2026-09-12 01:29 ص

مابين الاضطرار الأمريكي والامتعاض الغربي .. المواقف لا تبدو متناقضة

2015-03-18
بقلم : الدكتور محمد بكر*
بمظهرٍ غير جديد وفي صورة أخرى من صور ازدواجية المعايير لم يكد يطل فيها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في مقابلة مع قناة سي بي إس معلناً أن بلاده ستضطر في النهاية إلى التفاوض مع الرئيس الأسد من أجل ماسماه الانتقال السياسي وأن واشنطن ودولاً أخرى تقوم حالياً باستطلاع السبل الممكنة لإحياء العملية الدبلوماسية والضغط على الرئيس الأسد من أجل القبول بالمحادثات, حتى سارعت الخارجية الأمريكية نفسها " لتبهيت " الصورة التي حاول كيري تلميعها , وذلك انتصاراً وتأييداً للحلفاء في باريس ولندن وأنقرة الذين سارعوا إلى تصدير سيل من الامتعاض الذي أسقط القناع عن وجه كيري وإن أرخى التناقض بظلاله على التصريحات الأمريكية والغربية إلا أن ما أعلنه حلفاء واشنطن وما وضحته الخارجية الأمريكية لجهة أن المقصود هم ممثلين عن " النظام " وليس الأسد, هو ذاته ما يختبئ في نيات كيري والإدارة الأمريكية الطافحة بالأبلسة والطرق الالتفافية التي تسعى من خلالها الولايات المتحدة لتظهير المرونة و" طيب الكلام " في محطات معينة تتطلب ذلك, لكنها لا تلغي الاستمرار والمضي في صياغة سيناريوهات جديدة ومشاهد مختلفة لتحقيق المشاريع والمخططات الأمريكية . فكيف تمكن لنا استقراء التماهي في الموقفين الغربي والأمريكي ؟ ولماذا تصر واشنطن على عدم التسليم بمفرزات الميدان السوري ونتائج اللعبة الدولية ؟ كثيرة ٌ هي المحطات السياسية التي تنبئ عن مدى النفاق المتجذر في التصريحات الأمريكية ومستوى " اللف والدوران " واللعب بالألفاظ " على قاعدة الشد واللين , فأوباما الذي رسم الصورة الحقيقية عن الوجود المادي للمعارضة السورية عندما قال في تصريحه الشهير بأن الحديث عن معارضة سورية معتدلة هو ضرب من الخيال , هو ذاته اليوم من وقع الاتفاق مع الجانب التركي لتدريب وتسليح مالا يؤمن بوجوده أصلاً , وبذات الأسلوب عندما أشادت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة بإصلاحات الرئيس الأسد وما عدته مؤخراً المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية بأن الرئيس الأسد جزء من المفاوضات , هذه التصريحات التي سارع أوباما أيضاً إلى دحضها في لقائه الأخير مع أمير مشيخة قطر لجهة أنه لا مستقبل لسورية إلا برحيل الرئيس الأسد على حد تعبيره, ما يدلل على مستوى الخبث وعدم الجدية التي تكتنزها السياسة الأمريكية في تعاطيها مع مجمل القضايا , وكذلك الحال فيما يتعلق بالمفاوضات النووية بين إيران ومجموعة الخمسة زائداً واحد , ومع كل الحديث عن اقتراب " وشيك " للتوصل إلى إتفاق نووي , ومع كل الهيجان الإسرائيلي والتظهير الأمريكي " لخلاف مصطنع" بين الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني وأن الولايات المتحدة ماضية في اتفاقها ولو على حساب عدم الرضا الإسرائيلي, وبالرغم مما أعلنه البيت الأبيض بأن أوباما سيستخدم حق الفيتو ضد أي قرار يلزمه بعرض الاتفاق على الكونغرس بشكل مسبق , مع كل ذلك, يطل أوباما ليكشف عن وجهه الحقيقي ومن دون أدنى حرج ليعلن أن فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران هي 50 %. منذ بدايات الأزمة السورية أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية آنذاك فيكتوريا نولاند وبالفم الملآن أنه لو أرادت سورية استعادة استقرارها فعليها أن تقطع علاقتها بحزب الله وإيران , وهو مالم يحدث خلال سنوات الحرب على سورية بل على العكس تماماً , فكل المراد الأمريكي من صياغته للوصفة المسماة " ربيعاً " في محاولة للحد من قدرات الجيش العربي السوري من جهة و التأثير الفاعل في الثقل التسليحي لحزب الله من جهة أخرى , لم تشكل علاجاً ناجعاً لتحقيق الأهداف الأمريكية , إذ فشل " الطبيب" الأمريكي فشلاً ذريعاً في تشخيصه للحالة السورية التي اشتغل عليها كثيراً , وجاءت التطورات السياسية بعكس المأمول , وصار الحديث إسرائيلياً عن جبهة موحدة في كل من الجولان ولبنان وغزة , أو ما يسمى اسرائيلياً " بوحدة الحبهة الشمالية " , ومن هذه الزاوية بالتحديد نفهم الاستمرارية الأمريكية في صياغتها لجديد سيناريوهاتها وتصنيعها لأدوات متبدلة ولاعبين جدد تحت مسميات مختلفة , إضافة إلى أن المحور المناوئ لواشنطن وبعد تجاوز مرحلة الخطر وتحديداً في الساحة السورية وبعد جملة من المكتسبات باتت فيها المؤسستين العسكريتين في كل من العراق وسورية صاحبة زمام المبادرة في مواجهتها مع أدوات واشنطن في الميدان , تشرع في استعادة سيطرتها على مساحات واسعة ومواقع استراتيجية كان يعول عليها الكثير أمريكياً , وبعد الانتصار الروسي لجهة ضم جمهورية القرم , وبعد فشل الضغوطات الأمريكية على الخصم الروسي من بوابة كييف , لم يعد يقبل ذلك المحور في اعتقادنا بالخروج من ميدان اشتباكه مع الأمريكي بصيغة " رابح , رابح " وهو ما تتلمسه جيداً الولايات المتحدة من خصومها , لذا تستمر في " تلونها " السياسي , وإضفاء الصبغات على سلوكها , والتحرك في طريق " اللين" حيناً وفي الطرق الملتوية أحياناً أخرى في محاولة للعب بالوقت , واستثمار مفاعيل ماتعول من خلاله على أدواتها وأوراقها في المنطقة , تغدو معها عملية إطالة الأزمة في سورية ودعم حالة من " اللاحسم " في الساحة السورية أمراً جوهرياً وأساسياً في السياسة الأمريكية, إذ نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تحت عنوان " حقائق متحولة في سورية " في كانون الثاني الماضي عن مسؤولين أمريكيين أن ماسمته توافقاً دولياً ناشئاً حول الحاجة لحل طويل الأمد بين الدولة السورية والمجموعات المتمردة ومن هذه النقطة بالتحديد نفهم ماجاء مؤخراً على لسان رئيس الاستخبارات الأمريكية جون برينان لجهة ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية وعدم انهيارها مايعزز نظرية " إطالة الأزمة " . مابين تصريحات واشنطن وحلفائها التي تتباين وتتفق بين الحين والآخر , تبقى الرؤى موحدة والمواقف واحدة, لجهة إبقاء ومد المشروع الصهيو- أمريكي في تقسيم المنطقة ونشر الفوضى بكل عوامل الحياة والتجدد . 
 * كاتب سياسي فلسطيني مقيم في سورية