2026-09-15 09:41 م

الأردن: موعد مع الإرهاب

2012-10-31
بقلم: ناهض حتر
11 أردنياً عادوا إلى البلاد، بعد قضاء دورة جهادية في صفوف «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا. هرّبوا معهم متفجرات حديثة فعالة وأدوات تفخيخ ورشاشات ومدافع هاون. الرجال ـــ وأسلحتهم ـــ اخترقوا الحدود في إحدى نقاطها الضعيفة، أو لنقل في ظل الأوضاع الحدودية الغامضة التي سادت زمناً في معابر اللاجئين والفارين والمنشقين.
خططوا لإعادة إنتاج مشهد من تلك المشاهد التي رأوها أو شاركوا فيها في الدورة الجهادية: انفجارات متتالية في مولات وسيارات مفخخة مركونة في نقاط مختلفة من حيّ عبدون الحيوي في عمان الغربية، سوف تحدث حالة من الهلع الأهلي والارتباك الأمني، خلالها تقوم مجموعة أولى بقصف أهداف دبلوماسية وحكومية بالهاونات، بينما تهاجم مجموعة ثانية أهدافاً أخرى ومواقع شرطية بالرشاشات. وستكون هذه العملية الكبرى المروّعة علامة بارزة على الآتي؛ يهتزّ الأمن وتنتهي حالة التعامل السلمي مع الاحتجاجات وتخرج البنادق من أوكارها، ثم يلتحق الأردن بـ«الثورة السورية».
جماعة الإخوان المسلمين سارعت إلى التشكيك في صحة المعلومات التي كشفتها الاستخبارات عن «الخلية الإرهابية» وخطتها. لكن سرعان ما فقد التشكيك الإخواني صدقيته؛ ففي وقت متأخر من ليل الأحد 21 تشرين الأول 2012، اشتبكت مجموعتان مسلحتان، إحداهما تتكون من 8 مقاتلين والثانية من 5 مقاتلين، مع الجيش الأردني على الحدود مع سوريا، وجرى اعتقال المجموعتين، لكن جندياً أردنياً سقط في القتال العنيف الذي دار مع المهاجمين.
تنظيم القاعدة الناشط في سوريا إذاً، يحاول الانتشار باتجاه الأردن؛ بدأ بإعادة أعضائه الأردنيين إلى بلدهم، ليس للراحة وإنما للعمل. وإذا كانت خلية القاعدة الأولى قد وقعت في قبضة الأمن، فمن الواضح أنّ البلاد قد وقعت في مجال النشاط الإرهابي؛ هل نحن أمام مظاهر عابرة متوقعة للفائض الإرهابي في سوريا، أم أنّه تقرر افتتاح جبهة جديدة في الأردن، تتفاعل مع حالة الاحتقان السياسي الداخلي؟
أعضاء خلية القاعدة التي وقعت في كمين استخباراتي، ليسوا من منتسبي التيار السلفي الجهادي الذي أعلن عن وجود 250 مقاتلاً من رجاله في مهمات في سوريا، من أصل عديد التيار البالغ 5000. وهو ما يشكّل جيشاً جاهزاً من الشبكات الإرهابية التي لا ينقصها سوى خلايا مؤهلة من القاعدة، تنظمها وتقودها وتجهّزها وتزوّدها بالمال والأسلحة والخبرات.
المسرح الأردني جاهز للعرض القادم: الصراع الاجتماعي يحتدّ. وهو مرشح للانفجار بسبب الإجراءات الاقتصادية المطلوبة من صندوق النقد الدولي. الخزينة مفلسة. مؤسسة الفساد ـــ التي تبين أنها بالغة الحصانة ـــ تثير حنق أقسام من شباب المحافظات المفقَرين والعاطلين من العمل، وتدفع بهم نحو التطرف، وسط مزاج معارض فقد قدرته على، أو يئس من البرامج المطلبية، واتجه نحو معاداة النظام وربما الدولة. المجتمع منشق طولياً بين كتلة أردنية متشربة بروح المعارضة الراديكالية وكتلة أردنية فلسطينية تتعمق في أوساطها مشاعر المظلومية، وتنحو نحو التطرف الديني في اتجاهاته السلفية الجهادية والوهابية والإخوانية. ووسط التنافس بين هذه التيارات، تراها تنزع إلى التداخل في ما بينها على مستوى الأفكار والقواعد والأنصار. هناك قوة صدْم جديدة تتشكل في البلاد، مؤلفة من عناصر حراكية متطرفة في المحافظات وعناصر دينية متطرفة في المخيمات، والرابط بينهما تنظيم لم يعد مقروءاً هو تنظيم الإخوان المسلمين. فجأة، لم يعد هؤلاء هم الإخوان المسلمون الذين طالما عرفناهم كحزب سياسي براغماتي قريب من النظام؛ إنهم تنظيم جديد تمور في داخله مؤثرات غامضة وتوجهات متطرفة ونبرة تحدّ وميول وهابية وتقارب مع الفكر السلفي الجهادي، رغم بل قل بسبب المنافسة مع السلفيين الجهاديين؛ فعندما ينفتح مزاد التطرّف الديني يخسر المعتدلون حتماً، وتبرز في صفوف المتنافسين ميول شديدة للمزاودة. وهكذا، سارع الفريق الصقوري من الإخوان المسلمين إلى تجاهل شركائه وإصدار بيان يدافع عن أعضاء خلايا القاعدة المعتقلين. وهو ما شكّل صدمة للرأي العام.
اعتبرت «الجماعة»، في بيانها، أنّ ما أعلنت عنه الاستخبارات حول إحباط عملية عبدون وضبط الخلية الإرهابية الراجعة من سوريا، مجرد «فبركة أمنية». وتجاهلت «الجماعة» الاشتباكات الحدودية مع خليتين أخريين، ولم تعزّ بالجندي الأردني الذي قضى في تلك الاشتباكات. بالمقابل، أدانت «الأساليب الخشنة» في التعامل مع معتقلي الخلايا الإرهابية، وطالبت بمحاكمتهم أمام القضاء المدني ووقف «الإجراءات الاستثنائية» المتخذة بحق السلفيين الجهاديين.
تقول الجماعة إنّ «الفبركات الأمنية» هدفها مداراة «حرج الحكومة أمام ملف الانتخابات، وما خالط التسجيل للانتخابات من اتهامات وتشكيك... الخ». إلا أن المراقبين لم ينظروا بجدية إلى هذا الربط؛ ذلك أنه إذا كان ملف الانتخابات يُحرج أحداً، فهو يُحرج «الإخوان» الذين شنوا حملة كبرى لمقاطعة التسجيل للانتخابات من دون جدوى، بينما يتشكل نوع من الإجماع على أن عملية تسجيل الناخبين كانت ذات صدقية، ولم يستطع «الإخوان» تقديم أي دليل ضدها. وواقع الأمر أنّ النظام هو الذي يحتاج، هذه المرة، إلى انتخابات معترَف بنتائجها لثلاثة أسباب هي: تلافي الضغوط الدولية، واستيعاب الحراك الشعبي في عملية سياسية، وعزل «الإخوان». وحول النقطة الأخيرة، يخشى سياسيون أردنيون مقربون من النظام أن تؤدي الهزيمة السياسية التي لحقت بـ«الجماعة»، إلى فتح الخطوط بينها وبين الجماعات الإسلامية الجهادية.
خاض إخوان الأردن، منذ ربيع 2011، محاولات حثيثة وجسورة، مستخدمين الضغوط الداخلية والخارجية، للتوصل إلى صيغة محلية من «الربيع العربي» الذي مكّن نظراءهم في عدة دول عربية من الفوز بالحكم أو بالشراكة في الحكم. وفي عدة لحظات درامية، حداهم الأمل بسقوط النظام السوري وانفتاح الطريق أمامهم للسيطرة على السلطة في الأردن. لكن طموحهم تراجع لاحقاً إلى مسعى مستميت لفرض نظام انتخابي يضمن لهم الأغلبية البرلمانية وتشكيل الحكومة. وقد كانوا يعتقدون أنّ من المستحيل البدء بعملية سياسية من دون مشاركتهم. لكن تلك العملية بدأت فعلاً، وتركتهم على الرصيف. وهو ما أطلق، في صفوفهم، نزعات الانفتاح على الجماعات المتطرفة وحتى الإرهابية.
لا يصدّق إخوان الأردن أنّهم بصدد خسارة المعركة. لكن أغلبية الأردنيين انحازت، في النهاية، إلى الانخراط في عملية سياسية، ينظرون إليها كمخرج من القلق على الكيان والأمان، بأكثر مما يأملون فيها ومنها. بذلك، سيطرت على «الإخوان» مشاعر العزلة والإحباط، وتحولت أقسام من قواعدهم إلى حاضنة خصبة للإرهاب.
السباق الرئيسي في الأردن اليوم هو بين نجاح الإرهاب وبين نجاح العملية السياسية. ونتيجة السباق ليست مضمونة. صحيح أنّ للأجهزة الأمنية الأردنية ميزات عن نظيرتها السورية، تتمثل في الكفاءة والحداثة التقنية وتكتيك الاقتصاد في القمع والصلابة ضد الاختراق والرشى، إلا أنّ إفشال الإرهاب هو في النهاية شأن سياسي بامتياز. وفي السياسة، هناك ست قضايا أساسية من شأنها أن تعصف بمعادلة الاستقرار الحساسة. أولاً، حصانة مؤسسة الفساد الكبير في مقابل إفقار الأغلبية، في ظل ظروف العجز المالي وغياب المشروع التنموي. ثانياً، العلاقة الخاصة الاضطرارية مع السعودية التي تمثّل الراعي العربي الرسمي للوهابية والسلفية الجهادية. ثالثاً، السياسة الغامضة المتبعة، خلال السنتين الماضيتين، إزاء السلفية الجهادية، بما في ذلك ما جرى منحه لبعضهم من تسهيلات مكّنتهم، خلال الفترة السابقة، من الظهور العلني محلياً وإرسال مجموعات المجاهدين إلى سوريا، كذلك، لا ننسى المحاولات الحمقاء لاستخدامهم ضد الإخوان المسلمين. وهو ما عزز مواقعهم وجرّ قسماً من «الإخوان»، بالمنافسة الميدانية، إلى الاقتراب من الدائرة الفكرية والسياسية للسلفية الجهادية. رابعاً، السماح بإطلاق ثقافة تمجيد الإرهاب والخلط بينه وبين الثورة. ونسجل هنا أن الحكومة الأردنية لم تدن، أبداً، العمليات الإرهابية في سوريا، بينما أطلقت العنان للاعتصامات والنشاطات والكتابات والتغطيات المؤيدة للإرهاب في البلد الشقيق. وقد شكّلت أشهر من الضخ الثقافي الإرهابي اليوميّ مناخاً ثقافياً ونفسياً يتقبل الأعمال الإرهابية كوسيلة للاحتجاج ويساوي بين الإرهابيين والثوار، في خرق صريح لـ«قانون مكافحة الإرهاب» الذي يجرّم الفاعلين والمحرضين والداعمين والمؤيدين للإرهاب داخل الأردن أو انطلاقاً منه. وهو قانون يُفعّل، انتقائياً، وفي حالات المقاومة. خامساً، التعاون الغامض، في أوقات سابقة، مع الاستخبارات التركية لتجنيد ليبيين في الأردن وتسفيرهم إلى سوريا عبر تركيا، واللقاءات مع قيادات من إخوان سوريا وقوى مسلحة أخرى والتعاون معها... الخ، ما خلق مجالاً لضخ الدماء في الثقافة والخلايا الإرهابية المحلية. ومن المرجح أنّ كل ذلك قد تراجع الآن، لكن آثاره تبقى وترتدّ محلياً. سادساً، الوجود العسكري والأمني، الأميركي والأطلسي ـــ المحدود، ولكن القابل للتوسع ـــ والمبرّر بحجة التدخل، عند سقوط النظام السوري، لتأمين الأسلحة الكيماوية، لعب ويلعب أدواراً مريبة في مساعدة المسلحين السوريين، ما يخلط الأوراق ويحول دون وضوح الرؤية وتعيين العدو من الصديق.
المسرح مهيأ إذاً. ويبقى السؤال حول ما إذا كان النزوح الإرهابي إلى الأردن، يتم في سياق اندفاع ذاتي للقاعدة، أم أنه يشير إلى ما هو أبعد من ذلك، أي إلى قرار إقليمي أو دولي بإشعال الساحة الأردنية. إقليمياً، يُخشى من التفاهم الغامض، الخليجي ـــ الإسرائيلي، على خطة لإخضاع عمّان لمشروع الكونفدرالية مع أجزاء من الضفة الغربية ـــ وللدقة، مع الكتلة السكانية الضفاوية ـــ بما ينهي متعلقات القضية الفلسطينية، ويفتح الباب أمام علاقات سلام وتعاون علنية، خليجية ـــ إسرائيلية؛ السعودية سوف تنال منطقة نفوذ في كونفدرالية الأردن وبقايا الضفة، بينما بدأ النفوذ القَطري يتموضع، فعلاً، في غزة التي كرّست زيارة أمير قَطر لها، انفصالها الذاتي في إمارة مرتبطة بالشراكة بين الإخوان المسلمين والدوحة.
على المستوى الدولي، سيظل الحلف الأميركي ـــ الأطلسي، يقاوم، حتى الرمق الأخير، الخضوع لمتطلبات التسوية في سوريا. وكل المؤشرات تدل على أنّه مستمر في تحضير الميدان للتوسع في المجابهة مع النظام السوري وحلفائه. وإذا اتجهت التطورات اللاحقة نحو الصدام، فسوف يغدو استمرار إقفال الحدود الأردنية ـــ السورية، على الحركة الحرة للمسلحين والسلاح، معرقلاً جدياً لاستكمال الحرب على دمشق التي لا تزال تتمتع بقدر كبير من الاستقرار والقوة في المنطقة الجنوبية. فعلى رغم أنّ الأحداث الدامية في هذا البلد انطلقت من درعا وريفها، فقد غدا واضحاً، منذ وقت ليس قصيراً، أنّ التمرد المسلح في هذه المحافظة، لا يزال محلياً ومحروماً من الدعم اللوجستي والتسليحي والاستخباري، على العكس مما هو حاصل في الشمال السوري.
احتمالات الانفجار الإقليمي الواسع ـــ انطلاقاً من تفاقم الأزمة السورية ـــ لم تُغلَق بعد. ومن الواضح أنّ التحضير للحرب يسبق، ربما بفعالية أكبر، التحضير للتسوية؛ زوّدت واشنطن، الجماعات السورية المسلحة، حسب الاتهام الروسي الصريح، بصواريخ «ستينغر» المضادة للطائرات، بينما زودت الأردن، وفقاً لصحيفة لو فيغارو الفرنسية، بمنظومة صواريخ من طراز «هيمر» قادرة على «مواجهة وتدمير فرقة عسكرية كاملة»، غير أن التدخل الأميركي في القرار الميداني على الجبهة الأردنية، لا يزال، رغم ذلك، ملجوماً. وهو ما يثير حيرة المراقبين إزاء اللعبة الشديدة الخطورة التي تلعبها عمان للحصول على أسلحة أميركية حديثة من دون أن يكون لديها، بعد، القدرة السياسية على الضلوع في تدخل حربي ضد سوريا. وعلى العكس من كل المظاهر، لا تزال الآلة الأمنية والعسكرية الأردنية تعمل، فعلياً، لصالح دمشق، واضعةً نصب عينيها هدفاً مركزياً هو منع الحراك الإرهابي إلى سوريا ومنها. فيا له من مشهد مرعب تسير فيه البلاد كلها على حبل مشدود؛ هل تصل إلى ميناء الأمان بانعقاد التسوية الدولية، أخيراً، للأزمة السورية، رفقة نجاح العملية السياسية الداخلية؟ أم تهوي في جحيم الإرهاب أم في جحيم الحرب أم في كليهما؟
في كل الأحوال، هناك في سوريا اليوم، فائض من الإرهابيين الذين جددوا نشاطهم وتمكنوا من المزيد من التدريب والتأهيل، وحصلوا على تقنيات تدمير أحدث وقدرات تسليحية ومالية وأجهزة اتصالات وعلاقات مستجدة متشعبة مع قوى «وسيطة». وقد أتاح لهم التوطن في مناطق سوريا عديدة تكوين وتجديد الشبكات الإرهابية التي بدأت، بالفعل، تبحث عن فرص توسيع نطاق عملها في المنطقة. ويشكّل الأردن مجالاً حيوياً لنشاطها بسبب ظروف الأزمة الاجتماعية السياسية الداخلية، وتوفّر المناخ الثقافي الملائم والحواضن اللازمة للإرهابيين. تتيح جغرافية الأردن للجماعات الإرهابية، خلق مثلث حيوي دوّار بين سوريا والأردن والعراق، بل والارتداد على داعميهم في السعودية، وتهديد الخليج. فالإرهاب ليس مجرد أداة تستخدمها ثم تلقي بها جانباً، إنه نتاج عملية اجتماعية سياسية ثقافية معقدة، لها منطقها الداخلي ومحفزاتها الذاتية. وهؤلاء الذين خلقوا الوحش لتدمير سوريا، سيواجهونه، عما قريب، في غرف نومهم. 
عن "الاخبار" اللبنانية