2026-09-12 12:09 ص

التقارب المصري التركي...لماذا الآن؟

2015-01-03
بقلم: الدكتور خيام الزعبي*
شهدت العلاقات المصرية التركية توتراً متصاعداً يتجاوز التصريحات الدبلوماسية، وذلك لدعم الرئيس التركي أردوغان للرئيس الأسبق محمد مرسي، وإعتبار عزله إنقلاباً عسكرياً قاده السيسي، وإستمر في مهاجمته للنظام المصري بكل مناسبة يحضرها, وكانت الحكومة التركية أيضاً تلقي بتصريحات ضد الأحداث السياسية بمصر، وتنفي شرعية الحكم بإستمرار، وتحاول قطر الآن إعادة العلاقة بين مصر وتركيا، لكن الأخيرة عرضت شروطها لإتمام المصالحة أهمها خروج الرئيس المعزول محمد مرسي من السجن وتبرئة قادة جماعة الإخوان المسلمين من الإتهامات الموجهة إليهم، هذا مما أشعل حالة من الإحتقان التي ترصدها وسائل الإعلام بين مصر وتركيا مما إستدعى تحرك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ضد تلك التصريحات وإرساء ''إعلان القاهرة'' بالإشتراك مع اليونان وقبرص، ذلك الإعلان الذي يحذر من التدخل في الشؤون الداخلية للدول. في الواقع إن تركيا، بعد المصالحة المصرية القطرية برعاية السعودية، وسبقتها الولايات المتحدة وعدد كبير من دول العالم، ربما أصبحت الوحيدة التي تمارس سياسة العناد والمكابرة مع مصر، ما يضع أنقرة في موقف عزلة، ويعطي إنطباعات أنها خارج الزمن، فالنظام المصري رسخ وجوده ونجح خلال فترة قصيرة في تثبيت أقدامه على مستويات متعددة، بالتالي أي حديث عن إنقلاب أو ترويج لشرعية مزعومة، سيكون من غير المجدي به، خاصة أن الكثير من دول العالم لم تتأخر في توثيق وتمتين علاقاتها مع مصر، وهنا نتساءل عن إمكانية سعي تركيا للمصالحة بعد بقائها وحيدة بين دول المنطقة، خاصة وأن نائب رئيس الوزراء التركى، بولند أرينج، أشار فى حوار تليفزيوني إلى ضرورة إزالة التوتر القائم بين بلاده ومصر، لأن المصالحة بين مصر وقطر تمثل خسارة كبيرة لتركيا، كون الرئيس أردوغان سيفقد الورقة الرابحة التي كان يوجه بها ضربات إلى مصر، وأن خسارته للورقة الرابحة ستحقق مزيداً من العزلة للجانب التركي، كما ان هذه المصالحة ستزيد من عزلة تركيا في العالم العربي، بالإضافة إلى عزلتها عن اليونان وقبرص، خاصة أن مصر تبحث عن طريق بحري بديل عن طريق تركيا، ومن هذا المنطلق ستكون تركيا وحيدة في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط. في سياق متصل إن الإستمرار لفترة طويلة في سياسة التصعيد، من المحتمل أن تكون له مردودات سلبية على الدولة التركية، التي تعاني أزمات متعددة، فداخلياً، عادت مشكلات الأكراد للواجهة مرة أخرى، وتحولت قضايا الحريات والإعتقالات وحقوق الإنسان إلى منحنى آخر تتشابك فيها الأبعاد الداخلية مع الخارجية، أما إقليميا حيث تتعثر خطوات أنقرة على الساحة السورية، بعد إنقلاب الدفة لصالح نظام الرئيس الأسد، فضلاً عن الاتهامات التي تتردد بشأن علاقة أنقرة بتنظيم "داعش" الإرهابي، والتي وصلت لدرجة الحديث عن دعمه ومساندته، وغض الطرف عن إنتهاكاته في المناطق القريبة من الأراضي التركية. إن نجاح مصر في توطيد علاقاتها مع دول الخليج، قد تكون له عواقب إقتصادية على تركيا، وكذلك إقتراب مصر من الصين وروسيا وعدد كبير من الدول الغربية والعراق، والهدوء مع سورية وإيران، وعودة القضية الفلسطينية ضمن الأولويات المصرية، كلها أوراق تحمل دلالات في إمكانية توظيفها وإستثمارها بشكل يزعج ويربك أنقرة، وعلاوة على ذلك، فقد تسبب جمود العلاقات التركية المصرية في خسائر خطيرة أبرزها ذلك التعاون بين مصر وغريمتي تركيا قبرص واليونان حول النفط والغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، حول إنشاء طرق عبور جديدة وخطوط أنابيب، ويقوض ذلك التعاون محاولات تركيا لتأكيد حقوقها كقوة رئيسية ساحلية، وكذلك بالنسبة للقبارصة الأتراك، كما يخلق توقعاً ليس محموداً بحتمية التعامل التركي مع إئتلاف غير رسمي يضم قبرص واليونان وربما إسرائيل عند محاولة أنقرة حل قضايا الطاقة الإقليمية. وتجدر الإشارة هنا الى أن العامل الاقتصادي يمثل محوراً أساسياً في سياسة تركية الخارجية، وعليه يملك الأتراك مصالح إقتصادية كبيرة مع مصر، وهذه المصالح زادت الى حد كبير خلال فترة حكم مرسي عن طريق التوقيع على إتفاقية مجلس التعاون الإستراتيجي عالي المستوى، لذلك فإن ضرر تركيا سيكون أكثر لو إزدادت حدة الصراع بين مصر وتركيا، ليس هذا فحسب بل أن تركيا حالياً تستخدم الموانئ المصرية لتصدير بضائعها الى دول الخليج وإفريقيا خاصة بعد أصبحت الأراضي السورية غير متوفرة للشاحنات التركية بسبب التوتر القائم في العلاقات بين الدولتين، ومن هنا فإن إستمرار هذا الوضع سيؤثر حتماً على تلك المصالح التركية بشدة، فضلاً عن ممارسة الدول الخليجية ضغوطاً إقتصادية عل أنقرة الذي سيضعف الموقف التركي. فلا شك أن هناك مصالح مشتركة واضحة لكل من مصر وتركيا في إعادة بناء علاقة طبيعية تزيل آثار الماضي وترتكز على أساس توازن المصالح، حيث تعّول تركية على العلاقات الإقتصادية والتجارية مع مصر التي يمكن أن تؤسس لتجاوز الأزمة الحالية القائمة بينهما، وبالتالي فإن لغة المصالح هي التي ستحسم في النهاية الأزمة القائمة بينهما، وأن حالة التوترات السياسية لن تطول وهو ما من شأنه أن يصب في مصلحة مسار العلاقات بين هذين البلدين اللذين لهما وزنهما وثقلهما في المنطقة. إن إحتمالات المصالحة بين مصر وتركيا باتت قوية نتيجة العزلة التي ستعانيها إسطنبول عقب المصالحة المصرية القطرية، التي ستشعر تركيا بأن الممول والداعم للإخوان المسلمين المقيمين على أراضيها تخلى عنهم، وسيظل إحتمال المصالحة قائما برغم رفض الرئيس التركي أردوغان، فالمعارضة التركية ورجال الأعمال سيشكلون وسيلة ضغط على أردوغان ليسعى إلى المصالحة مع مصر، بإختصار شديد يمكن القول لن تجد القيادة التركية طريقاً تلجأ إليه سوى التهدئة، والدخول في نموذج شبيه بالسيناريو القطري، لتتجنب الوقوع في عزلة إقليمية، وتتحاشى سلسلة من الخسائر الإقتصادية، ولعل تلميح أنقرة حول ضرورة إزالة التوتر مع مصر، ينطوي على إشارة بالغة في هذا السياق، يفهم منها التمهيد للإقدام على تحركات تتجاوز التلميح إلى التصريح.
*صحفي وكاتب أكاديمي 
Khaym1979@yahoo.com