بقلم: نارام سرجون
الملاحظة هي مفتاح الحقائق .. كل الحقائق تبدأ رحلتها من ملاحظة عابرة .. ثم سؤال ومحاولة تفسير .. ثم رسوّ على ميناء الجواب .. وجلاء حقيقة كبرى كانت صامتة ..
في بداية المؤامرة على سورية كنا جميعا نجلس مسمّرين أمام جهاز التلفزيون ونتابع حائرين - وأحيانا كثيرة عاجزين - عن فهم سلوك الناس الذين خرجوا الى الشوارع في هستيريا تبحث عن الثورة بسبب تحريض من الجزيرة وكل غرف الاعلام السوداء ورفض مذهل للاستماع للعقل والتحذيرات من مؤامرة .. ولكن الملاحظة الهادئة والمراقبة البعيدة عن الانفعال أوصلتنا الى ملاحظة أن المظاهرات دينية وتنطلق كلها من المساجد وتحديدا في الأرياف بعيدا عن المدن ولها طهم مذهبي ونكهة وهابية .. وبمتابعة الملاحظة وجدنا أن هذه هي الأرياف التي انتشرت فيها الدعوى الوهابية والسلفية الاخوانية .. وكثير منها كانت في أماكن نشاط السكان ذوي الأصول التركمانية الذين تواصلت معهم المخابرات التركية منذ أن دخل أردوغان بيتنا وثد أعطيناه الأمان والثقة .. وأحيت فيهم اليد المخابراتية التركية الحنين للعثمانية ..
ولذلك كانت هناك مظاهرات واضحة في تلك الأرياف والتي كانت أرقام المتظاهرين فيها تتجاوز بضع مئات أحيانا .. وهذا رقم متواضع جدا في بلد فيه 23 مليون نسمة .. الا أن بيانات الجزيرة وشهود العيان الكذابين كانت تضيف لأرقامها صفرين أو ثلاثة .. فأنا مرّت أمام عيني مظاهرة ضمت 200 شخص فقط لاغير وفي نفس اليوم صورتها الجزيرة عن قرب وأصرّت على أن المظاهرة ضمت أكثر من 3000 شخص .. وفي أسابيع اضافت الجزيرة ستة أصفار لأرقام المظاهرات وحولتها الى خبر يقول بأن ملايين السوريين يتظاهرون سلميا .. وكنا في أحسن التقديرات نعرف أن هناك بضعة آلاف من الاسلاميين في بعض القرى والبلدات الريفية التي تعرضت للفيروسات الدينية والغزو الوهابي عبر المساجد والوعاظ الذين كانوا يذهبون الى السعودية ويعودون محملين بالكراهية ومبشرين بالوهابية أو يوجهون الناس الى المحطات الفضائية الوهابية ..ولذلك كانت تقديراتنا ان هذه الحركة الاستعراضية قد تخدع البعض لكنها لاتزال محدودة وأن محاولة تضخيمها وتوريمها لن تغير الحقيقة الا مؤقتا لأن الحقيقة لايمكن أن تغيّب الى اللانهاية .. ولكن هذه الجموع الدينية الهائجة خطرة جدا لأنها مستثارة جدا لفكرة التغيير بالقوة وتواقة لحمل السلاح منذ الأيام الأولى لأن لها جذرا قادما من الجوامع في الأرياف الفقيرة وقد شربت الكراهية من منابع الوهابية ..
واليوم وبنفس طريقة الملاحظة نضع الثورة على الطاولة ونتأمل التغييرات الجسيمة التي طرأت عليها .. من خلال الصور فقط .. ولكننا نجد أن الدنيا تغيرت كثيرا وأن مياها كثيرة جرت وغيرت الصورة وأعادت الحقيقة ..
المدن السورية الكبرى التي بقيت منذ اندلاع الأحداث موالية للدولة لاتزال على حالها .. بل ان حالة الموالاة لبقاء الدولة ارتفعت بسبب انكشاف أن الثورة فعلا لم تكن ثورة بل حركة دينية متخلفة عنيفة قروسطية تريد نسخ الشكل الوهابي العنصري الاقصائي الجاهل أو تحويل سورية الى ولاية عثمانية ملحقة بحديقة الاميراطورية العثمانية الجديدة .. ولكن النظر الى صور الثورة التي تريد العودة الى الأيام الخوالي والمظاهرات وشوارع الثورة التي كانت مكتظة بالآلاف غابت اليوم في جمعة الثورة مستمرة التي حاولت اطلاقها غرف الرياض الاعلامية .. ومن يتأمل الفوارق بين الصور القديمة والحديثة يلاحظ كيف فرغت الصور الحديثة من الحشود وفرغت الساحات ويدرك على الفور أن الثورة لم تعد مستمرة .. وأن جمهورها هجرها .. الكاميرا اليوم عاجزة عن ملء العدسة في كل صورة .. ولذلك تقوم بتقريبها من الجمع للايحاء أن الثوار كثر الا أن التقاط الصور عن مسافة أمتار تكشف الحقيقة ..
والحقيقة التي في الصورة تشير بوضوح الى أن مابقي من الثورة هو ثمالة الثورة .. فالقلة القليلة لاتزال في دنيا الثورة ومزاجها ..و الكثيرون قرروا الهجرة وانهاء الثورة والتخلي عن الحلم الوهابي والعثماني .. والكثيرون منهم عادوا وتابوا .. وكثيرون تشردوا وفضلوا النأي بالنفس .. وكثيرون طبعا فقدوا حياتهم وهم يندفعون في موجات بشرية انتحارية من أجل السيطرة على حي أو مدينة من أجل أن يفاوض أردوغان وسلمان عبر انتصاراتهم الحكومة السورية ويفرضان هذا أو ذاك .. هذا الجمهور الساذج المندفع دينيا وعاطفيا دفع ثمنا باهظا ثمن مغامرة أردوغان العثمانية والوهابية السعودية .. دغعه دما وشتاتا ودمارا عمرانيا وعائليا واجتماعيا .. وطلع جيل من المعاقين جسديا ونفسيا .. وعلى هذا الجمهور الذي أصرّ على عدم الاصغاء لصوت العقل والوطن أن يقول اليوم اذا مارأى مصير الثورة ومجتمعها في هذه الصور أن يقول: هذا ماجناه عليّ أردوغان .. وسلمان ..
تبدو صور اليوم في جمعة (الثورة مستمرة) - التي تنشرها المواقع الثورجية - من أجل غاية واحدة فقط هي رفع أعلام ملونة ليس فيها علم للنصرة وداعش وذلك للتغطية على جوهر الثورة الديني الاسلامي الذي طغى وتجبر ووجد أن تمثيلية الأعلام الملونة وشعارات الحرية لم تعد مهمة .. فالثورة دينية شاء من شاء وابى من أبى طالما ان اميريكا وقعت الصك والعقد مع أردوغان على تسليم السلطة للاسلاميين .. أعلام اليوم التي عادت ملونة لذر الرماد في العيون هي للايحاء أن الثوار ليسوا من جبهة النصرة كما يرى قرار مجلس الأمن .. وعسى روسيا والعالم يصدقون أن الثورة مدنية وليست اسلامية ارهابية عنيفة جهادية وهي ترفع أعلاما خضراء ملونة وليس رايات سوداء تكفيرية طغت على المشهد من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب ..
ولكن هل ينفع لون العلم المزركش بالألوان لتغطية الدم اذا كانت الثورة مغمسة بدم الضحايا وتتدلى الذبائح من حول خصرها؟؟ .. وماذا ينفعها وقد رآها العالم تأكل القلوب وتقطع الرؤوس وتعرض النساء في أقفاص الحيوانات ولايدينها الثوار بل يكبرون لها ويباركون؟؟ وكيف تنفعها أعلامها فيما ممثلو المعارضة لايزالون مصرّين على أن يكون وفد الرياض هو فقط من يمثلهم .. والعالم يعرف أن وفد الرياض تدفع له الرياض وتطعمه الرياض .. وتكسوه الرياض .. وتسقيه الرياض .. وتؤويه الرياض .. وهو يرضع من ثدي الرياض .. فهل من يرضع من ثدي الرياض سينجب غيفارا وكاسترو ومارتن لوثر كينغ ومانديلا ولينين وخميني وناصر ..؟؟ من يرضع من حليب الرياض سينجب معاقين ذهنيا ونفسيا مثل السديس والعريفي والعبيكان وبن عثيمين والوهابية ووو ...
هل من يرضع حليب الأتان سيكون شبلا وله ملامح الليث أو ملامح الغزال؟؟ لن ترضع الأتان الا ولدها الذي يشبهها ويحمل صفاتها .. ولن تجري في عروق ابنها دماء الليوث بل دماء الدواب التي تجرّ العربات ولاتعرف الا معنى العبودية ..
الصورة أبلغ دليل .. الثورة في الحقيقة مستمرة .. مستمرة في الكذب على نفسها فقط .. وعلاوة على ذلك فان الصورة تسأل كل من يتأملها: ماذا بقي من الثورة الا البقايا؟؟ ..
أتمنى ممن لايزالون ينتظرون أن لاتخدعهم الوعود وتغيير الموازين .. الموازين تغيرت الى الأبد .. ومايسمى ثورة .. ترونه في الصورة .. ثمالة الثورة .. ان وجدتم شيئا يستحق النظر في الثمالة ..
أهل الثورة في الصورة يقولون في تنافص حشودهم وينطقون دون لبس: هذا ماجنته علينا استانبول .. والرياض .. هذا ماجناه علينا أردوغان .. وسلمان ..

