2026-09-11 11:13 م

مجنون الاناضول

2015-02-16
بقلم: إيهاب شوقي
قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان في احدث تصريحاته إن زعماء العالم يشعرون بالغيرة منه لأنه يقول رأيه بصراحة في العديد من القضايا المهمة، وشدد على أن الناس العاديين يؤيدونه. ومؤخرا أثارت صور استقبال الرئيس التركى رجب طيب أردوغان لنظيره الفلسطينى محمود عباس فى قصره الجديد بأنقرة، بوجود 16 حارساً من الحراس الذين يمثلون جنود الحقب التركية القديمة من المغول إلى العثمانيين، انتباه وسخرية كثيرين فى تركيا وخارجها. عندما يضاف ذلك لسياسة اللا معقول التركية فإن الامور تتعدى الاخطاء السياسية او سياسة الحرب القذرة لتدخل في نطاق آخر على مساس بالخلل العقلي الواصل لحد الجنون. دعم تركيا لداعش والذي يضع المراقبون له دلائل من اهمها: *رغم سيطرة التنظيم المتطرف على المناطق الحدودية مع تركيا خاصة مناطق تل أبيض و منبج فإن اي اشتباك لم يحدث بينها و بين و بين قوات الجيش التركي و لم يحدث أي حادث بين الطرفين . و جميع المناطق الحدودية الموجودة تحت سيطرة داعش هي مفتوحة مع تركيا ينتقل منها مقاتلي التنظيم بكل حرية . *العشرات من جرحى داعش يتم معالجتهم في المستشفيات التركية و رغم انتقادات المواجهة للحكومة بشأن هذا الاتهام ألا انها رفضت التحقق من هذه المسألة او انها كانت على علم مسبق بهذا الامر . * قام تنظيم داعش بذبح عمال أغاثة و صحفيين غربيين و لكنها أفرجت عن 49 رهينة تركيا عندما بدات هجومها على مقاطعة كوباني الكوردية ، و قد اتهمت وقتها بأنها قدمت أسلحة و ذخيرة لداعش مقابل الافراج عن الرهائن الاتراك . * حتى الان ليس هناك اي تحرك تركي ضد داعش رغم ادعاءات انقرة انها سنتضم الى قوات التحالف الدولية ضد هذا التنظيم ،بل انها شددت من حصارها على كوباني و لم تسمح بإدخال اي نوع من الدعم العسكري و اللوجستيكي لوحدات حماية الشعب. * الحكومة التركية تعيق جهود التحالف الدولي ، فهي لو أردت فعلا ضرب داعش فان تنسيق مع القوات الكوردية و قوات التحالف كافية بعددة مروحيات و طائرات الحربية في الجو و بهجوم قوات كوردية على الارض كافية لدحر داعش و لفك الحصار عن كوباني . * تتحجج تركيا بإن قوات حماية الشعب الكوردية لها علاقات مع النظام السوري و لذلك لن تدعمها ، و لكن تركيا لم تقدم اي دعم حتى للفصائل المعارضة السورية الاخر التي تقاتل داعش في العديد من الجبهات و المحاور. وليست هذه فقط الدلائل وانما لمحات، ولكن الشاهد هو نوع اخر من الاستدعاء. يؤكد أبو ثائر -أحد العاملين في مجال الإعلام في تنظيم الدولة (داعش)، أنهم في التنظيم أنشؤوا صحيفة ورقية أطلقوا عليها اسم "دابق" نسبة إلى معركة "مرج دابق"، التي قادها السلطان العثماني سليم الأول ضد المماليك قرب حلب، ومهدت لامتداد سيطرة العثمانيين في بلاد الشام ومصر. ويتم توزيع الصحيفة -حسب أبو ثائر- في الأماكن التي يسيطر عليها التنظيم في العراق، لكنها لم توزع إلى الآن ضمن حدود تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. ويضيف في حديث للجزيرة نت "تعنى الصحيفة في مجملها بالحديث عن إنجازات تنظيم الدولة وما قدمه ويقدمه للمسلمين، إضافة إلى المشاريع التي يسعى لإقامتها، وتوعية الناس بإقامة شرع الله وحدوده في البلاد". والمعروف ان بلدة "دابق" شمال حلب، تبعد 45 كيلو مترا عن الحدود التركية وتتبع منطقة أعزاز، ووقعت فيها معركة كبرى معروفة تاريخيا باسم "مرج دابق" بين العثمانيين بقيادة سليم الأول والمماليك بقيادة قنصوه الغوري عام 1516، انتصر فيها العثمانيون، وكانت المعركة مقدمة لدخولهم المناطق العربية وتأسيس إمبراطوريتهم فيها. ومرج دابق هو اسم معركة قامت في 8 أغسطس 1516 بين العثمانيين والمماليك قرب حلب في سوريا، قاد العثمانيين السلطان سليم الأول وقاد المماليك قانصوه الغوري. تمزق جيش المماليك بسبب الخيانة. ساءت العلاقة بين العثمانيين والمماليك، وفشلت محاولات الغوري في عقد الصلح مع السلطان العثماني "سليم الأول" وإبرام المعاهدة للسلام، فاحتكما إلى السيف، والتقى الفريقان عند "مرج دابق" بالقرب من حلب في (25 رجب 922 هـ الموافق 24 أغسطس 1516). ودعونا نتأمل هذه الفقرة من التاريخ دون تدخل لنعرف كيف تحاول تركيا اردوغان اعادته عن طريق لي الذراع: (كانت العلاقة بين الدولتين العثمانية والمماليك في بداية الأمر علاقة مودة وتحالف ويظهر ذلك في اشتراك الاسطولين المملوكي والعثماني في حرب البرتغاليين , وبدأت الخلافات تطفو على السطح مع بدء المواجهة بين السلطان سليم والشاه إسماعيل الصفوى سلطان فارس ؛ حيث سعى كل منهم للتحالف مع المماليك لمواجهة الطرف الآخر . وأرسلت كل منهم السفارة تلو السفارة للسلطان قانصوه الغوري طالبين منه التحالف , فأما الشاه إسماعيل فقد حذر قنصوه من خطورة سليم الاول على ملكه وبين له أن عدم تحالفهم سيمكن السلطان سليم من الاستفراد بالواحد تلو الآخر والقضاء عليه خصوصاً مع توقيعه للهدنة مع الأوروبيين , بينما حث السلطان سليم السلطان قنصوة على التحالف ضد أعداء الدين من المرتدين الشيعة محذراً إياه من طموح الصفويين نحو حلب والشام , ولما لم يلق استجابة من قنصوة لجأ إلى تحذيره من مستقبل الصفويين كتهديد مبطن له . تربص السلطان سليم بالسلطنة المملوكية وأيقن الناس أن كلاهما يضمر للآخر شراً . حاول قنصوة تهدئة الامر بينه وبين السلطان سليم بعد انتصاره الحاسم في معركة جالديران فعرض عليه التوسط في الصلح بينه وبين الشاه إسماعيل إلا أن السلطان سليم أغلظ معاملة الرسل ووبخهم . جمع السلطان سليم وزرائه وقادة جيشه وذكرهم بفعلة علاء الدولة الخاضع للمماليك ورفض المماليك التعاون معهم في حرب الصفويين لذلك استقر رأيه على إعلان الحرب على المماليك على أن يرسل رسالة إلى السلطان قانصوة يعرض عليه الدخول في طوع السلطان سليم , وكان الغرض من الرسالة جر قنصوة الغوري إلى الحرب . ارتكب حينها السلطان قنصوة غلطة سياسية كبيرة بأن أغلظ معاملة الوفد وأهانهم انتقاماً منه لما حدث مع وفده سابقاً بدلاً من أن يحاول إصلاح العلاقة بينه وبين سليم . وخرج السلطان قنصوة بجيش كبير من مصر لتفقد قواته الموجودة في سوريا وليكون على استعداد لأي تحرك عثماني بينما خرج السلطان سليم على رأس جيشه من إسطنبول قاصداً بلاد الشام . بعد أن علم قنصوة بخروج سليم لملاقاته، ارسل رساله الي جان بردي الغزالي والى حلب ان يجمع قواته ومعه امراء الشوف ولبنان ويوافيه عند سهل مرج دابق فاستجاب له وتجمع بقواته هناك , كما تجمع لديه جيش من دمشق بقيادة خائر بك . اصطف الجيشان وبدأت المناوشات بينهما وما لبث ان قام فرسان المماليك بهجوم خاطف على الجنود العثمانية فزلزلوهم واضطربت صفوفهم ,واستبسل الجنود المماليك واظهروا الشجاعة حتى فكر سليم الأول في الاستسلام بعد الخسائر الفادحة التي نزلت بجيشه. كان قنصوة الغورى يحارب من على فرسه ويقود الجيش حينما انحاز فجأة خائر بك والي دمشق وقائد الميسرة للعثمانيين , ولم يكتف بذلك بل إدعى أن السلطان قنصوة الغوري قد قتل . فاهتز المماليك بعد انكشاف صفوفهم وقله عددهم وانهيار معنوياتهم بعد إشاعة مقتل السلطان . وكثف العثمانيون من قصفهم للمماليك بالمدافع التي لم يهتم بها المماليك مثل العثمانيين. فزادت الخسائر في صفوف المماليك وبدء الجنود في التخاذل والهرب. فانفك الجيش وانتصر العثمانيون وقَتلوا أعداداً كبيرة من الجنود المماليك وقتل قنصوه الغوري أثناء انسحابه, ولم يعثر للسلطان قنصوة على جثة وقيل أن أحد ضباطه قام بقطع رأسه ودفنها حتى لا يتعرف عليها العثمانيين فيتشفون فيها . فتح الانتصار للعثمانيين في هذه المعركة الباب لدخول دمشق فدخلها سليم الأول بسهولة. وبدأ بالتجهيز لغزو مصر والقضاء على الدولة المملوكية بعد أن أحكم سيطرته على الشام. وفى مصر قام المماليك بتنصيب طومان باي سلطاناً وبدءوا في التجهيز لصد العثمانيين. إلّا أن تكاسلهم وتقاعسهم وخيانة بعضهم كان كفيلاً بسقوط الدولة وهزيمتهم في معركة الريدانية ومن ثم استيلاء العثمانيين على مصر.) ودعونا ايضا نتأمل وضع ليبيا وقتها ونقارنه بالواقع الراهن: (انشغل العثمانيون وقائدهم خير الدين بربروسا وحسن الطوشي في محاربة الإسبان في الجزائر والمغرب، فترة طويلة من الوقت، جعلت فرسان مالطة يسيطرون على طرابلس، واستمر الحال حتى وفاة بربروسا وتم تعيين طرغود أو «طرغوت أو طرغول» باشا في منصب قبطان الأساطيل العثمانية. وبعد الاستغاثات التي وجهها سكان ليبيا إلى السلطان العثماني، باعتباره خليفة للمسلمين، وضع سنان باشا ودرغوت باشا خطة محكمة لتحرير طرابلس من فرسان القديس يوحنا وذلك بالهجوم البري من ناحية الشرق يقوده والي مصر سنان باشا وهجوم بحري يقوم به طرغود باشا بالأساطيل العثمانية من ناحية الشمال، ففرضا عليها حصارا دام أسبوعاً واحداً وبتكتيك الكماشة المحكم استطاع العثمانيون تحرير طرابلس في 12 شعبان سنة 958هـ الموافق15 أغسطس 1551.) رصد الكاتب ماجد حاتمي من بين الكم الهائل من السلبيات التي امتاز بها الحكم العثماني ، ثلاث سلبيات ، الاولى الشوفينية ، التي انشبت اظفارها في اعماق الروح العثمانية ، التي كانت تنظر الى كل العرب والمسلمين من غير الاتراك ، نظرة دونية ، والثانية الطائفية التي طبعت تاريخ الدولة العثمانية منذ يوم تأسيسها حتى يوم زوالها ، والثالثة الاستبداد. أما الروح الشوفينية فقد بدت بأبشع صورها ، في موقف اردوغان من مدينة كوباني ، حيث لم يقدم اية مساعدات حتى انسانية للمقاتلين الكورد واهالي المدينة المحاصرين فحسب ، بل اغلق عليهم الجهة الشمالية للمدينة التي تقع على الحدود مع تركيا ، كما رفض السماح لكورد تركيا ولا لشباب كوباني الذين خرجوا منها للدخول الى المدينة لمساعدة اخوانهم ، ورفض ايضا نقل اية اسلحة يمكن ان ترسلها جهات دولية اخرى عبر الاراضي التركية الى كوباني ، بل تصدى وقمع كل المحاولات التي قام بها الشباب الكورد للدخول الى المدينة من الجانب التركي وسقط جراء هذه المواجهات العديد من القتلى والجرحى. اما الروح الطائفية ، فكانت اكثر بروزا في شخصية اردوغان ، الذي وضع جانبا تلك اللغة الدبلوماسية التي حاول ان يتطبع بها في السابق ، فكشف عن حقيقته من خلال خطابه العثماني الطائفي ، وهو يصف بأبشع العبارات الطائفية الحكومة العراقية ، ويفتح ابواب انقرة لكل المطلوبين للعدالة العراقية من الارهابيين والتكفيريين والمجرمين على انهم "معارضون سنة " "مضطهدون سنة" على يد "الحكومة الشيعية" في بغداد. اما عداءه للحكومة السورية التي يصفها ب"العلوية" !!، فسقطت آخر اوراق التوت من على عورة اردوغان الطائفية ، فانكشفت عثمانيته بكل تجلياتها الشوفينية والطائفية والاستبدادية ، ففي الوقت الذي يحاول العالم وقف سرطان "داعش" الذي يهدد الجميع ، نرى اردوغان يشترط على العالم من موقع السلطان العثماني المستبد ، اقامة منطقة حظر جوي و منطقة عازلة على طول الحدود السورية و تدريب مقاتلي المعارضة ومحاربة الحكومة السورية ، قبل تقديم اي دعم لمحاربة "داعش" !! ، بينما التنظيم الارهابي اصبح جارا لتركيا حيث لا تفصل بين دبابات اردوغان ، التي تقف بشكل استعراضي على بعد مئات الامتار فقط من مقاتلي "داعش" الذين يحاصرون الى جانب الجيش التركي كوباني!!. والاستبداد فحدث ولا حرج. ان التأثر او الاستلهام او الاقتداء بتجربة او قائد ايا كان الموقف منه يدخل في نطاق المتفهم والمشروع، اما الوسيلة والممارسة فهي القارق بين المقتدي والسائر على الدرب وبين ...المجنون. على غرار مجنون ليلى ومجنون "سعاد حسني"، يصعد اردوغان الى الهاوية!

الملفات