2026-03-19 04:47 م

ما الذي يخبئه آل سعود الى لبنان؟؟؟

2016-02-24
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
لا يحتاج الانسان العادي مثلنا والمتابع لما يجري على الساحة العربية أن يستخلص أن السعودية ومن خلال العائلة الحاكمة لعبت أدورا تخريبية في الخفاء كما في العلن في الوطن العربي والاقليم بشكل عام من خلال ادواتها من النخب السياسية والفكرية والإعلامية التي تلاقت مصالحها مع مصالح آل سعود، أو أولئك ممن ارتضوا ان يكونوا عبيدا من اجل حفنة من الدولارات. ومن يقرأ تاريخ المنطقة يرى ان السياسة الخارجية لآل سعود بنيت على ركيزة أساسية وهي استخدام الثراء الفاحش كعائلة ومليارات الدولارات من العوائد النفطية للبلد في شراء الذمم لبسط سيطرتها السياسية ونفوذها على الدوائر التي تدور في فلكها. وهذا لا يقتصر على المنطقة كما قد يفكر البعض بل يتعداها الى دول إسلامية وغربية أيضا. فقد أقدم على سبيل المثال الملك السعودي عبدالله السابق على دفع 861 الف دولار امريكي لرئيس الوزراء الماليزي نجيب رزاك كدفعة لدعم حملته الانتخابية عام 2013 وذلك في محاولة لمنع وصول تيار الاخوان المسلمين من تكوين اغلبية برلمانية في ماليزيا. وهو ما تسبب في فضيحة كبرى تناولتها الصحف الغربية والأمريكية على وجه التحديد. ومن الضروري ان نؤكد ان الدور الإقليمي والدولي التي لعبته وتلعبه السعودية كدولة يعتمد فقط على عاملين أساسيين وهما أولا: وجود البترول على أراضيها وهو ما أدى الى طفرة في احتياطاتها المالية التي بلغت ما يقرب من 700 مليار دولار قبل الانخفاض الحاد في اسعار النفط العالمية والتي لعب فيها آل سعود دورا رئيسيا وذلك بالتخطيط مع الإدارة الامريكية لضرب الاقتصاد الروسي والإيراني. أما العامل الثاني فهو وجود الأماكن الدينية المقدسة لجميع مسلمي العالم الذي يئم الملايين منهم كل عام لأداء فريضة الحج مما وضع السعودية في موقع مميز بين الدول الإسلامية وقامت السعودية ببناء المساجد والمدارس الدينية في العديد من الدول الإسلامية والتي من خلالها تم نشر الفكر الوهابي الذي يتبنه آل سعود منذ نشأة مملكتهم التي قامت على الدم وإخضاع القبائل في شبه الجزيرة العربية لهم بالتعاون مع الحركة الوهابية. ومن هنا فان التدخل في شؤون لبنان كدولة من دول المنطقة لم يكن استثنائيا والجميع يعلم علم اليقين ان الرئاسة في لبنان كانت مرهونة وما زالت بفعل توازنات إقليمية تلعب فيها السعودية دورا هاما ولكنه للأسف دورا تخريبيا فالسياسية التي تتبعها وخاصة بعد الازمة السورية قائمة على تأجيج الفتن الطائفية والمذهبية الى جانب دعمها للبؤر والمجموعات الإرهابية حتى قبل الازمة السورية، كما بينت الاحداث والاشتباكات الدامية في نهر البارد عام 2012 وتواجد مجموعات إرهابية مدعومة من المخابرات السعودية. هذا بالإضافة الى عملية تدريب وتسليح عناصر تنتمي الى حركة المستقبل وقوى 14 من آذار للقيام بعمليات داخل بيروت تؤدي الى الاشتباك مع عناصر من حزب الله، وكذلك دعم الشيخ الأسير في طرابلس والمسلحين من مجموعته الارهابية التي عاثت فسادا ورعبا وخلقت مربعها الأمني الخاص بها وقامت بتحدي الجيش اللبناني واهانة عناصره مما اضطره ان يأخذ بزمام الأمور دون انتظار القرار السياسي الذي لم يأتي. هذا بعض من كم من التدخلات السعودية في لبنان. ونأتي الى قضية تسليح الجيش اللبناني والمنحة أو "المكرمة الملكية" التي تقدم بها الملك السعودي الراحل الملك عبدالله وذلك في عام 2013 وقيمتها 3 مليارات دولار والتي بموجبها تقوم فرنسا بتسليح الجيش اللبناني بالأسلحة التي تتيح له الفرصة للدفاع عن الأراضي اللبنانية ضد الارهاب. لا نريد هنا إعادة ما كنا قد كتبناه سابقا في هذا الموضوع حين اعيد التفاوض مع الحكومة الفرنسية قبل فترة والشروط التي وضعتها السعودية لتسليم الأسلحة الى الجيش اللبناني. ما يهمنا هنا هو مناقشة لماذا قامت السعودية مؤخرا بسحب "المكرمة الملكية" وخاصة وان المفاوضات والمباحثات كانت قائمة بين السعودية وفرنسا لتغيير بنود الاتفاقية فلقد تم التوقيع على اتفاقية جديدة التي بموجبها تتعهد فرنسا بوضع شرائح اليكترونية في العتاد الحربي المقدم والتي يمكن للمخابرات الفرنسية العسكرية من معرفة موقع كل قطعة لضمان عدم وقوعها في ايدي حزب الله. صفقة السلاح من الأساس كانت لتمكين الجيش اللبناني للوقوف ضد حزب الله واجيزت الصفقة نتيجة الجواب على سؤال طرحه الملك عبدالله على وفد لبناني جاء الى الرياض للاجتماع بالملك وكان سعد الحريري حاضرا الاجتماع. والسؤال كان لماذا لا يقضي الجيش اللبناني على حزب الله؟ عندها تبرع الحريري بالقول يا طويل العمر ان الجيش لا يمتلك الإمكانيات التسليحية لذلك. بعد هذا الاجتماع جاءت المكرمة الملكية، بمعنى ان آل سعود كانوا يريدون ان يقحموا الجيش اللبناني كأداة من ادواتهم الطائفية والمذهبية في الصراع الذي ارادوه للبنان بالتعاون مع الاذناب في لبنان. ولكن الجيش اللبناني كمؤسسة وطنية ضامنة للسلام الأهلي بالإضافة الى السياسة الحكيمة والمسؤولة والملتزمة بالوطن اللبناني الجامع للقيادة في حزب الله اللبناني أفشلت هذا المخطط الجهنمي على الرغم من كل الاستفزازات ومسلسل الاغتيالات والتفجيرات وخاصة في طرابلس والضاحية الجنوبية التي قام بها عملاء السعودية في لبنان والمجموعات الإرهابية المدعومة من قبلهم. وللتذكير فقط ألم يهدد امير الارهاب بندر بن سلطان وللتذكير فقط ألم يهدد امير الارهاب بندر بن سلطان بحرق واشعال لبنان وإغراقها بحرب مذهبية اذا ما تعرض مقاتلي حزب الله والجيش السوري لجيش الإسلام في منطقة القلمون الذي كان يرأسه زهران علوش اليد الطولى للمخابرات السعودية والذي تم قتله مؤخرا في سوريا. الجيش اللبناني لم يكتفي بعدم الانجرار الى ما كان يسعى له آل سعود بل قام بالتصدي للإرهابيين في طرابلس وأنهى المربع الأمني الذي فرضه الشيخ الأسير الممول سعوديا والذي وفرت له بعض القيادات في 14 آذار الحاضنة السياسية والاجتماعية طيلة فترة تواجده في طرابلس وقبل هروبه مع ما تبقى من الإرهابيين الى ربما أحد المخيمات الفلسطينية في لبنان أو غادر البلاد. واليوم بات الجيش اللبناني مرابطا على الحدود الشمالية للبنان لمنع الإرهابيين في سوريا من التسلل الى داخل الأراضي اللبنانية، ويمنع أيضا تهريب السلاح من لبنان الى الإرهابيين الى الداخل السوري. بالإضافة الى ذلك ومع القوى الأمنية اللبنانية منع الى حد كبير محاولات المخابرات السعودية في تجنيد وتدريب الشباب السوري في هذه المخيمات وارسالهم لقتال الجيش السوري وأبناء جلدتهم. وكانت ان شكلت المناطق الحدودية مع سوريا معبرا رئيسيا للإرهابيين والأسلحة بكافة أنواعها الى الداخل السوري وهي المناطق التي كانت محرمة على الجيش اللبناني سابقا تحت الذرائع الطائفية والمذهبية. ولقد لعبت عرسال وجرودها في المنطقة الشمالية مرتعا وملاذا للإرهابيين وعائلاتهم وذلك تحت الغطاء السياسي لعملاء السعودية في الطبقة السياسية في لبنان. والجميع يجب أن يتذكر اختطاف الجنود اللبنانيين عندما انسحبت بعض العناصر الإرهابية من تلك المنطقة. هذا الدور الوطني والمسؤول للجيش اللبناني لم ولن يعجب آل سعود الذين كانوا يريدون الإبقاء على المنطقة الشمالية مفتوحة اما تهريب "المجاهدين" والأسلحة الى سوريا لقتال الجيش السوري وحلفاؤه، على أمل اسقاط النظام والدولة السورية خدمة للمخطط الصهيو-أمريكي في المنطقة. والواضح أيضا من طبيعة الأسلحة التي كان من المفترض تقديمها للجيش اللبناني من قبل فرنسا بانها لم تكن للتصدي للعربدة الإسرائيلية بين الحين والأخر ولا لتزويده بالأسلحة للدفاع عن الجنوب اللبناني في حالة عدوان جديد على لبنان فإسرائيل أصبحت الشريك الاستراتيجي لآل سعود علنا بعد ان كانت الأمور تجري من تحت الطاولة. فالبوصلة لم تعد موجهة للصراع مع العدو الصهيوني ( هذا لا يعني أنها كانت متواجدة أصلا) وانما مع إيران وحلف المقاومة وخاصة بعد توقيع الاتفاق النووي بين ايران والدول الست الكبرى. بعد كل هذا نستطيع ان نتفهم السبب الحقيقي من وراء الغاء الصفقة مع فرنسا وسحب "المكرمة الملكية". قد نتفق مع البعض الذي ذهب الى القول بان هنالك أسباب مالية وخاصة اذا ما أخذنا بعين الاعتبار الانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية الى جانب تكاليف العدوان الغاشم الذي تقوده السعودية على اليمن الحبيب، أو ان هنالك خلاف في العائلة المالكة السعودية والوارثين لأموال الملك عبدالله "الخاصة" ولكن هذ أسباب في تقديرنا المتواضع أسباب ثانوية وبسيطة. الموضوع ببساطة أن آل سعود وجدوا ان مشروعهم قد فشل في تحقيق الأهداف المرجوة منه كأي استثمار مالي فاشل، وكما ذكرنا في البداية ان آل سعود يسعون الى تحقيق مصالحهم عبر دفع الملايين والمليارات هنا وهناك. وفي لبنان لم ينجر الجيش اللبناني الى الحرب مع مقاتلي حزب الله ولم يتمكن عملاء السعودية من الطبقة السياسية اللبنانية من تحقيق المآرب والمصالح السعودية فلماذا يقوم آل سعود في دفع المليارات على مشروع فاشل؟ هذا ببساطة وبدون الدخول في فذلكات فكرية لا أول لها ولا آخر. وسحب المكرمة الملكية ربما يكون آخر أوراق الضغط التي أصبحت تملكه السعودية وخاصة مع الهزائم والصفعات التي تلقتها وتتلقاها في كل من سوريا واليمن والى حد ما في العراق. ولكن من الواضح ان تحميل حزب الله او وزارة الخارجية اللبنانية أو الحكومة اللبنانية المتهمة بالخروج على الاجماع العربي الرسمي ( بمعنى الخروج عن الطاعة العمياء للسعودية ومشاريعها ) لن يغير في المشهد السياسي شيئا ولن يغير في موازين القوى الفاعلة على الأرض اللبنانية والانتصارات التي حققها ويحققها محور المقاومة. ولكن ما يجب التنبه اليه والوقوف عنده كثيرا هو الخطوات التي ذهبت اليها كل من السعودية ومحميتها البحرين الى جانب الامارات التي تحاول ان تتماشى بالكامل مع آل سعود في المرحلة الحالية ربما لتتدرب على قيادة مجلس التعاون الخليجي في المستقبل بعد آفول هيبة وتأثير آل سعود في الخليج والمنطقة العربية. هذه الخطوات تتمثل في اعلان آل سعود ومحميتهم البحرين ودولة الإمارات بتوجيه تحذير الى "رعاياها" بعدم التوجه الى لبنان ومنعهم من السفر اليها حفظا على سلامتهم كما وجهت الدعوة لرعايا هذه الممالك والمشايخ الى رعاياها المتواجدين في لبنان بتركها ومغادرتها في أقرب فرصة ممكنة حفظا على امنهم. هذا الى جانب ان قامت الامارات بتخفيض طاقمها الدبلوماسي في سفارتها في بيروت. السؤال لماذا هذه الخطوات؟ هل هنالك نية مبيته الان الى اشعال الوضع في لبنان من خلال خلايا إرهابية نائمة أو تدخل عسكري في لبنان؟ ام هو تفاهم سعودي-إسرائيلي على شن حرب على الجنوب اللبناني؟ وهل سيتبع هذه الخطوة خطوات أخرى لمزيد من الضغط على لبنان مثل البدء بإنهاء العقود أو عدم تجديدها للقوى العاملة اللبنانية في منطقة الخليج العربي؟ أم ان آل سعود يريدون ان يأخذوا لبنان واستقراره رهينة بعد ان فشلت اوراقهم في معظم البؤر الساخنة في المنطقة؟ العديد من الأسئلة باتت تطرح لماذا الان؟ وما يحمله آل سعود او يخبئونه الى لبنان؟ وهل جاء الوقت لتفجير الساحة اللبنانية اسوة بغيرها من الساحات العربية؟ ومن المستفيد والمخطط الرئيسي؟ جميعها أسئلة مشروعة لا بد من التوقف عندها ومن المؤكد ان الأيام القادمة قد تحمل بعض الإجابات على بعض هذه الأسئلة.