2026-09-12 12:09 ص

قـمـح ،،، وزُّؤَان

2015-01-11
بقلم: سمير الفزاع
" يُشبه ملكوت السماوات إنساناً زرع زرعاً جيداً في حقله، وفيما الناس نيام جاء عدوه، وزرع زواناً في وسط الحنطة ومضى. فلما طلع النبات، وصنع ثمراً حينئذ ظهر الزوان أيضا. فجاء عبيد رب البيت وقالوا له: يا سيد أليس زرعاً جيداً زرعت في حقلك فمن أين له زوان؟ فقال لهم: إنسان عدو فعل هذا. فقال له العبيد: أتريد أن نذهب ونجمعه؟. فقال لا لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه. دعوهما ينميان كلاهما معاً إلى الحصاد، وفي وقت الحصاد أقول للحصادين اجمعوا أولاً الزوان وأحزموه حزماً ليُحرق؛ وأما الحنطة فاجمعوها إلى مخزني. ( إنجيل متى 24:13-30). قال تعالى: (إن الذين كفروا يُنفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون 36 ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون 37) القرآن الكريم-الأنفال . إنقضت أربعة أعوام -تقريباً- منذ أن إندلعت الحرب على سورية، وبعد أن تحولت إلى حرب مكشوفة لا ستر ولا غطاء يداري سوأة أدواتها ووقودها ومموليها وداعميها ... تكشف "حقلنا" عن زوان من مختلف الأشكال والألوان، جزء منه زرعه بعضنا، وآخر زرعه أشقاء وجيران، وثالث زرعه خصومنا وأعدائنا، فكيف تصرفت القيادة السورية بالأمس، وما العمل اليوم وغداً؟ . 1- إن لم تقتنع، سندعه يكبُر : لا يمكن لك أن تقوم بإقتلاع الشجيرات الغريبة والمؤذية المُنتجة للزؤان دون أن تتركها تنمو، ليظهر الفرق جليّاً بينها وبين شتيلات القمح؛ فيتأكد ويتيقن الآخرون من نوع هذه الشجيرات، وطبيعة غَلّتِها. هكذا تعاملت الدولة مع البيئات الحاضنة للإرهاب والعمالة في سوريا بعد أن دعت للحوار مرة في القصر الجمهوري، وأخرى على طاولة الحوار الوطني الجامع. ولو أقدمت على ضربه بقوة منذ اللحظة الأولى لأستمر الملايين من البشر على إعتقادهم بأن هؤلاء دُعاة حريّة، ومناضلين أشاوس من أجل الديموقراطيّة والعيش الكريم، ومشاعل نور تحارب بصدورها العارية الظلم والإستبداد والدكتاتورية، وربما سينضم إلى صفوفهم الملايين من "الثوار" المخدوعين ليُسقطوا الحكومة السورية، ويسلموا هؤلاء العملاء والمجرمين الحكم في سوريا فيعودوا ليندموا حيث لا ينفع الندم... فتركتهم القيادة ينموا، ليتضح الفرق بينهم وبين الثوار الحقيقيين، وتعيش الجموع المخدوعة مرارة خياراتها الخاطئة .لم تُخيّب الجماعات الإرهابية ظن القيادة السورية، حيث قدمت أسوأ ما يمكن أن يقدمه إنسان إلى بيئة إحتضنته، وجمع بشري آمن بطرحه وقضيته، وبدأ الإحساس بالخديعة يظهر، ولكنه لم يصل إلى مرحلة الإنتقال إلى الفعل المضاد بوجه هذه الجماعات الإرهابية العميلة بعد. 2- حتى على شكل الحنطة إختلفنا : جادلنا البعض بأن هذه الشتيلات الغريبة شتيلات حنطة؛ إنما رؤيتنا لها غير واقعيّة، ورأينا فيها متحيز وغير صائب، وإذا إتفق معك بأنها لا تشبه شتيلات الحنطة سيردّ سبب ذلك الإختلاف، لشيء من عطش أصابها بسبب إهمالنا، أو نقص في الأسمدة عانته بسبب سوء تقديرنا، أو لإغفالنا رعايتها بسبب فسادنا... ولكنها تبقى في نظره شُتيلات حنطة. فليكن، سنجعل ثمار هذه الشتيلات من ينهي النقاش، فإذا طرحت الحنطة سنابلها، وكشفت تلك الشتيلات عن زؤانها نكون قد وصلنا إلى واحدة من ذرى الحقيقة الطبيعية والمنطقية والعلمية... التي لا جدال فيها فيحدث أحد خيارات ثلاث: إما الإتفاق أو الطلاق أو الحياد. وهكذا فعلت القيادة السورية، فقد "سمحت" للبيئات الحاضنة أن يتعرفوا على أي " دعاة للحرية" آووا، وأي "مجاهدين" حضنوا، وخلف أي "مناضلين" ساروا. ليست حنطة، ولا هي صنيعة هذه الأرض، ألا تروا أن دول متحجرة تعيش القرون الوسطى بكل تفاصيلها تدعم حرية الذبح والإغتصاب والتدمير في سورية؟ ألا ترون حجم الأموال الهائلة التي تصرف على هذه الجماعات الإرهابية؟ منذ متى تسلح أنظمة البترودولار حركات التحرر والثورة؟ ألا ترون جامعة النعاج والتوسل والتسول وقد تنمرت في ليبيا وسورية تبلع لسانها في فلسطين؟ ألم يجاهر مرسي بالدعوة إلى الجهاد في سورية في الوقت الذي كان يغمر فيه الانفاق بين سيناء وقطاع غزة المحاصر بماء المجاري ليمنع الصواريخ السورية من الوصول إلى فصائل المقاومة هناك؟ لماذا تبدأ الدولة الإسلامية من العراق وسورية ولا تبدأ من حيث المقدسات الإسلامية في جزيرة العرب؟ ولماذ هذه "الصحوة الجهادية" الإسلاموية، وتدفق عشرات الآلاف من الإرهابيين تحت هذا العنوان إلى سورية والعراق؟ ألا ترون مشافي كيان العدو تطبب هؤلاء وتعيدهم ليتابعوا مسيرة القتل والتدمير؟ من يمولهم ويسلحهم ويسهل تنقلهم... ونحن نتحدث عن عشرات الآلاف من البشر؟... آثر البعض أن يتعامى عن الحقائق، ويزيف الوعي، سيتفق معنا من يرى بعين الحقيقة هذا الزؤان؛ لنصبح معاً في خندق واحد للتخلص منه، ويستمر من أخذته العزة بالإثم وكبلته قيود الإرتزاق والعمالة على غيّه، ويقف على الحياد من لم يُطاوعه كبريائه على الإعتراف بخطأه، ومنعه عقله من الإستمرار بمسيرة الدم والإنتحار . 3- إجمعوا الزوان وأحرقوه : عامان ونحن نكابد الصبر من أجل لحظة الوعي، والتعرف إلى الحقائق الجليّة منذ اللحظات الأولى. بدأ الإحتضان الشعبي للجيش العربي السوري يعود كما كان، وأثبت الإعلام السوري مصداقية عالية وقدرة متنامية على مقارعة أعتى المؤسسات الإعلامية الدولية، فأغتيلت كوادره، وهوجمت مقراته، ومنع من البث على الأقمار الإصطناعية "العربية"... وظهرت كتائب البعث، والدفاع الوطني، واللجان الشعبية... كمؤشر على الإلتفاف الشعبي حول الوطن والدولة، وأنطلقت عجلة المصالحات الوطنية، تعبيراً عن الإفلاس والشعور بالهزيمة في مكان، وإستعادة للوعي في مكان آخر، وأسقط مشروع تحويل الناس إلى قطيع يسير إلى المسلخ بقدمية وهو فرح، يغني قصائد التطييف والتمذهب والنكوص إلى مجاهيل القرون الوسطى. لجأوا لداعش، إنه الإستثمار الأشد جلاء للإرهاب المنظم لإسقاط الدولة السورية، أو إستنزافها إلى ما لا نهاية في الحد الأدنى. لكن الجيش العربي السوري كان الأقوى، والآثار السلبية لداعش على مشروع واشنطن وحلفائها فاقت "فوائدها"، وبدأ العد التنازلي للهجوم المعاكس الشامل. آن أوان جمع هذا الزؤان لنركمه جميعاً، ونحرقه. بعد أن رأيتم حقيقة هذه الشتيلات، وثمارها الفاسدة الضارة، وكيف أنها لوثت حنطتكم لتكون سبباً أكيداً في تسميم طحينكم وخبزكم، وموت أطفالكم وموتكم، وفناء مواشيكم؛ التي سيقتلها تِبْنُ هذه البيادر الملوثة. ما عاد هناك من عذر، من يرى أن القمح والزُّؤَان سيان فهو شريك في تخريب حقلنا، وتسميم خبزنا... ولن يكون مصيره مختلف عن مصير هذا الزؤان . 4- ختاماً، ما العمل؟: نحن أبناء هذه الأرض ونبضها، ويدنا ممدوة دائما لمن يريد أن يُعمرها ويزرعها قمح وخير. نعلم جيداً أن بعض "الزُّؤَان" يُفسد القمح، لكن لن نسمح له أن يُفسد الطحين، لذلك نقوم بغربلة القمح قبل طحنه. وقد نَغفَل؛ لكن إنتباهتنا سريعة العودة، وقد نترك للوقت بعض القرارات عملاً بالحكمة التي تقول: "إمنح الوقت وقتاً... ليعمل". وحتى نُعجل في مرحلة جمع الزؤان، تمهيداً لحرقه، إسمحوا لي أن أقترح بعض الذي يجب أن نقوم به: * من حق سورية على "برجوازيتها الوطنية" أن ترى منها خطوات عملية خلال فترة الحرب عليها، وأن لا يقتصر دورها على إعادة الإعمار، مثل، تأسيس صندوق لرعاية أسر الشهداء والجرحى. * تنتظر سورية من أبنائها المغتربين مبادرات معنوية ومادية، وخطط تنموية واضحة المعالم، مثل، تأسيس صندوق للمغتربين يأخذ على عاتقه إعادة تأهيل القطاع الصحي أو التعليمي، مع العلم بأن هناك مبادرات مشكورة، كمثل مبادرات الجالية السورية في إيطاليا، ولكن المنجز دون الطموح، ودون المتاح بأشواط كثيرة. * تقوم كل قرية وبلدة ومدينة سورية، بتشكيل أقصى ما تستطيع من وحدات الدفاع الذاتي ضمن التشكيلات القتالية المتاحة، كتائب البعث، لجان شعبية، الدفاع الوطني... إلى جانب الإلتحاق الفوري والطوعي لكل من تنطبق عليه شروط الخدمة الإلزامية أو الإحتياط، بصفوف الجيش والقوات المسلحة. هذا النوع من الحروب، بحاجة إلى كلّ مواطن قادر على حمل السلاح، فنحن نواجه إرهاب قد يضرب في أي مكان، لذلك نحن بحاجة إلى كلّ إنسان في كلّ مكان. * صحيح أن الدولة تحاول الحفاظ على نسق الحياة المعتاد قدر إستطاعتها، لكن يجب أن ندرك حقيقة خوضنا لحرب شعواء منذ أربعة أعوام، وهذه الحقيقة ترتب علينا منظومة من القيم والمبادئ والسلوكيات... قد تقارب حدود المثاليّات، لكنها ضرورية جداً مثل، الإيثار والتقشف والتشاركيّة والتضحيّة... وعشاء الرئيس الرئيس بشار حافظ الأسد، ليلة رأس السنة في جوبر، خير نموذج على هذه المنظومة. * مكافحة الفساد بكل أشكاله مهمّة مجتميّة شاملة، وليست فعلاً خاصاً بالسلطة، مثل، لا تحاول الحصول على غير حقك، لا تستخدم الطرق الملتوية للحصول على حقك، لا تيأس من مكافحة الفساد والمفسدين... . * أن ننتهج ممارسات عمليّة تقوض أي سلوك مشوب بخلفيات إثنية أو طائفيّة أو مذهبيّة... من أي إتجاه جاء، وإلى أي طرف موجه. * الجيش العربي السوري والقوات المسلحة. عندما نتحدث عن هذا الجيش العظيم يكللنا الصمت، ويتملكنا العجز، ونفقد القدرة على الوصف والتصوير... هذا الجيش يستحق من كلّ سوري الكثير، سأتحدث في نقطتين فقط : 1- أي تلاعب أو إستخفاف بحياة، ومصير، وحقوق، ومقومات صمود ونصر... هذا المقاتل العربي السوري، تلاعب وإستخفاف بمصير كل سوريه، كل جيشها ومواطنيها. ومن يمارس هكذا أفعال، يجب أن يحاكم ميدانيّاً وبشكل مباشر، كما تخبرنا القوانين العسكرية عن طريقة التصرف في مثل هذه الحالات إبان الحروب والأزمات. 2- لدى الجيش العربي السوري قدرات نارية هائلة القوة، وواسعة الإمكانات... مع عدو مثل داعش، وفي شروط ميدانية مثالية كالموجودة اليوم (الإنتشار الممتد، ميادين القتال المفتوحة، الإجماع على سحق هذا العدو...) ورأي عام دولي مناهض للإرهاب بعد أن بدأ يكتوي بناره، أعتقد بأن إستخدامها صار أمراً ممكناً؛ بل وضروريّاً.

الملفات