2026-09-12 12:56 ص

حلب قصدنا .. وأنت السبيل

2015-02-15
بقلم : الدكتور محمد بكر*

قبل حوالي أربعة عشر عاماً كنت على موعد ٍ معها وتحديداً داخل أروقة جامعتها ذات الإطلالة المهيبة والمميزة, تماماً كحاراتها وشوارعها وأسواقها , إذ لم يكن اللقاء حينها لقاء المتعانقين بعد طول غياب, إنما زرتها بصفتي طالباً يحذوه الشرف بالتسجيل في جامعة ذائعة الصيت , قضيت فيها سنة جميلة بكل حيثياتها وتفاصيلها الجامعية اليومية الطافحة بتلمس العلم من جهة وحماسة واندفاعة الشباب من جهة أخرى كانت كفيلة باستحضار عظمة هذه المدينة وما تحمله من معالم حضارية وثقافية مهمة, وتالياً ما أسسه ذلك من إنتماء حقيقي إلى أرضها وأمكنتها وحجارتها وكل ركن ترك في نفسي ذكرياتٍ وقصصاً لاتمحى من الذاكرة , بعدها غادرتها مرغماً لأكمل دراستي في مدينة ابن الوليد حمص وفي جامعتها " جامعة البعث " , ولأن الحب للحبيب الأول ولو بعد طول فراق, أعود إليها اليوم, وفي رحاب جامعتها العريقة عراقة التاريخ والصامدة بمدينتها القديمة, الشامخة شموخ قلعتها , الطافحة بكل عناوين البطولة والإرث الحضاري والتاريخي , كيف لا وهي التي اختيرت عاصمة للثقافة الإسلامية في العام 2006 , إنها مدينة حلب , حلب الشهباء , أعود وقد منحتني درجة الدكتوراه فكانت ثمرة عشقي لها ونتاج انتمائي إليها . نعم إنها حلب التي سقط على أبوابها الغزاة , وتحطمت على أسوارها أطماع المستعمرين عبر الزمن, من الرومان إلى البيزنطيين ونقفور فوكاس البيزنطي إلى الانتداب الفرنسي عام 1942 , فقلعة ٌ بعمر قلعتها التي تجاوز الخمسة آلاف سنة لا يعمر فيها "فاتحون " , ولايدوم على أرضها التاريخية احتلال أو استعمار , وكذلك لن ينال من اسمها ومكانتها وحضارتها أي قوة أو إرهاب وستكون بلا شك مقبرة " الثوار الجدد" أدوات المستعمر وعملائه . نعم إنها حلب التي تغزل بها فحول الشعراء كالمتنبي وأبو فراس الحمداني وفيها قال المتنبي : لا أقمنا على مكان وإن طاب ... ولا يمكن المكان الرحيل ُ كلما رحبت بنا الروض قلنا ... حلب قصدنا وأنت السبيل ولاننسى ماقاله فيها أبو فراس : سقى ثرى حلب ما دمت ساكنها .. يا بدر غيثان منهل ومنبجس كأنما الأرض والبلدان موحشة ٌ .. وربعها دونهن العامر الأنس لم يخطئ نزار قباني في وصفه لحلب وهي قطعة من الشام عندما قال : كل الدروب لدى العرب توصل إلى الشام وكل دروب الحب توصل إلى حلب , كيف لا وهي التي اختبأت في شرايينه كما يختبئ الكحل في العين السوداء , والسكر في حبه العنب , وهنا نقول أن حلب لا تختبئ في الشرايين وحسب إنما تسكن في القلب والروح . لحلب الشهباء منا ألف تحية وسلام , ولجامعتها كل الحب والعرفان 
* كاتب فلسطيني مقيم في سورية