2026-03-20 06:10 ص

تخلي واشنطن عن القاعدة مجرد وهم

2016-01-23
بقلم: أحمد قلعه جي 
مهما تشدق الساسة الأمريكيون بكلام معسول حول الجدية في محاربة الإرهاب الذي بات يختزل أمريكياً , بتنظيمي داعش وجبهة النصرة , على الأقل وفق القرارات الأممية , إلا أن السلوك في الواقع يخالف هذا الادعاء من حيث أنه يكشف ثبات الاستراتيجية الأمريكية وفق خطوطها العامة وأن تترك للسياسيين هامش المناورة اللفظية لا أكثر . عندما أقدمت السعودية على عقد مؤتمر الرياض للمعارضة السورية ودعت إليه قادة تنظيمات إرهابية وحصرته بأعضاء ما يدعى بالإئتلاف في حين استبعدت باقي أطياف المعارضة , حاولت الولايات المتحدة التنصل من التصرف السعودي الذي وصفته في وقتها بالمتسرع والمنفرد , فوفقاً للقرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن أنيطت مسألة تسمية الوفد المعارض بالمبعوث الأممي ستيفان ديمستورا بالتنسيق مع مجموعة العمل المنبثقة عن اجتماع فيينا الثاني . لكن الإنكار الأمريكي للتفرد السعودي سرعان ما تبدل تأييداً وتبنياً صريحاً للخطوة التي تلقى تأييداً أيضاً من جانب تركيا لاستبعادها الفصيل الكردي في المعارضة . قائمة الوفد التي أعلنت جماعة الرياض عنها تضمنت أسماءً مرتبطة بتنظيم القاعدة ارتباطاً عضوياً وسياسياً ورغم ذلك رفضت الولايات المتحدة حتى في السجال الدائر مع روسيا توسيع دائرة التمثيل في الوفد أو إشراك وفد آخر في اجتماع جنيف المقبل والذي ربما لن يحصل في ظل التعنت السعودي بضوء أخصر أمريكي . التشكيلة المعلن عنها تمثل الإئتلاف الذي يدعو تفتيت سورية كما تمثل فصائلاً مسلحة تقاتل ضد الدولة السورية , العميد المنشق أسعد عوض الزعبي رئيساً للوفد، ومحمد مصطفى علوش رئيس المكتب السياسي فيما يسمى جيش الإسلام كبيراً للمفاوضين، وعضوية كل من العقيد عبد الباسط طويل الذي يمثل الجبهة الشمالية والمقدم محمد العبود الذي يمثل الجبهة الشرقية . وإذا علمنا أن الإئتلاف كان قد تبنى عمليات جبهة النصرة واعتبرها فصيلاً سورياً أساسياً في الحرب ضد الدولة السورية , وجيش الإسلام الذي يقاتل في الغوطة الشرقية بالتنسيق مع جبهة النصرة ولمسؤول عن مجزرة مدينة عدرا العمالية واستهداف دمشق وغيرها بالقذائف والصواريخ والذي ينادي بإبادة مكونات الشعب السوري , وأن الطويل هو من قام بتسليم مستودعات الإسلحة التابعة للجيش الحر في معبر باب الهوى إلى جبهة النصرة , كما تخلى عن الهدية الأمريكية من صواريخ التاو إلى جبهة النصرة , عندها يمكن أن ندرك أن وراء التمسك الأمريكي بهذا الوفد هو اعتماد حقيقي على جبهة النصرة الفرع السوري لتنظيم القاعدة , وهذا يفسر الكثير من الأمور أهمها أن واشنطن ترى في تنظيم القاعدة حليفاً حقيقياً بمعزل عن كل المزاعم حول محاربته , وأن الهدف والقاسم المشترك هو إسقاط الدولة السورية لا المضي في عملية سياسية وفق القرارات الأممية أو وفق ما تم التوصل إليه مع الجانب الروسي . هذا يقودنا إلى ما قاله " باراك مندلسون " في مجلة السياسة الخارجية في العام 2015 تحت عنوان " قبول تنظيم القاعدة , عدو عدوي صديقي " من أنه " يجب أن يبقى تنظيم القاعدة واقفاً على قدميه وهذا أفضل لمصالح الولايات المتحدة نظراً للتهديدات التي يتعرض لها حلفاء الولايات المتحدة من إيران وسورية والدولة الإسلامية " . وإلى ما قاله " جيمس ستافريديس " الذي أشرف على الحملة على ليبيا في العام 2011 من أنه ناقش مسألة عقد تحالفات مع القاعدة وأنه " من غير المرجح أننا ذاهبون للعمل إلى جانب كوادر النصرة , ولكن حلفاؤنا يعملون معهم وهذا مقبول " وأيضاً لمادة نشرتها صحيفة " وول ستريت جورنال " في العام 2015 أيضاً تحت عنوان " لحلفاء الولايات المتحدة , تنظيم القاعدة في سورية يصبح أهون الشرين " ذكرت فيها أن بعض القادة العسكريين الأمريكيين يعتبرون التحالف مع القاعدة خيار شرعي " فإن جملة هذه المعطيات تدلل على أن واشنطن لم ولن تسعى للقضاء على تنظيم القاعدة , وإنما تعمل وفق استراتيجية عدو عدوي صديقي , وأن الهدف الأساسي هو إسقاط الدولة السورية ومساعدة القوى السلفية الإرهابية والمتطرفة على إحراز تقدم في الميدان وإلا فإن العملية السياسية هي المنفذ الذي يمكن من خلاله الزج بهؤلاء كسياسيين وأصحاب فكر ومعارضة معتدلة . ومع ضيق الوقت المتبقي لعقد الاجتماع يزداد الضغط الأمريكي السعودي التركي في الميدان , أو تضييقه , والتراخي في تنظيم قائمة التنظيمات الإرهابية , مع المحاولة الأمريكية للتمسك بتنظيمي أحرار الشام وجيش الإسلام ضمن المعادلة السعودية يبدو السجال الروسي الأمريكي حول المسائل العالقة فتيل تفجير للمؤتمر برمته وليس في أحد جزئياته التي أصبحت بمجملها عصية على الإصلاح , فاجتماع زيورخ في سويسرا لم يكشف عن أي تقدم في المسار , وعندما يلقي المبعوث الأممي ستيفان ديمستورا باللائمة في إحاطته المقدمة إلى مجلس الأمن في الثامن عشر من الشهر الحالي على السعودية بصورة غير مباشرة عن تعطيل التقدم في مسألة إنجاز قائمة مقبولة لوفد المعارضة تستدعي الولايات المتحدة أداتها القديمة , المبعوث الدولي السابق الأخضر الإبراهيمي ليبارك وفد الرياض ويلقي بمسؤولية عرقلة التقدم على " التعنت السوري – الروسي " الصياغة الأمريكية المقبولة هي فقط التي تحرف القرارين 2253 و 2254 عن مخرجاتهما وكسب الوقت بالتعطيل لأن ما يجري في الميدان لا يتطابق وحسابات واشنطن وحلفائها , فلا أوراق رابحة في الميدان يمكن صرفها ضغوطاً سياسية وشروط إذعان , وبالتالي ستتمسك الولايات المتحدة أكثر بجماعة الإئتلاف وبقادة تنظيمات ليست من جبهة النصرة لكنها من القاعدة أو مرتبطة بها , وبالتالي فإن الأمور ستراوح في مكانها بانتظار أن يقول الميدان كلمته , خاصة وأنه حتى مسألة توسعة وفد المعارضة ليشمل أسماء اقترحتها روسيا أو جعل المفاوضات ثلاثية بإشراك وفد آخر يمثل باقي المعارضة والمقترح روسياً أيضاً لن يغير في ماهية الوفد السعودي في حال تمسكت الولايات المتحدة بموقفها في تبني القائمة السعودية . ضبابية المشهد حول جنيف تبددها حقيقة الترابط الوثيق بين واشنطن والقاعدة على نحو لا يمكن إنكاره لا من حيث المواقف السياسية أو الدعم والمساعدات اللوجستية , الأمر الذي يطرح تساؤلاً أكبر , هل تملك الولايات المتحدة الأهلية القانونية والأخلاقية لرعاية مسار سياسي في أي مكان ؟ وإلى متى سيبقى أولئك الذين يتوهمون أن تغيراً في الاستراتيجية الأمريكية يمكن أن يحصل طوعاً ؟ .