2026-09-13 12:11 ص

تركيا تكرّر سيناريو 2003، وستهزم

2014-10-07
بقلم: سمير الفزاع
قبل الدخول في صلب الموضوع سأسوق حادثتين تاريخيتين، ستقدمان مقداراً جيداً من "الإحاطة" بطبيعة العقل السياسي التركي، والعلاقة الأمريكية- التركية، ما يوفر الأرضية لتقديم إجابة "مقنعة" عن مآل ونهاية تدخلها في شمال سورية. * قبل إحتلال العراق 2003 كانت أنقرة "القناة الخلفية" التي "وثق" بها كلّ من الأمريكيين وصدام حسين لإنجاز إتصال مباشر، حتى في الأوقات التي كان فيها جنود المارينز يطوقون العراق. في 19/1/2003 يقدم "دونالد رامسفيلد" إقتراحاً كان بمثابة "نغمة نشاز" تخرج عن إطارأوركيسترا تعزف "ألحان" الحرب وتدق طبول الغزو:"إن الولايات المتحدة على إستعداد لمنح الرئيس صدام حسين، حصانة من أي مساءلة سياسية أو قانونية، إذا قرر الخروج مع أسرته، ومن يريد من أعوانه وأسرهم إلى خارج العراق، وفي هذه الحالة فإن الولايات المتحدة على إستعداد لأن توفر لهم ملجأً كريماً، وحياة سخية، وراحة موفورة". هذا ما قاله رامسفيلد حرفيّاً. "أوكلت" واشنطن أنقرة بالدعوة إلى إجتماع لإيصال "رسالة" إلى بغداد. عقد الإجتماع في أواخر شهر كانون الثاني 2003، وكان جوهر الإجتماع "مبادرة" رامسفيلد، وتأكيد حازم "ممنوع" معه على صدام حسين الشك بقدرة وقرار واشنطن بغزو العراق، وكان المضيف التركي شاهداً على محتوى ومجريات هذه الإجتماعات. طُلب من الموفد العراقي أن يعود بعد التشاور مع قيادته في بغداد، بردِ "عاقل ومعقول". عاد الموفد العراقي إلى الإجتماع اللاحق بردّ كان أبرز ما فيه سؤال يقول: هل أنتم مستعدون للتعامل مع "قصي صدام حسين" إذا تنازل والده عن الرئاسة؟ وهل تعترف واشنطن به في هذه الحالة، وتتعامل معه على أساس جديد في علاقات البلدين؟. وطار الموفد الأمريكي بإقتراح صدام إلى واشنطن. بدأ البحث عن سيناريو لإخراج هذه المحادثات بصيغة مبادرة سياسية "محلية، إنقاذية"، وأتفقت واشنطن وأنقرة أن تقوم الأخيرة بما يلزم "لتعويم" هذه المبادرة. إنطلق "عبد الله غل" رئيس الحكومة التركية حينها موفداً من قبل "رجب طيب أردوغان" رئيس الجمهورية، وزار الأردن والسعودية وسوريا وايران ومصر، وأقترح عليهم عقد إجتماع في اسطنبول كان جدول أعماله الفعلي مبادرة رامسفيلد الآنفة الذكر، إلا أن عدة دول عربية- ومصر في مقدمتها- رأت أن تكون المبادرة "عربية" ما يجعلها أقل "إستفزازاً" للعراقيين ورئيسهم، وهذا ما كان. 1/3/2003 تُعقد قمة عربية في شرم الشيخ، وتقدم دولة الإمارات "مبادرة رامسفيلد" بلسان عربي "مبين". مفيد أن أذكر هنا، أن الإقتراح "الإماراتي" صيغ في أنقرة، وشارك في صياغته "زلماي خليل زاده" مندوب البنتاغون لدى "المعارضة العراقية"، وقبلها لدى الحكومة الأفغانية قبل وبعد سقوط حكم طالبان، وتسلم الوفد الإماراتي المقترح وهم يهمون بركوب الطائرة!. * وفق الخطة الأمريكية لغزو العراق (الصخرة والثعبان) كان من المفترض أن الفرقة الرابعة الميكانيكية ستدخل إلى شمال العراق من تركيا، وكانت تركيا مرحبة، وبقوة، بهذه الخطة، ومستعدة للمشاركة بجيشها، ولكن مقابل ثمن!. إعتقد الأمريكيون بأن الثمن الذي يريده "عسكر" تركيا، سيكون رزمة من المساعدات المالية والعسكرية، لكن مع تقدم المفاوضات الأمريكية- التركية، ظهر "البدل" الذي تريده أنقرة. 1- تصفية بقايا حزب العمال الكردستاني التي لجأت إلى المناطق الكردية العراقية، بإعتبارهم يمثلون "خطراً" على وحدة الوطن التركي. 2- تصفية الدويلات الكردية التي نشأت في العراق عقب حرب 1991 برئاسة كل من جلال الطالباني ومسعود البرزاني، كونهم يمثلون "نماذج سيئة" أمام الكرد في تركيا. 3- "إستعادة" الموصل التي "إنتزعها" الإنجليز وفق معاهدة "مونترو" 1923 من ممتلكات الخلافة العثمانية ومنحوها للعراق، ولحماية الأقلية التركمانية هناك. كانت هذه المساومات تجري، وقد وصلت الفرقة الرابعة الأمريكية إلى الموانيء التركية، وتنتظر الإذن بالإنزال. تنبه الكرد إلى المكيدة التركية، وهدد جلال الطالباني ومسعود برزاني بمحاربة الجيش التركي إذا "دخل" إلى شمال العراق، فهو مَن سيمثل الخطر الداهم عليهم لا الجيش العراقي حينها، وحتى تحافظ واشنطن على "وحدة" التحالف، وخوفاً من الأطماع التركية، ونشوب صراع كردي- تركي ... قررت التخلي عن "شراكة" تركيا، وإعادة نقل الفرقة الرابعة إلى الكويت. * إستنتاجات نفسية وتاريخية تأسيسيّة: 1- تعيش تركيا أزمة هوية عميقة وخانقة، خصوصاً مع حكم حزب العدالة والتنمية، وثلاثيّه، غلّ وأردوغان وأغلو. فهي أوروبية تارة، ومشرقية تارة أخرى، علمانية في آن وإسلاموية في آن، دولة حديثة يوماً وإمبراطورية تحنّ إلى أيام السلطنة في يوم آخر، دولة مؤسسات هنا ودولة طائفية ومذهبية هناك، تروج للمواطنة في المشرق العربي وتفاوض "عبد الله أوجلان" من خلف القضبان في داخلها... وهذا الفصام سيفضي، حتماً، إلى إنفجار تركيا ذاتها. لذلك نرى تركيا تحاول أن تقوم بدور "الوكيل المحلي" لواشنطن بأقصى ما لديها خوفاً من تلك النهاية. 2- في كلّ مرة تحاول فيها تركيا أن تتصرف كإمبراطورية، تكتشف سريعاً، بأنها ما زالت ذلك "الرجل المريض" الممنوع عليه أن يتجاوز حدود "عجزه"، وأعراض مرضه، فتندفع أكثر نحو المزيد من الإلتحاق بواشنطن، والإنغماس أعمق بدور الوكيل، خوفاً من أن تواجه نفسها، وتتلمس ذاتها، وتحل مشاكلها، وتكتشف هويتها. 3- تعاني تركيا من عقدة نقص مركبة، تتمثل بمشاعر الإستعلاء تجاه محيطها العربي والإسلامي الذي كانت تحكمه وتديره يوماً، ورغبتها الجامحة بالعودة إليهمن جهة، ومشاعر الضعف المشحون بالحقد على الغرب الذي سلبها "إمبراطوريتها" ويرفض أن يجعلها جزء من فضاءه بالرغم من "الخدمات الكبرى" التي نفذتها لصالحه من جهة ثانية. من هنا نفهم بعض "التصرفات المتمردة" لتركيا، ثم ما تلبث أن تعود سريعاً إلى "خانة الوكيل" والرجل المريض، و"كلب العتبة" المطيع الذي لا يغادر فناء البيت إلا مجروراً بحبل صاحبه. * تركيا والشمال السوري: إزدادت نغمة التدخل التركي في شمال سورية في الفترة الأخيرة، وخصوصاً مع بدء حلف واشنطن توجيه الضربات الجوية والصاروخية لداعش والنصرة. فما هو مصير هذه الدعوات حسب المعطيات الميدانية والسياسية القائمة حتى اللحظة؟ 1- لا وجود لقوة دولية تحمل تفويضاً أمميّاً، لمحاربة داعش على الأرض. حتى يكون دخول الجيش التركي "شرعيّاً" يجب أن تكون هناك قيادة متفق عليها، وتحت علم الأمم المتحدة، تقود قوة عسكرية، وتنفذ قراراً أمميّاً لحارب داعش، وخلاف ذلك يعتبر غزواً صريحاً وعدواناً موصوفاً. 2- سيشكل غزو تركيا لشمال سورية- إن حصل- تطوراً خطيراً وإرتقاءاً كبيراً في مستوى الحرب عليها، حيث ننتقل من الحرب بالوكالة التي تخوضها واشنطن وأدواتها في المنطقة- ومن ضمنهم تركيا- على سورية عبر الجماعات الإرهابية، إلى حرب تخوضها القوى والدول الإقليمية مباشرة. 3- رفضت سورية والعراق أي وجود لقوات برية أجنبية على أراضيهما، ما أوصل جهود واشنطن ذاتها، وليس أنقرة فقط، إلى خلل كبير في إستراتيجية حلف واشنطن-في أي إتجاه كانت- فتركيا- لوحدها- عاجزة عن غزو شمال سورية، وأمريكا لا حشد كاف لها في المنطقة كي تساعدها، إن أرادت، وحلفاء واشنطن أضعف من إعلان هذه الحرب ولا يريدون لتركيا أن تكسب مجمل تحركهم –إن حصل- حيث هي الأقرب إلى ساحة فعل هذا الحلف، شمال سورية. 4- في طلب التفويض الذي تقدمت به حكومة أوغلو، وصادق عليه البرلمان التركي، ذكر بالنص " التغلب على كافة التهديدات التي تشكلها كافة التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا وتركيا"، ولا وجود لتنظيم إرهابي يعمل في تركيا غير حزب العمال الكردستاني! وهو ما فصله لاحقاً الرئيس التركي، أردوغان: لا فرق عندنا بين منظمة "بي كا كا"، وتنظيم داعش الإرهابيين. تأكد أكراد تركيا، ومثلهم أكراد العراق وسورية، بأن أردوغان قد يستغل أي "تطور ما" في مجريات الميدان ليفرض وقائع جديدة، ستكون حتماً على حسابهم، وهو ما حاول القيام به عند غزو العراق 2003، لذلك قال أوجلان "إن سقوط عين العرب يعني نهاية العملية السلمية"، وعقب زيارته لتركيا قال صالح مسلم منتقداً السلطات التركية: إن ما يجري في عين العرب مؤامرة ويدعو إلى المقاومة، كما قال قائد ميداني: إن جبل قنديل سيشتعل من جديد. 5- شكلت تجارب "الإدارة الذاتية" في الحسكة وعين العرب وعفرين، نماذج كردية سورية "سيئة" لأكراد تركيا. يشعر أردوغان وصحبه بالحرج من إستمرار هذه النماذج، في الوقت الذي "يُعدون" فيه لإطلاق "مفاوضات السلام" مع أكراد تركيا، فهي تمثل نموذج حيّ لما يمكن أن تنتهي إليه هذه المفاوضات من جهة، وفشله في جمع التأييد اللازم لإقامة منطقة عازلة شمال سورية "لإذابة" هذه الإدارة من جهة أخرى. 6- بمعزل عن ردّ الحكومة السورية وحلفائها، سيواجه أردوغان تحدّ ميداني مزدوج إذا غزا شمال سورية، مقاومة الأكراد الذين ينتشرون على ساحات واسعة من الحدود السورية التركية، وللجيش التركي تجربة مريرة مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل تركيا استمرّت لأكثر من 35 عاماً، فكيف سيكون قادراً على الإمساك بالأراضي السورية ذات الغالبية الكردية من جهة، ومن جهة ثانية، هل هو متأكد من عدم إشتعال الحرب الكردية التركية مرة أخرى، حينها؟. 7- التفويض الذي حصلت عليه حكومة اوغلو ليس جديداً، حيث إتخذ القرار "لقوننة" أي عملٍ عسكريٍ في العراق منذ 4 تشرين الأول 2007، ومنذ 15 تشرين الأول 2012 بالنسبة إلى سوريا، ويقوم البرلمان التركي في كل عام بالتمديد لهذا التفويض، الذي لم تضعه أنقرة موضع التنفيذ منذ تلك اللحظة. يقال بأن "الجديد" في التفويض، إعطاء الضوء الأخضر للقوات الأجنبية باستخدام القواعد العسكرية والتمركز في الأراضي التركية والمرور عبرها، وكأن هذه القوات كانت ممنوعة من الحركة قبل هذا التفويض!! حتى واشنطن أعلنت بأنها إستخدمت قاعدة "أنجيرلك" في ضرب داعش في العراق. 8- عملية للجيش العربي السوري فجر الجمعة الماضية، التي أحكم فيها السيطرة على قريتي حندرات وسيفات شمال المخيم أوقعت مسلحوا الميليشيات بين فكي كماشة حيث حوصروا فيه وعلى السفوح الشرقية تلة حندرات الاستراتيجية. العملية التي حملت عنصر المفاجأة بعد هدوء إستمر منذ تحرير سجن حلب المركزي، وفي لحظة تركيز الأنظار على غارات حلف واشنطن، وجهت ضربة قاضية لمخطط المنطقة العازلة التركي، حيث تمّ حصار نحو عشرة آلاف مسلح ينتشرون في أحياء حلب الشرقية كانوا سيشكلون عماد القوة التي ستملأ الفراغ الذي ينتج عن دحر داعش في شمال وشرق سورية، وتحت حماية مظلة المنطقة العازلة. ختاماً، نحن نعرف بأن واشنطن تحاول الإمساك بهذه الأرض بكل ما تملك من قوة ودهاء وإرهاب، ولكننا نعرف أيضاً بأن ما لديها من قوات في مشرقنا لا يخولها الحصول على ما تريد؛ بل إن إطالة زمن المواجهة يفقدها أكثر وأكثر ما تبقى لديها من عناصر القوة. ماذا تملك واشنطن من قوات قادرة على زجها في الميدان ساعة المواجهة؟ ليس أكثر من الحاضرين في إجتماع جدة الأخير، إلى جانب داعش والكيان الصهيوني. يبقى السؤال الأهم، هل واشنطن قادرة على فرض إرادتها بهؤلاء؟ في العراق، صار الجيش والحشد الشعبي وفصائل المقاومة على مشارف الموصل، وداعش تتراجع يوميّاً. في سورية، معركة السيطرة على أواسط البلاد، وربط دمشق بحلب تجري على قدم وساق، والعين على شمال سورية. لنفترض، مثلاً، أن القرار إتخذ غداً بشن هجوم شامل من مئات الدبابات والمدرعات السورية وألآف الجنود... إبتداءاً من شمال حلب – مع تعزيز الطوق الذي شكله الجيش العربي السوري حولها- حتى الحدود السورية التركية، مصحوباً بغطاء جوي على مدار الساعة، ومدعوماً بإسناد صاروخي ومدفعي مكثف... فأي خيار سيكون لدى واشنطن وأدواتها؟ وماذا لو توجهت مثل هذه القوة إلى الجولان؟ ألم يحصل هذا في الماضي؟ وماذا فعل الغرب حينها، وتركيا تحديداً؟ ما زال الأمس حيّاً يا أردوغان، فأحذر.

الملفات