2026-09-11 10:50 م

القيمة المضافة للناتج السياسي الروسي ...

2014-12-30
بقلم:  محمد بكر*
كثيرة ٌ هي المدخلات السياسية التي دأب الروسي على تصنيعها وصياغتها بالشكل الأمثل والتي ارتقت في تراكيبها إلى مستوى التهديدات والمخططات الأمريكية , وعلى مدى أربع سنوات من "الهيجان" المرافق للوصفة الأمريكية المسماة " ربيعاً " , كانت خلالها العين الروسية ولاتزال ترقب بدقة متناهية تطورات الحدث السياسي , وتحلل وتشخص الحالات "المرضية " وتبدلات الاستهداف و تغيرات السلوك الأمريكي , وعلى أكثر من جبهة وفي عدة محطات , استطاعت السياسة الروسية أن تفرمل أي تمددات لما أراده الأمريكي في مشروعه الشرق أوسطي الجديد , وأن تحد من دائرة التشظي والتناثر الحاصل في نهاية كل مرحلة من مراحل المخطط الأمريكي . انتصارات سياسية عديدة حصدتها السياسة الروسية في ميادين نزاعها مع الأمريكي ومنظومته الدولية والاقليمية شكلت في حيثياتها مخرجات سياسية مميزة و"معروضاً " مثالياً من الحضور الفاعل استطاع أن يجذب الأنظار ويؤمن " تهافتاً " منقطع النظير على المستوى الدولي والاقليمي لجهة تبني النهج السياسي الروسي والتماهي معه في منظومة قوية تمكنت من تصنيع الندية المناسبة لمواجهة الهيمنة الأمريكية وكسر " التفرد " الأمريكي في قيادته وتوجيهه للعالم بحسب رغبته وكيفيته المقيتتين . بعد أربع سنوات تقريبا ًمن المواجهات الساخنة والاحتدام السياسي العنيف ومشاهد الكباش المؤداة على المسرح الدولي يطل الرئيس بوتين في تكريم لمنتسبي الأجهزة الأمنية ليعلن ومن دون أدنى حرج أن لا أحد يستطيع عزل أو ترهيب روسيا , وإن موسكو ستواصل تطوير القوة الاستراتيجية النووية العامل الرئيس في معادلة التوازن الدولي , وإن العقيدة العسكرية الدفاعية لروسيا ستستمر بالرغم من نشاط حلف الناتو , في إشارة واضحة لمستوى الإمكانات والقدرات التي تختزنها موسكو والكفيلة بإعادة الحسابات الأمريكية عند الإقدام على أي إجراء يستهدف روسيا في المستقبل . من قمة الثماني إلى قمة دول العشرين مروراً بقمة دول بحر قزوين , كان للحضور الروسي طابعه المميز فرض فيه سيد الكرملين إيقاعه على المايسترو الدولي , وصاغ جملة من الرسائل السياسية شديدة اللهجة , شكلت بفحواها مصدر قلق للأمريكي , وأعملت مفاعيلها في توجهات واشنطن وحلفائها , كيف لا وهو الذي أطلق في السابق لاءاته في المحافل الدولية واغتنم الفرص, وظهّر الذات وفي التوقيت المناسب قدم نفسه لاعباً دولياً رئيساً استطاع أن يخطف أنظار الخصوم قبل الحلفاء. من سورية إلى أوكرانيا مروراً بالعراق ومصر تمكن الروسي باقتدار أن يبلور جملة من الأساليب والمواقف الحازمة , وبحرفية عالية أدار جولات الصراع والكباش حاصداً نقاط التفوق على خصومه , ومن هنا نقرأ ونفهم " الهيستيريا " الأمريكية الحاصلةو وذلك الصراخ والتهديد بعزل روسيا ولما تسميه واشنطن خرقاً روسياً للقوانين الدولية , كل ذلك كان بمنزلة " الآثار الجانبية " للمضادات الروسية التي تجرعها الجسد الأمريكي . في لعبة الأمم يدرك الروسي حجم التحدي , ومستوى المواجهة الحاصل , ويؤمن يقيناً أن أي تراجع ولو كان محدوداً في طريقة إدارته للمعركة السياسية مع خصومه الدوليين أو ما يسميهم "شركاء " لن تكون نتائجه محمودة العواقب , لذلك يستمر في اعتقادنا باستراتيجية العين بالعين والمناورة بالمناورة والتصعيد بالتصعيد والإجراء بالإجراء , كما ويدرك جيداً الأبعاد المتقدمة للمشروع الأمريكي والغايات التي لم تعد سرية على الإطلاق الرامية لتغيير النظام في روسيا إذ أكد سيرغي لافروف مؤخراً في حديث للفرانس 24 أن بعض السياسيين الغربيين يجاهرون بذلك علناً , ومن هنا نفهم ما أعلنه بوتين لجهة أن الهدف الأساسي للعملاء السريين لموسكو في العالم إنما هو مكرس لمكافحة الإرهاب ولمواجهة التهديدات الغربية الموجهة ضد روسيا . النقطة الأبرز في السياسة الروسية خلال الفترة الماضية تجلت في الزيارة الأخيرة لبوغدانوف في المنطقة لجهة توقيت الطروحات وفحوى الرسائل ولاسيما فيما يتعلق بالأزمة السورية والموقف اللافت من حزب الله , إذ وفي ذروة التصعيد السياسي من خصوم موسكو لجهة الحديث التركي بزخم عن تدريب ما يسمى بالمعارضة المعتدلة بحلول شهر آذار من العام المقبل وفي ظل ما تم رصده من موازنة أمريكية لتدريب مجموعات مسلحة قيل أنها لمحاربة " داعش " في سورية , يمضي الروسي قدما ً لا يعوقه أي عائق في إطلاق عمليته السياسية وتوفير المناخات الإيجابية لعقد وإنجاح حوار سوري – سوري في موسكو , إضافة إلى ذلك وفي خضم القلق الإسرائيلي المتنامي لجهة ما يبديه من مستويات مرتفعة من التخوف من القدرات التسليحية التي يمتلكها وأعلن عنها الحزب ينبري الروسي ليوصف موقفه من الحزب ويشرح نظرته تجاهه إذ ترى فيه موسكو قوة فاعلة رئيسة في المنطقة , وأنها على أتم الاستعداد للتعامل معه من أجل أمن واستقرار لبنان . ثلاثة وعشرين عاما ً مرت على انهيار الاتحاد السوفييتي , تمكن خلالها الروسي من إعادة البناء وترميم التصدعات لتطفو نتائجها اليوم على السطح الدولي يشرع فيها الروسي من دون " استراحة محارب" باستعادة الحياة الدولية واستيلاد كل عوامل القوة والثبات في موقفه من القضايا العادلة , وفي أكثر من ساحة ولاسيما القضية الفلسطينية , إذ أكدت موسكو أنها ستصوت لصالح المشروع الفلسطيني في مجلس الأمن لجهة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية في الوقت الذي تعالت فيه الأصوات الأمريكية المهددة باستخدام الفيتو , كل تلك الوقائع الفريدة كانت كفيلة بإضفاء قيمة مضافة على الناتج السياسي الروسي الطافح بالجودة والمتانة, وبموازاة حراك أمريكي لا يهدأ لتفريغ الرصيد السياسي الروسي من محتواه وتالياً تجيير كل النواتج السياسية لخصوم واشنطن وفق المسار الأمريكي .
 * كاتب سياسي فلسطيني