في هذا الوقت، لجأت اسرائيل الى تصعيد خطير عندما اغتالت القائد العسكري لحركة حماس والمسؤول الاول عن كتائب عز الدين القسام أحمد الجعبري الذي كان في دائرة الخطر الجدي منذ سنوات طويلة، والمطلوب الاول لقوات الاحتلال، وأتبعت عملية الاغتيال غارات جوية للعديد من المواقع والاماكن على امتداد القطاع فسقط عشرات الشهداء والجرحى، في عملية حربية عدوانية مدروسة قد تتدحرج بعد أن فتحت عملية الاغتيال الابواب على المجهول.
اغتيال قائد كتائب القسام فتح الابواب واسعة على تطورات خطيرة قد لا تنحصر في ساحة القطاع وحدها، هذا العدوان له تداعياته وانعكاساته .. والفترة القريبة القادمة سوف تشكل امتحانا لصناع ما يسمى بـ "الربيع العربي" ،وايضا .. التداعيات ستكون في كل الاتجاهات، وتطال ميادين عديدة وسترسم تداعيات عملية الاغتيال مسار الاوضاع في الساحة الفلسطينية، وماذا سيكون عليه مصير المصالحة، وردود فعل الشارع في غزة والضفة.
العدوان الاسرائيلي .. الاسباب والدوافع!!
والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا أقدمت اسرائيل على هذا العدوان، واغتيال أحمد الجعبري الذي يعتبر من القيادات رفيعة المستوى في حركة حماس.. وهي الحركة التي تنتمي لجماعة الاخوان المسلمين التي ترى فيها الادارة الامريكية تيارا مناسبا لتولي السلطة على امتداد الوطن العربي، عبر كل الوسائل، وهو التيار المدعوم خليجيا ومن تركيا ايضا؟!
لقد وجدت القيادة الاسرائيلية بزعامة نتنياهو في ساحة قطاع غزة الاسهل والاضعف لتدفع ثمن توجهه الى الانتخابات وضمان الفوز فيها، فعشية كل انتخابات نيابية اسرائيلية تنفذ القيادة الاسرائيلية عدوانا على الساحة الفلسطينية، ويكون الدم الفلسطيني هو الثمن الذي تتسابق الاحزاب الاسرائيلية نحوه، واستثماره في الحالة الانتخابية، وعلى هذه الخلفية، جاء العدوان الاسرائيلي على القطاع، واستهداف قائد كتائب القسام، واستهداف بهذا الحجم، اراد نتنياهو من ورائه جمع النقاط والاوراق التي تساعد في العودة مرة ثانية الى الحكم في اسرائيل، وقرار نتنياهو بشن العدوان واغتيال الجعبري كان قرارا صعبا بالنسبة اليه، فهو خلط الاوراق، وكسر كل الحسابات وادار ظهره للاتصالات الممهدة للتحاور، وتلك التي انطلقت تبذل الجهود لانجاز تهدئة، وكذلك، لم تكترث اسرائيل للتأثيرات السلبية التي ستلحق بأنظمة الربيع العربي المبارك امريكيا.. خاصة وأن هذا العدوان الاجرامي تم تنفيذه بضوء أخضر أمريكي.
اذا، الدافع الاول لهذا العدوان هو انتخابي، ونتنياهو سيجني ثمن ذلك في صناديق الاقتراع في كانون ثاني القادم، والعدوان هو ورقة لصالحه، لكن، اذا طالت العملية العسكرية، وحققت المقاومة اختراقات وانجازات نوعية، فان العدوان قد يكون سببا في هزيمته، وبالتالي، اسرائيل ونتنياهو تحديدا يتمنى أن تنطلق العديد من الجهات عربيا واقليميا ودوليا لتأخذ على عاتقها وقف التدهور وتحقيق تهدئة ما، فهذا في حال حصوله سيكون في صالح نتنياهو.
والسبب الثاني الذي يقف وراء العدوان على غزة، هو أن اسرائيل تريد أن تقيس رد الفعل على عدوانها في ساحات قريبة، كمصر وموقف الشارع مما يجري، فمصر اليوم هي تحت حكم الاخوان المسلمين الذي تباركه الولايات المتحدة، فاذا ما كانت ردود الفعل باهتة، مقتصرة على خطوة سحب السفير فان اسرائيل ستوسع من دائرة عدوانها، وتنفذ عمليات عدوانية نوعية ضد أهداف منتقاة في قطاع غزة تدميرا واغتيالا.
ويبدو أن اسرائيل اطلعت مسبقا على مواقف بعض العواصم في المنطقة، وهي مواقف شجعت تل أبيب على عدوانها، والاقدام على اغتيال قيادي بارز في حماس كقائد كتائب عز الدين القسام، تدرك اسرائيل أن تداعيات اغتياله ستكون كبيرة وخطيرة وقد يخلط الاوراق في المنطقة. واسرائيل ايضا، قد نكون مطمئنة بالنسبة لردود الفعل في عدد من الدول العربية، لذلك، نفذت عملية الاغتيال وواصلت قصفها، في محاولة لانهاء العدوان في فترة قصيرة، ويكون نتنياهو بذلك، قد عزز من موقعه الانتخابي، بمعنى أن رئيس وزراء اسرائيل ينتظر الان تدخلات عاجلة من تلك الدول للخروج بتهدئة، خشية اتساع رقعة العدوان، واطالة مدته، وعندها سيفقد قيمة ما حققه من انجاز تمثل في اغتيال الجعبري، ويخسر ورقة داعمه له في الانتخابات القادمة.
وقيادة اسرائيل بعدوانها الجديد، تريد طمأنة سكان الجنوب الاسرائيلي، الذي سيكون لهم تاثيرهم في الانتخابات القادمة، من خلال ابعاد شبح القذائف الصاروخية عن تلك المنطقة، هذه القيادة بعد أن اغتالت أحمد الجعبري لا ترغب في التورط أكثر، بمعنى أن اطالة أمد العدوان ليس في صالحها، لذلك، هي تنتظر كما اشرنا جهودا عربية ودولة لانجاز تهدئة ما. وتكون بذلك قد كشفت عن قرب المواقف الحقيقية لجماهير وقيادات ساحات قريبة من ساحة الاشتباك.
لكن، حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، ليس في صالحها قبول التهدئة الان.. وانما تسعى الى جني بعض الانجازات للابقاء على توازن ما مع اسرائيل، وتبقي ايضا على هيبتها ووضعها، لذلك، من المتوقع أن تستخدم مع الفصائل المقاومة الاخى في القطاع اسلحة متطورة كالصواريخ ذات المدى الابعد مما استخدمته حتى الان.
وتجب الاشارة هنا، الى أن دول ما يسمى بالربيع العربي التي تحظى بالدعم الامريكي، لم تتخذ مواقف حاسمة الى جانب ابناء قطاع غزة.
ولم نسمع أن قطر والسعودية وتركيا قد وجهت تهديدات الى اسرائيل، أو اتجهت لاتخاذ خطوات عملية ضد العدوان الاسرائيلي، في حين أن هذه الدول تقف بقوة وراء الارهاب الذي يتعرض له أبناء سوريا، وتبتاع السلاح من اسرائيل لقتل السوريين الذين يتعرضون لمؤامرة ارهابية شرسة جنبا الى جنب مع امريكا واسرائيل.
وما يتعرض له قطاع غزة يكشف حقيقة ما يسمى بالربيع العربي ويؤكد أن مؤامرة قذرة تستهدف الامة العربية، وضرب المقاومة، وتفكيك الجيوش العربية، واشعال الفتن الدموية في الساحات العربية دعما لمخططات اسرائيل، ومن بينها ضرب المقاومة وقياداتها، فمن أجل تدمير سوريا، يقود حكام قطر والسعودية، زعماء العرب الى جامعة الذل والهوان في القاهرة لاتخاذ قرارات بتصعيد وتكثيف الارهاب ودعم العصابات الاجرامية التي تعيث قتالا وفسادا وخرابا في سوريا، بينما يقوم هؤلاء الحكام الخليجيون بجهود حثيثة منذ لحظة اغتيال قائد كتائب القسام للضغط على المقاومة الفلسطينية في غزة، لوقف اطلاق القذائف الصاروخية على البلدات الاسرائيلية.
تداعيات محتملة
ان اغتيال أحمد الجعبري القيادي العسكري رفيع المستوى في حركة حماس، ستكون له تداعياته الكبيرة، وقد تتجاوز هذه التداعيات قطاع غزة، وفي مقدمة هذه التداعيات أن اغتياله سيفضح الدور التآمري لدول الخليج ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وسيكشف ايضا حقيقة الربيع العربي والمصفقين له، والذين تسلموا الحكم بفعله ومن خلاله، فهذا الربيع لا يهدف دعم الشعب الفلسطيني ومواجهة الاحتلال وانما تصفية قضيته، لذلك، قد يدفع هذا الحادث الاجرامي وما يتعرض له القطاع من عدوان متواصل الجماهير في الساحات العربية الى ادراك حقيقة دور بعض الانظمة في المنطقة، وتتجه هذه الجماهير لصنع ربيع ربيعي حقيقي!!
كذلك، قد تأخذ الجماهير الفلسطينية في الضفة والقطاع زمام الامور وتنطلق لانجاز المصالحة وتجبر الاطراف ذات العلاقة على التلاقي لمواجهة التحديات المتعاظمة.
ويبقى القول ان تداعيات العدوان الاسرائيلي على غزة، ستظهر تباعا في الايام القليلة القادمة، وستفرض نفسها في اتجاهات عدة، لها دلالاتها ومعانيها، ومهما بلغت حدة العدوان فان صواريخ المقاومة سوف تتواصل.
ان العدوان الذي يتعرض له قطاع غزة، واغتيال أحمد الجعبري، دليل على تخبط القيادة السياسية في اسرائيل، التي على ما يبدو لم تدرك بعد أن خياراتها العسكرية غير مجدية، وهذه السياسة التي تنفذها تل أبيب لن تخدم اسرائيل، ولن تحقق أغراضها.

