعينيات من القرن العشرين ظهرت موجة جديدة من أعمال العنف السياسي في أوروبا أيضا من طرف قوى ماركسية وثورية أوروبية ترفض النظام الرأسمالي ، فكانت جماعة ، الألوية الحمراء ، الجيش الأحمر ، العمل المباشر ، وبادر ماينهوف الخ . في تلك المرحلة تم توصيف هذه الأعمال بالإرهابية كما تم تجريمها رسميا . منذ ذلك التاريخ فقد الإرهاب مضامينه الثورية التي يؤيدها الشعب وأصبح أعمالا فردية أو لجماعات لا تمثل الشعب بل تمثل نهجا وأيديولوجيا قلة منعزلة عن الشعب .
نلاحظ مما سبق أنه حتى السبعينيات من القرن الماضي كان الإرهاب ظاهرة أوروبية المنشأ، ولم ينتقل للشرق الأوسط إلى بعد ظهور الحركة الصهيونية في فلسطين وممارستها للإرهاب بحق الشعب الفلسطيني . كانت الحركات الصهيونية في فلسطين إبان الانتداب البريطاني أول من أدخل الإرهاب إلى المنطقة العربية وإلى فلسطين على وجه الخصوص، وقد اطلقت بريطانيا نفسها على هذه الجماعات اليهودية صفة الجماعات الإرهابية عندما فجرت جماعة الإرجون اليهودية فندق الملك داوود في القدس 22/7/1946 وكان مقرا لحكومة الانتداب ، وقُتل نتيجة هذا العمل 91 شخصاً، 41 منهم فلسطينيين، و28 من الإنجليز و17 من اليهود و5 من جنسيات أخرى وأصيب 45 بجروح مختلفة الخطورة. وقد وزعت بريطانيا آنذاك منشورات تتضمن صورة مناحم بيجن زعيم حركة الإرجون– رئيس وزراء إسرائيل فيما بعد –كإرهابي مطلوب للعدالة ووضعت جائزة لمن يساعد على إلقاء القبض عليه .
اعتبرت دراسات أكاديمية وتقارير رسمية بريطانية أن تفجير فندق الملك داوود " أحد أكثر التفجيرات الإرهابية المميتة في القرن العشرين " . وعندما أقام اعضاء قدامى من منظمة الإرجون ويمينيون يهود وكان من بينهم بنيامين نتنياهو عام 2006 حفلا لإحياء ذكرى تفجير فندق الملك داوود علق السفير البريطاني في إسرائيل قائلاً: "لا نعتقد أنه من الصواب بأن يتم إحياء ذكرى عمل إرهابي أدى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا".وقد استمر الإرهاب الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية الشكل الوحيد للإرهاب في الشرق الأوسط ، يُضاف له إرهاب الدول الاستعمارية الأخرى .
مع ظهور الثورة الفلسطينية المعاصرة منتصف الستينيات ، وقيامها بحقها في مقاومة الاحتلال، حاولت إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية إلصاق تهمة الإرهاب بالمقاومة الفلسطينية من خلال إصدار قرار دولي لوصم الثورة الفلسطينية بالإرهاب – كما جرى عام 1972 إثر عملية ميونيخ الفدائية التي قامت بها جماعة أيلول الأسود الفلسطينية - ، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل ، بل تعاملت غالبية دول العالم مع الثورة الفلسطينية كحركة تحرر وطني وتمت دعوة الزعيم أبو عمار لإلقاء كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 في أوج ممارسة الثورة الفلسطينية لأعمالها الفدائية المسلحة ضد إسرائيل .
منذ بداية الربع الأخير من القرن الماضي ارتبط مصطلح الإرهاب بظهور موجة المد الأصولي الإسلامي والتي كان أبرز عناوينها آنذاك الثورة الافغانية 1978 ضد الاحتلال السوفييتي ، والثورة الإيرانية 1979 ضد حكم الشاه ، وتجديد نشاط الوهابية والسلفية الجهادية ، ثم توالدت الجماعات الدينية الجهادية بدءا من تنظيم القاعدة الذي تزعمه أسامة بن لادن ووجد في بداية تأسيسه دعم كبيرا من دول الخليج العربي ومن الغرب أيضا لأنه كان يحارب السوفييت في أفغانستان ، ومن تنظيم القاعدة تفرعت جماعات كثيرة بالإضافة إلى جماعات منفصلة عن القاعدة ، ثم ظهر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كأحد إفرازات ما يسمى الربيع العربي.
بالرغم من قِدم ظاهرة الإرهاب إلا أنه حتى الآن لم تتوافق دول العالم حول تعريف الإرهاب ، وفي الحالات القليلة التي توصلت بها لجان تابعة للأمم المتحدة إلى تعريفه كان التعريف مبهما وفضفاضا سرعان ما تفترق المواقف حوله عند محاولة إسقاطه على جماعة أو دولة ما . فكل دولة أو مجموعة دول تضع تعريفا إجرائيا ومؤقتا للإرهاب يخص جماعة أو دولة يتم اتهامها بالإرهاب انطلاقا من الخطر الذي يشكله سلوك هذه الجماعة أو الدولة (الإرهابية) على مصالح الدولة أو الدول التي تتعرض مصالحها للإرهاب ، وفي كثير من الحالات يتم تصنيف جماعة ما أو دولة ما كإرهابية أو داعمة للارهاب ثم يتم إسقاط هذه التهمة عنها لاحقا إذا أخذت العلاقة بين الطرفين منحى مختلف ، ولا يهم في هذه الحالة إذا استمرت الجهات الإرهابية بممارسة إرهابها ضد دول أو شعوب أخرى غير غربية .
لهذا السبب فشلت دول العالم في وضع استراتيجية مشتركة لمحاربة الإرهاب ، فالدولة أو الدول المُستهدفة بهذا النوع من العنف تسميه إرهابا وتحشد قواها لمحاربة الجماعة التي قامت بهذا العنف متجاهلة الجماعات الإرهابية الاخرى . فمثلا في سوريا وبالرغم من التوافق الشكلي بين دول العالم على تصنيف تنظيم الدولة الإسلامية بأنه تنظيم إرهابي إلا أن هناك اختلافا بين الدول حول تصنيف الجماعات الاخرى إن كانت إرهابية أم لا ؟ ولذا تم تكليف الأردن بوضع تصنيف لهذه الجماعات وتحديد مَن منها يندرج في قائمة الجماعات الإرهابية ، وقد واجه المؤتمر الذي تم عقده في الأردن في ديسمبر 2015 واجه صعوبة في تصنيف هذه الجماعات ، مثلا جماعة الإخوان المسلمين وحزب الله وجماعة النصرة الخ .
حتى في حالة التوافق على أن داعش تنظيم إرهابي يجب محاربته، فإن طريقة التعامل معه تختلف من دولة إلى اخرى، بل نجد دولا تتهم أخرى بانها تقف وراء ظهور تنظيم الدولة وتموله وتمده بالسلاح – هناك اتهامات لقطر وتركيا ودول غربية بانها كانت وراء تاسيس تنظيم داعش ومعنية باستمراره بالرغم من حدوث تفجيرات بأراضيها منسوبة لداعش – . والخطورة في النقاش والحراك الجاري اليوم حول الإرهاب أنه يتم تجاهل الإرهاب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.
إن كل شكل من أشكال العنف السياسي يمكن أن يتحول إلى عمل إرهابي أو يُصَنَف كإرهاب في حالة تجاوزه للقانون وللأعراف الدولية وللثقافة والقيم السائدة في المجتمع ، أو مس مصالح دولة أو مجموعة من الدول . كل عنف سياسي يتضمن درجة من الإرهاب ، ولكن المشكلة تكمن في تحميل بعض أشكال العنف المشروع صفة الإرهاب المُدان وبالتالي إسقاط الشرعية عن ممارسيه بغض النظر عن الأهداف والغايات التي يسعى إليها ممارسوا العنف ، وفي نفس الوقت تجاهل أعمال عنف دموي أكثر إرهابا تمارسه دول قوية ضد أخرى ضعيفة ، أو ضد شعوب خاضعة للاستعمار .
نظرا لأن العمليات (الإرهابية) تُسقط ضحايا قد يكونوا أبرياء وتثير مشاعر الخوف والرهبة عند الناس ، فإن الاتجاه الغالب هو التهرب من المسؤولية عن هذه الأعمال ، ومحاولة إلقاء التبعية على الآخرين، فالآخرون هم الإرهابيون والقتلة، وحتى في الحالات التي تلجأ فيها دولة أو جماعات إلى ممارسة هذا النوع من الإرهاب، فإنها تضفي عليه مسميات مثل الدفاع عن النفس أو الإرهاب ضد الإرهاب أو الإرهاب الأبيض أو محاربة الإرهاب ... الخ من المسميات . وهذا هو حال الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني ، وتمارسه أنظمة استبدادية كانت وما زالت تحتضنها واشنطن والغرب ،وتمارسه الدول الاستعمارية والكبرى ضد الشعوب وضد الانظمة المتخالفة معها سياسيا أو تهدد مصالحها.
يمكننا استخراج العناصر المكوِنة للعمل الإرهابي السياسي بصورة عامة وهي أنه :
1- عمل عنيف يُعرض أو يهدد بتعريض أرواح وممتلكات الأفراد للخطر.
2- يبث الرعب والهلع عند الجمهور .
3- لا يميز ما بين المدنيين الأبرياء والخصوم السياسيين ، حيث يقع ضحيته المدنيين الأبرياء.
4- يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية ،أو دفاعا عن معتقد ديني محل خلاف.
5- إذا استهدف أفراد أو مؤسسات ومصالح أو كليهما معا ، تابعين لدولة ما ، يسمى إرهاب دولي .
6- يقوم به أفراد أو جماعات أو دول خارج إطار القانون الوطني والدولي .
7- لا يعتمد هذا العنف أو ينطلق من أية شرعية إلا تلك التي يزعمها ممارسوه .
8- الاحتلال أشد حالات الإرهاب فتكا وهو جريمة ضد الإنسانية حيث يهدد الوجود الوطني لشعب بكامله .
إن كان الطابع المستفِز والاستعراضي للعمليات الإرهابية التي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية جعل من داعش اليوم عنوان الإرهاب في العالم ، إلا أن تنظيم داعش ليس الجهة الإرهابية الوحيدة في العالم ، بل إن إرهاب هذه الجماعة والجماعات الأخرى الشبيهة يتغذى ويستمد مبرره أحيانا من الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني ، وتدنيسها للأماكن المقدسة في فلسطين ، ومن التأييد السافر لواشنطن والغرب لإسرائيل ، هذا إن كانت كل العمليات الإرهابية من تنفيذ جماعات إسلامية بالفعل ، بالإضافة إلى تدخل الغرب في الشؤون الداخلية للعرب والمسلمين .
الغرب : ضحية الإرهاب أم صانعه ؟
إرهاب الدول الاستعمارية والتسلطية سابق على إرهاب الجماعات والأفراد ، بل يمكن القول إن هذا الأخير يستند جزئيا فيما يقوم به من اعمال على إرهاب الدول الغربية من خلال تدخلها في مصير شعوب المنطقة او دعمها لأنظمة استبدادية وفاسدة طوال عقود . من جهة اخرى وما يثير التساؤلات أن موجة الإرهاب العقائدي المعاصر الذي يضرب في أكثر من منطقة في العالم جاء بداية مع تنظيم القاعدة الذي تم تأسيسه وتمويله من طرف الغرب وتحديدا واشنطن لمحاربة السوفييت في أفغانستان نهاية السبعينيات ، ثم تطور وتعاظم شأنه مع طرح واشنطن لمشروعها حول الشرق الأوسط الجديد 2004 ودعوتها لسياسة (الفوضى الخلاقة) ، مما يدفع لربط الأمور مع بعضها البعض ، بل لا يمكن الفصل بين ما يسمى (الربيع العربي) والموجة الإرهابية اللاحقة التي ابتدأت في سوريا ثم تمددت للعراق وليبيا وسيناء ، فكأن هذه الجماعات وخصوصا (داعش) جاءت لتستكمل ما عجز عنه (الربيع العربي) من تفكيك الدولة الوطنية وزعزعة الاستقرار في المنطقة .
الخفي في السياسة بشكل عام وخصوصا في الشرق الأوسط قد يكون أكبر وأخطر من المُعلن ، وخصوصا إن تعلق الأمر بسياسات الدول الكبرى في المنطقة ، لأن السياسة تقوم على المصالح ، والمصالح متضاربة ولا تؤسَس دائما على الحق والأخلاق ، ولأنه في الشرق الأوسط يتداخل الدين مع السياسة مع الاقتصاد ، الماضي مع الحاضر ، الحقائق مع الأساطير ، والجهل والتخلف مع حداثة مشوهة... لذا فإن أي محلل سياسي لما يجري في المنطقة عليه ألا يعتمد على التقارير والتصريحات الرسمية المًعلنة فقط ، بل عليه تحليل الوقائع والأحداث واستحضار التاريخ وقراءة ما بين السطور والربط ما بين الأمور حتى وإن بدت بالنسبة للإنسان العادي غير مترابطة ؟ .
ودعونا نتساءل بموضوعية : هل كانت الأمور ستكون على هذه الحال من الدمار والخراب والعنف لو لم يتم التدخل الغربي لإسقاط صدام حسين والقذافي والأسد ومبارك وزين العابدين بن علي ، سواء من خلال التدخل العسكري المباشر أو من خلال فوضى الربيع العربي ؟ هل كانت الدولة الوطنية والمجتمع سيتفككان وتتفجر الصراعات الطائفية والإثنية لو لم تكن فوضى الربيع العربي ويتم إسقاط قادة وأنظمة هذه الدول ؟ وهل حقيقة أن تدخَّل الغرب في دول المنطقة تحت عنوان حماية ودعم (الربيع العربي) كان بهدف نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان أم لإيصال الأمور إلى ما وصلت إليه الآن من فوضى ؟ .
مع إدانتنا لجميع الأعمال الإرهابية ، فإن هذه الأعمال كانت متوقعة وهي إحدى نتائج وإفرازات (الربيع العربي) كجزء من صناعة الشرق الأوسط الجديد وسياسة (الفوضى الخلاقة) حسب الرؤية الامريكية ، وكنتيجة متوقعة للتدخل الغربي العسكري في الدول العربية وتحديدا في العراق وسوريا وليبيا ، وخصوصا بعد أن بدأت تظهر حقيقة التدخل الغربي في مجريات الثورات العربية وفي صناعة جماعات معارضة إسلاموية .
أسقط الغرب نظام صدام حسين واحتلت واشنطن العراق بشكل مباشر أو غير مباشر طوال ثلاثة عشر عاما ومع ذلك لم يتم لا استعادة وحدة العراق ولا بناء الديمقراطية بل تم إثارة الانقسام الطائفي بشكل ممنهج ومدروس ، وتدمير وإضعاف مؤسسات الدولة الجامعة للكل العراقي! ، وفي ليبيا تم إسقاط نظام القذافي الذي حافظ على وحدة الدولة الليبية ، بتدخل عسكري غربي مباشر ، ثم ترك الغرب الشعب الليبي يتخبط في الفوضى ! وحرض الغرب الشعب السوري على نظام الأسد تحت ذريعة أنه نظام دكتاتوري ، ثم دعموا ومولوا جماعات دينية متطرفة لا تؤمن بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان ، لتعيث خرابا وفسادا في سوريا .
ليس هذا دفاعا عن أنظمة استبدادية نعرف مساوئها وأخطائها ، كما لا نقلل من روح الثورة وإرادة التغيير عند الشباب الذين تحركوا بداية لتغيير أنظمة الحكم ونشدان الحرية والديمقراطية قبل أن تركب جماعات أخرى موجة الثورة . لكن الغرب لم يتدخل في هذه الدول من أجل نشر الديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ، ولم يسع لإسقاطها لأنها أنظمة تدعم الإرهاب . هذه الأنظمة لم تكن الوحيدة في المنطقة من حيث تغييب الديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان وكان من الممكن حل إشكال تعثر عملية الانتقال الديمقراطي بوسائل أخرى غير تدمير الدولة وتفتت الشعب وإثارة الحرب الأهلية ، كما اعترف مسئولون غربيون بعدم وجود علاقة بين الإرهاب وجماعاته من جهة وصدام حسين والحكام العرب الآخرين الذين تم إسقاطهم من جهة أخرى ، بل بالعودة لتاريخ هذه الأنظمة سنجدها الأكثر مواجهة للجماعات الدينية المتطرفة .
في مؤتمر حول المخابرات نظمته جامعة جورج واشنطن يوم 27/ 10/ 2015 تحدث كل من مدير المخابرات الفرنسية برنار باجوليه ومدير الاستخبارات المركزية الأمريكية جون برينان عما يجري في الشرق الأوسط وتوصلا لنتيجة أن الشرق الأوسط لن يعود كما كان ، وأن دولا ستتفكك ويتم إعادة بنائها من جديد . مدير المخابرات الفرنسية قال إن شرق أوسط جديد يتشكل ستكون حدوده "مختلفة عن تلك التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية " ، نفس الفكرة أكد عليها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قائلاً : إن "الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى وأشكُّ بأن يعود مجدداً ". أليست هذه الحصيلة والنتيجة هي جوهر مشروع الشرق الأوسط الجديد وسياسة الفوضى الخلاقة التي بشرت بها كونداليزا رايس منذ عام 2004 وقبل أن يبدأ ما أطلقت عليه واشنطن اسم (الربيع العربي) ؟ّ .
مَن أوصل الأمور في المنطقة لهذا المصير هو الغرب وسياساته . الجماعات الإرهابية المتطرفة - من تنظيم القاعدة إلى تنظيم دولة الخلافة - التي تدَمِر وتُخَرب الدول الوطنية ، هي صناعة غربية ، أو على الأقل يتم السكوت على تأسيسها وتسليحها وتمويلها من جهات استخباراتية غربية وعربية تابعة للغرب .
عندما يتم تفكيك الدولة الوطنية ومحاصرة وإضعاف القوى التحررية والديمقراطية ، وعندما يغيب مشروع قومي عربي وتتمدد مشاريع إقليمية ، كالتركي والإيراني والإسرائيلي ، على حساب المشروع القومي العربي ، وتُوغِل إسرائيل في إرهابها وعدوانها وتدنيسها للمقدسات دون رادع من دول الغرب التي تتدخل في كل مناطق العالم ما عدا إسرائيل ، فلا نستغرب أن يستقطب مشروع دولة الخلافة الخيالي المدجج بخطاب ديني سلفي جهادي وبمغريات مالية وبتسهيلات لوجستية ، آلاف الشباب السُنيين ، المُحبطين والمقهورين بالإضافة إلى المغامرين من كل الجنسيات والطبقات ، دون أي تفكير عقلاني من غالبية هؤلاء الشباب في أصول هذه الجماعة المتطرفة وارتباطاتها وعلاقاتها ومن يقف وراءها ؟ .
ليس تنظيم داعش لوحده من يمارس الإرهاب في العالم
كيف يمكن منع جماعة من أن تمارس الإرهاب باسم الإسلام أو الجهاد- حتى وإن كانت الممارسة والتوظيف خاطئين في المكان والزمان – بينما إسرائيل تحتل القدس وتدنس المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين ، وهو المكان الأكثر قدسية بعد مكة المكرمة ؟ كيف يمكن إقناع مليار ونصف مليار مسلم بعدم وجود ازدواجية في المعايير في سلوك الغرب ، حيث يحشد الغرب الجيوش لمحاربة جماعات إرهابية إسلامية هنا وهناك ، ويصمت على الاحتلال الصهيوني لفلسطين وممارسات الجيش الإسرائيلي التي تُوقِع يوميا القتلى والجرحى وتعتقل الآلاف من الفلسطينيين ؟ .
كيف لا يفكر سُنة العراق والسنة بشكل عام بالانتقام ممن كانوا سببا في إذلالهم من طرف الاحتلال الأمريكي في العراق وإذلال ميليشيات شيعية أذلت أهل السنة ؟ كيف لا يفكر مليون جندي وضابط -عدد افراد الجيش العراقي الذي تم حله من طرف الامريكي برايمر وأعوانه في العراق بعد احتلاله عام 2003 - لا يفكرون هم أو ذويهم بالإنتقام ممن كانوا سببا في أهانتهم وإذلهم ؟ كيف لا يفكر شخص أو جماعة بالانتقام ممن كانوا سببا في تحويل ما كان يُفترض أن يكون ربيعا عربيا إلى فوضى وحروب أهلية تثير الفتنة الطائفية وتفكك الاوطان ؟ .
ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية ليس حزبا كبقية الأحزاب ، إنه تركيبة معقدة من الغضب والحقد والفقر واليأس والتخلف ، وتوظيف كل ذلك من طرف أنظمة عربية وإقليمية وغربية وإسرائيل والتآمر الخارجي . وبالتالي يمكن تفكيكه او إضعافه ولكن يُصعب القضاء عليه ما دامت الأسباب المُنتِجة له قائمة .
الأمر بحاجة للبحث في أسباب الظاهرة المُسماة إرهاب وفي الحالة المُسماة تنظيم الدولة الإسلامية. كما يحتاج الأمر لوضع مقاييس أخلاقية وسياسية وقانونية لتعريف الإرهاب وتمييزه عن كفاح الشعوب من أجل حريتها واستقلالها. وكذا يحتاج الأمر أن يشمل تعريف الإرهاب حالات العدوان والتدخل الفج للدول الكبرى على شعوب المنطقة. والقانون الدولي والمنظمات الدولية بحاجة إلى وضع قواعد قانونية حول هذه الظواهر، بل وإعادة النظر في قواعد الحرب والعدوان كما هي مدونة في القانون الدولي الكلاسيكي حتى تناسب أشكال الحرب والعدوان غير المعلنة التي تمارسها الدول المهيمنة ضد الشعوب المستضعفة.
ربما كانت مصادفة أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 جاءت في أوج انتفاضة الأقصى التي أثارت العالم على إسرائيل ووضعتها أمام أزمة وجود حقيقية ، وتفجيرات باريس في نوفمبر 2015 جاءت في ظل الانتفاضة الثالثة وتزايد المواقف الدولية والأوروبية خصوصا المؤيدة للفلسطينيين والمنددة بالسلوك الإسرائيلي ؟ وتفجيرات بروكسل يوم 23 متارس 2016 جاءت متزامنة مع تفاقم أزمة اللاجئين في اوروبا والخوف من تداعياتها ، وفي خضم مباحثات حول حل الأزمة السورية ، ومتزامنة مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية وعجز إسرائيل عن وقفها بعد مرور ستة اشهر . ولكن من المهم التفكير بما قاله وزير الدفاع الفرنسي قبل أيام من تفجيرات باريس بأن الشرق الأوسط لن يعود كما كان ! ، فهل ستوظف أوروبا هذه التفجيرات لإعادة ترتيب الشرق الأوسط كما عملت واشنطن بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 ؟. ليس هذا هوس نظرية المؤامرة ولكن هذه هي السياسة في الشرق الأوسط وفي السلوك الصهيوني على وجه الخصوص .
الإرهاب من تفجيرات فندق الملك داوود إلى تفجيرات بروكسل
2016-04-01
بقلم: الدكتور إبراهيم أبراش
آراء ومقالات
-
عمرو حمزاوي
2026-03-17حرب إيران وأوضاع الأراضي الفلسطينية المحتلة
-
نادية حرحش
2026-03-10حين يسقط معيار العدل
-
عريب الرنتاوي
2026-03-10إيران إن صمدت...خاتمة الحروب لا "أم المعارك"
-
كمال ميرزا
2026-03-05لماذا أمريكا هي الشيطان الأكبر؟!
-
فؤاد البطاينة
2026-03-05هذه طبيعة الحرب على إيران.. ماذا عن أهدافها ونتائجها
-
عريب الرنتاوي
2026-03-01محور نتنياهو السداسي في مواجهة "محوريّ الشر"
-
سميرة بيطام
2026-03-01نحو مزيد من الهرج والمرج والمضحون بغزة في مساءلة للتاريخ

