2026-03-20 12:42 ص

المفاجأة الروسية بسحب القوات...سيناريو من خارج الصندوق

2016-03-16
بقلم: إيهاب شوقي
لا يشك عاقل ان جميع التحليلات الخاصة بالمفاجأة الروسية بالبدء في سحب القوات من الاراضي السورية لا تعدو كونها تكهنات او قراءات لان من يدعي انه مطلع على اسرار القوى الكبرى -الا ما يرشح عنها من تسريبات متعمدة –فهو افاق او على الاقل كاذب. وبالتالي فإن القراءات يغلب عليها النظرة الشخصية للامور ويعتمد ذلك على مدى اطلاع الاشخاص وقربهم من الملفات اضافة بكل تأكيد الى الخبرة والمهارة التحليلية وغيرها من التفاوتات الشخصية. كانت هذه مقدمة لابد منها ونحن نرى تفاوتا تحليليا حول هذه الخطوة المفاجئة بين التفاؤل الذي وصل لسقف ان ما حدث بمثابة اعلان للنصر، وبين التشاؤم الذي وصل لسقف ان ما حدث هو خيانة روسية وطعنة في الظهر! ولهذا نرى انه من المهم ان تكون هناك وقفة تأملية بعيدا عن العاطفة لمحاولة ابراز سيناريوهات اخرى مختلفة قد تقترب من الصواب وقد تكون مفيدة في التحسب والحذر لمعسكر التفاؤل المفرط وايضا في كبح جماح غضب معسكر التشاؤم المفرط. بداية هي مفاجأة بكل المقاييس ومصدر اكتسابها لهذه الصفة "المفاجأة" هو عدم وجود اي شواهد او مقدمات لهذه الخطوة الكبيرة ولاسيما ان هناك مجرد هدنة وتوصف ليلا نهارا بأنها "هشة" وهناك تهديدات معلنة _بصرف النظر عن جديتها وامكانية تحققها- بغزو بري او تلويح بخطة بديلة "ب" وخلافه، مما يعني ان استمرار وجود القوات لا يشكل ضغطا سياسيا او احراجا لروسيا لان عوامل التواجد المعلنة لم تنتفي بعد. ومصدر المفاجأة ايضا هو ان هناك مفاوضات صعبة وتشهد خلافات جذرية تهدد بانفجارها في اي لحظة بل ومن جلستها الاولى والف باء في عالم السياسة - والتي تتقنها روسيا اكثر من غيرها- يقول ان التوازنات على الارض هي التي تقود المفاوضات وتحدد اتجاهاتها ونتائجها. ويصعب على العقل ولا سيما المتابع ان يصدق ما يقال حول ان روسيا اطمأنت وانها تركت المجال للحل السياسي والمفاوضات بعد تحقيق عامل الانتصار على الارض، لان خطوة الانسحاب ستفتح شهية المتفاوضين المعارضين لتقطيع الاوصال السورية وابتزاز النظام والاستهانة بنتائج فشل المفاوضات لوجود افق وبحبوحة على الارض لموجة جديدة من الاستنزاف العسكري. كما يصعب ايضا القبول بان الانسحاب شكلي وان التنسيق والعمليات على الارض ستظل كما هي وان ماحدث بمثابة خدعة لتحقيق مكسب سياسي بابراز ان روسيا لاتعيق التفاوض ولا تبتزه بقواتها على الارض، وذلك ببساطة بسبب وجود استخباراتي معادي واسع على الارض ناهيك عن حالة التربص الاعلامي. وقبل الخوض في اي محاولة للتحليل والقراءة ينبغي فقط ذكر عدة حقائق: اولها ان التدخل الروسي قائم بالاساس على حفظ مصالح روسيا بالمنطقة وانه ليس تحالفا ايدلوجيا بكل تأكيد على نمط تحالفات القرن الماضي وان ذلك لايقلل من التقدير العربي ولاسيما معسكر المقاومة للدور الروسي وللرئيس بوتين تحديدا بجرأته وحنكته التي تجعل الجرأة محسوبة والمبادرة الاستراتيجية ناجحة. ثانيها ان التدخل مهما كانت مبدئيته فانه محاط بضغوط وتوازنات ومخاطر واهمها توازنات بوتن الداخلية والرأي العام الروسي مما يجعل هناك تفاوتا في الاسقف بين حفظ المصالح الروسية وبقاء الرئيس بشار الاسد، ولن تتحكم هنا الجوانب الاخلاقية او الشخصية في المعادلة ولا سيما في وجود مناخ عبثي بدت فيه الشخصنة محركا سياسيا والبغض الشخصي والخداع الطائفي وقودا للحرب وهو ما لن يتفهمه الرأي العام الروسي ولا سيما ان بدت هناك تأثيرات سلبية داخلية بسببه. ثالثا ونراه من اهم العوامل، هو ان التحرك الروسي بدا معتمدا على السياسة والقانون الدولي منذ البداية وحرص على ان يكون رصينا مهما بلغت جرأته وقوته، واعتمدت قوة التحرك على حرفيته السياسية وحرصه على المشروعية وعدم خرق القانون الدولي وبدا ذلك في عدة اجراءات كالحرص على ان يكون التدخل بطلب من النظام السوري كما بدا ايضا حريصا على الظهور بمظهر عدم الانحياز لشخص الرئيس وانما محاربا للارهاب ومنفتحا على المعارضة وساعيا للتسوية، وبالتالي فانه تدخلا سياسيا –يبدو من النوع الخشن- ولكنه يظل سياسيا، وبالتالي فانه يعتمد على اوراق السياسة وبالتالي بعد بدء المفاوضات الأممية ورشوح الشخصنة على العلن عبر تصريحات من النظام والمعارضة بدا الموقف الروسي وان استمراره يفقده مصداقيته واوراق قوته وهو ما يفسر الخلافات المعلنة حول التصريحات الخاصة بالفيدرالية وطبيعة المرحلة الانتقالية والتي بدا الروس فيها اقرب للحل السياسي عن الدعم المباشر للرئيس وبدا فيها النظام مصرا على النصر الكامل عن التسوية بشكل سياسي. ولعل اكثر ما افقد روسيا اوراق قوتها السياسية هو الغباء العربي وخيانة الانظمة العربية التي اضعفت الموقف الروسي ووصفت حلفائه على الارض "ايران وحوب الله" بالارهاب عبر قرارات رسمية، فكيف يواجه بوتن العالم وشعبه بانه يحارب الارهاب بحلف من الارهابيين رسميا وفقا للعرب! ولا سيما وان الشارع العربي خذل ايضا المقاومة بتجاهله لهذه المهانة واكتفائه ببيانات حزبية او تضامن شكلي عبر مواقع التواصل الاجتماعي ولم يحدث بالشارع العربي من الزخم ما يضغط على الانظمة لعدم التمادي في العهر السياسي والخضوع المهين لصهاينة العرب في الخليج من جهة وما يحفظ لبوتن مشروعية استمراره بشكل راديكالي من جهة اخرى. لا شك وان تزامن طلبات اوباما العلنية بتسوية النزاع السعودي الايراني وبتقاسم النفوذ وما صاحبه من هذا الانسحاب المفاجئ وما يحدث من انفتاح مصري على حماس بالتزامن مع تصريحات مشعل بالتبرؤ من ايران وما حدث من قرارات بشأن حزب الله وما يحدث في ليبيا وافريقيا وزيارة تركيا لايران الاخيرة، والانفتاح الصهيوني على الخليج والعربان بشكل علني، لا شك ان هذا التزامن يشي بتسويات جديدة وصفقة ربما اجبر عليها الجميع بديلا عن حرب عالمية حتمية. كما يقول الكاتب والخبير الاستراتيجي الكبير احمد عز الدين ان الاستراتيجية الامريكية في المنطقة في مرحلتها الثالثة والتي تتسم بالمزج بين الحرب على الدول والحرب داخل الدول في آن واحد، وصلت بالجميع لمسار حتمي الى الحرب-وهو سيناريو لايزال قائما- ولكن يبدو ان هناك استبدال لذلك بتسوية مقابلة. فلا نرى بديلا لهذه الحرب الا بمزج بين تسوية على الدول وتسوية داخل الدول، واستبدال التقسيم بالتقاسم. بلفظ اخر استبدال نمط "سايكس بيكو" باعادة رسم الحدود ونمط "يالطا" بتقسيم داخل الدول، بنمط سياسي يجنح لتقاسم النفوذ عبر تقسيم الدول فيدراليا. لايبدو ان تصريح المندوب الروسي بالحل الفيدرالي كان منفلتا، فلا يوجد في القاموس الروسي هذه الاشياء! ويبدو انه كان موقفا معلنا بشكل غير مباشر يوشي بان هذا الحل مقبولا من روسيا اذا انتهت اليه التسويات وكان موجها للغرب ولاعداء النظام السوري اكثر من اي طرف اخر، ويبدو انه محورا خلافيا ويبدو القرار الروسي الاخير متعلقا به لا لفرضه وانما لجعله على الاقل بندا تفاوضيا. ولو تخيلنا سيناريو للتسوية فاننا يمكن ان نقسم بهذا السيناريو الدول الى درجات: دول كبرى من الدرجة الاولى "امريكا وروسيا" دول تقاسم النفوذ الاقليمي من الدرجة الثانية "السعودية وايران" دول من الدرجة الثالثة تكون تابعة ومقسمة بين دول الدرجة الاولى والثانية، مثل مصر (بكل اسف وحسرة) حيث لا مانع من تقسيمها بين روسيا والسعودية، وسوريا بين روسيا وايران، وربما السعودية في حالة جعلها فيدرالية والعراق بين امريكا وايران ...وهكذا. وهناك دول قد تختفي وتصبح ظلالا مثل لبنان وليبيا . وهناك دول قد تخرج بالفتات ولا تصبح لاعبا اقليميا مؤثرا زانا تأخذ ما يمكن ان نسميه "البقشيش السياسي" كتركيا اردوغان ودول الاتحاد الاوربي. هذا السيناريو المفترض يكتسب وجاهة لو نظرنا لما يمكن ان يحدث لو لم ينفذ من حرب طاحنة وكثرة للشركاء وبالتالي ثمن باهظ لمكافأتهم اما هذا السيناريو يجعل نصيب الاسد لامريكا وروسيا فقط دون كلفة غير مضمونة العواقب ويرضي الاطراف ذات الحقد الاعمى ويرضي ايضا الاطراف التي ارتضت بالتبعية وفرطت في الريادة. ولكن هل هناك اتفاق وهل سيرضى بذلك محور المقاومة ويستسلم له؟ قد يكون سيناريو متشائم ولكن وجب ذكره لاشعال عصف ذهني واعداد العدة لمواجهته ان ثبتت صحته.