2026-09-11 11:39 م

عرب ما بعد داعش

2015-01-16
بقلم: محمد حسن مرين
قد يوحي العنوان أن المقال سابق لأوانه، بالنظر إلى واقع الحال، ولكن استقراء اتجاهات الأحداث ومآلاتها، ودروس السياسة والتاريخ، تدل أن الداعشية مرحلة من مراحل مشاكسات الفكر التكفيري الفظيعة، في عصور الوهن والتخلف، سيتجاوزها مسار التاريخ، وآليات السياسة، وحقائق الاجتماع، بغضّ النظر عن توالدها الجماعاتي، وبقاء جيوبها الحرابية، بسبب: 1- انحصارها الشعبي بسبب حماقاتها ومجازرها وطبيعة تفكيرها، تجعل أكبر المتعاطفين معها أكثر نقمة عليها. 2- التدمير الذاتي بفعل انشقاقها وتطرفها وطبيعة فكرها التدميري وليس البنائي، وضعف المعارضات المدنية لأسباب عديدة. 3- طول نفس الجيوش النظامية ومقارعتها للعصابات متعددة الجنسيات مدعومة بالحس الوطني، وموارد الدولة. 4- مراجعة الفكر الديني الرسمي المضاد، الذي يعمل على الاستنزاف الفكري لهذه الجماعات بعد مرحلة الدعاء لها ! 5- التحالف الدولي المضطر إلى لجم صولات الوحش الإرهابي الذي لا يعرف حدود الصراع و لعبة التكيف. ( الإرهاب في أوروبا، الإرهابيون الأوروبيون، تهديد منابع النفط). ولذلك فإن مرحلة ما بعد الداعشية تبدأ بإرهاصاتها التي ستبدأ قريبا إن لم تكن بدأت الآن، وتكون أولى تباشيرها: 1- تراجع وأفول الحماسة الشعبية التي صنعتها هبّة الربيع العربي. 2- عودة القوى الوطنية إلى سُدّة الحكم، وإعادة صياغة الخطاب الوطني وتراجع الجماعات الدينية، ما عدا حركات المقاومة، التي تستمد مجدها من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. 3. انفراج الوضع اللبناني نحو توافق سياسي ما. 4- تقدم الجيشان العراقي والسوري لمناطق نفوذ داعش، وانكماشها التديجي. 5- موقف خليجي بما يمثله من ثقل إعلامي ومالي، داعم للوطنية الجديدة على حساب الفرق الدينية. 6- معالجة الملف الليبي في إطار إقليمي ودولي. وتكون ثمرة ذلك حكومات لتوافقات وطنية، وإعادة صياغة الخطابات الوطنية، التي تستثمر منطلقات الربيع العربي، عيش حرية عدالة اجتماعية، بمشاركة إسلامية بديلة عن القوى التقليدية، التي تتراجع أدوارها، بسبب انفضاض قواعدها، أو قمعها الأمني، لحساب قيادات جديدة تستند على مراجعات، وقوى وطنية تستلهم جزء من الخطاب الديني المدعوم من الهيئات الرسمية، تحت شعار توافقي وحدوي يستثمر في العصب الوطني المتضرر، الذي يعود بعد حروب الأزقة، وغزوات داحس والغبراء، ليشد القطاعات الشعبية الواسعة المتضررة من الحروب الداخلية وفظائع الإرهاب. قد يكون لدور خليجي لمواجهة تحديات ارتدادية لزلزال الثورات تواجهها دول الخليج بالأخص، لتلافي موجات الإرهاب ونفوذ الجماعات، وأي تغيير لبنية الحكم العائلي، وقد يكون للدور الجزائري في ترتيب الوضع المغاربي، الليبي بالخصوص بدعم إقليمي، وسيكون للدور المصري العائد والمحوري في لملمة الوضع العربي، قد يفرز قمة عربية ملتئمة، أو شكل من أشكال التقارب أو التهادن القديم الذي يحفظ الحدّ الأدنى من السلم القومي العربي، يسبق ذلك حلحلة للإشكالات الثنائية، كجزء من واقعية سياسية تضطر الحكومات العربية إلى الخضوع لها، فلا أحد يملك عقلا يراهن على إعادة الساعة إلى الوراء، أو فرض واقع سياسي في أي بلد عربي، خارج إرادة التوازنات وولاء المؤسسات العسكرية. ولكن العالم العربي سيواجه جملة من التحديات حتى وهو في نشوة تجاوز عواصف الربيع العربي، وزلازل داعش التكفيري، وأهمها: 1- مدى ذكاء القيادات الوطنية الحاكمة ونفوذ المؤسسات العسكرية في تكييف منظومات الحكم وإخضاعها لعملية تجميل معقّدة، أم استغلال ذلك في مزيد من القهر والاستبداد والفساد !! 2- القضية الفلسطينية وما تطرحه من تطورات، وتباين الرؤى حول التعامل الفلسطيني، ومدى استعداد الأنظمة العربية لتحمّل مسؤولياتها، ستعيد الاستقطاب للصف العربي، وسيكون للدور الفلسطيني ذاته أهمية في جمع العرب حول رؤية إستراتيجية فلسطينية تركّز على فلسطين، بعيدا عن وحل الأزقة العربية. 3- الصعوبات الاقتصادية وتحديات التنمية، المؤثرة في حالة الاستقرار والاجتماع السياسي، فالشعارات وحدها لا تطعم الجائعين، والنجاح الاقتصادي أحد بوابات الأمن القومي لأي بلد. 4- تجديد الفكر الديني، والتعامل مع الإسلام، وهي أحد الإشكالات الثقافية والتربوية والحياتية والسياسية في صياغة استراتيجيات وطنية وعربية وحتى دولية لمواجهة ظاهرة التطرف الديني، بالاعتماد على منطلقات أهمها: 1- تجريم التكفير والطائفية، السبب الرئيس للعنف. 2- مراجعة المناهج التربوية والثقافية والفكرية . 3- إعادة إنتاج خطاب إسلامي تنويري يرتكز على علمية التفكير وعلى الحريات و التعددية والتسامح. إن كيفية التعامل مع هذه التحديات ستعطي معالم مستقبل العالم العربي، إما في اتجاه إصلاحي يعتبر من مراحله السابقة، أم إعادة إنتاج الأزمات، لتعود ريم إلى عهدها القديم في انتظار عواصف وموجات ثورية جديدة، وزلازل إرهابية أخرى قد تكون أشد وأكثر فظاعة، فأي زمن يختاره العرب بعد زمن داعش !!

الملفات