2026-09-13 12:11 ص

اللذة النبيلة ...متعة كريمة !!

2014-09-09
بقلم: إبتسام نصر الصالح *
نحن السوريين صارت أحاديثنا شئنا أم أبينا تنقسم إلى فترتين ، الأحاديث التي تشتمل على الذكريات الجميلة تعود بتاريخها إلى ما قبل الحرب على سورية التي شنتها إسرائيل عبر توابعها ومربيتها أمريكا هذه الحرب التي بدأت عام 2011 تحت مسميات عديدة ولكنها بكل الأحوال استهدفت سورية حضارة وحياة، والأحاديث التي تتسم بالأمل والرجاء للخلاص من تبعات هذه الحرب المستمرة عبر الإرهاب بكافة صوره من داعش وجبهة النصر والوهابية التكفيرية ...الخ ، هذه الأحاديث هي معاصرة لهذه الحرب منذ أربع سنوات. لذلك صار لابد من التنويه إلى ما قبل وخلال سنوات الحرب. *لذة المعرفة نبيلة لدرجة الكرم: ما الذي يميِّز لذّة المعرفة عن غيرها؟!!! حين تتناول وجبة طعام لذيذة وتتحدث عنها لصديق لا يمتلك ثمن هذه الوجبة فهل يتمكن من مشاركتك لذة طعامك؟ بالطبع لا. وسأحكي لكم أصدقائي القرَّاء عن رحلة جميلة بل رائعة كانت بالضبط قبل الحرب على سورية بعشر سنوات حين انطلقت إلى سرغايا برفقة مجموعة من طالبات مكفوفات يدرسن في جامعة دمشق وهن من دمشق وحماة وحمص ودرعا والسويداء ، وتابعت الرحلة في قطار قديم كان ينطلق من محطة الحجاز في دمشق باتجاه الغوطة بكافة مناطقها نبع الفيجة ونبع بقين ...الخ وكم كنت أشعر بلذة الرحلة حيث الهواء النقي المنعش والمناظر الخلاَّبة على طرفي الطريق التي تحف بالقطار وهو يمشي الهوينى بين الأشجار الكثيفة والمنتزهات والمقاهي الشعبية وأذكر أن إحدى الطالبات سألتني ماذا ترين في بداية الرحلة فرحت أحكي لها عن كل شيء طوال مسيرة القطار وحين لوَّح بعض الأطفال بأيديهم للقطار لدى مروره بقربهم وصفت للصديقة المكفوفة المشهد فما كان منها إلا وأخرجت يدها من نافذة القطار ولوحت بها مبتسمة للأطفال ترد لهم التحية بأحسن منها وهذه الصديقة التي أحدثكم عنها هي مكفوفة كلياً، أصدقكم القول أنني عاجزة عن وصف متعتي في تلك الرحلة برفقة الطالبات المكفوفات فالغناء كان بصوت إحدى المرافقات لهن وهي طالبة من السويداء أخذت تغني لأسمهان والأحاديث الجميلة، وتلك الفواكه اللذيذة التي اشتريناها من أصحاب البساتين وغسلناها بمياه نقية باردة ومنعشة وتلذذنا بتناولها مباشرة دون صحون ولا أدوات مائدة ، كل شيء كان طبيعياً ساحراً ، ولكني محال أستطيع أن أجعلكم تشعرون بلذة هذه الرحلة ومتعتها مهما حدَّثتكم أو وصفت لكم لأنها أمر فردي شخصي وذاتي، ولو عاد بنا الزمان عشر سنوات وقمتم بذات الرحلة وإلى ذات الأمكنة وبذات القطار فمن المحال أن تشعروا بذات اللذة والمتعة لأن هؤلاء الصديقات المكفوفات كان لرفقتهن في الرحلة حالة خاصَّة جداً ونادرة أيضاً. وبالمقابل أصدقائي قرَّاء هذا المقال أخبركم أنني قضيت شهر رمضان المبارك هذا العام برفقة القرآن الكريم فكانت رحلتي خلال الشهر تتسم بلذَّة المعرفة التي ما بعدها لذَّة ولا قبلها لذَّة كنت أقرأ يومياً السور القرآنية البهية التي تمنحني شعوراً بالامتلاء المعرفي والمتعة الخاصَّة حيث أتنقل في ربوع القرآن فأشعر بهدوء الروح وصفاء النفس والسلام الذي أرجوه لكافة بلادي ومواطنيَّ السوريين أينما كانوا في العالم ، وأقول لكم الحقَّ أن اللذة التي شعرت بها خلال رحلتي الرمضانية برفقة القرآن الكريم يمكنكم الشعور بها في أي وقت بمجرَّد أن تتخذوا قراركم بالقراءة لهذا الكتاب العظيم بل إنه معلِّم حقيقي للغة العربية ومحرِّك للتساؤلات وللفكر وللبحث المستمر وهذه المتعة النبيلة ستشعرون بها لدى القراءة في كتاب تختارونه ويمكنكم إعارته لصديق حدثتموه عن الكتاب بعد قراءتكم له وسوف يستمتع كما استمتعتم بذات الكتاب وهذه هي المتعة الكريمة التي تبتعد عن الأنانية والتملُّك والذاتية والشخصية. ولأنَّ المعرفة لذَّة نبيلة فلا يحق لأحد أن يتباهى على الآخر بها بل عليه أن يشاركه بها عبر حديثه عنها ليحثَّ الآخر على السير على ذات الدرب ليقرأ ويستمتع بهذه المعرفة التي تصل حدَّ الكرَم حين يقدِّم إنسان كتاب قرأه لصديقهِ حين يشعر أن هذا الصديق لن يتمكن من اقتنائه. ولأن الكلمة الطيبة خير للناس فهي قادرة على جمع شمل الناس حول فكرة نبيلة أقول لكل من يصله هذا المقال: لا تتباهى بما لديك من معرفة بل امنح أفكارك بسخاءٍ للآخرين، ولا تتباهى بما تملك من كتب بل امنح أصدقاءك بعضاً من هذه الكتب وشاركهم بها ، تحدَّث عن لذَّة المعرفة ومتعتها لتكون كلمة طيبة تنتشر بين الناس فيسيروا على دربك الجميل صوب نبعٍ نقي جميل منعش للروح ومخلِّص للنفس من رواسب متراكمة عبر الزمن. هكذا يمكن للكلمة الطيبة أن تنشر عبير المعرفة في أجواء الحياة لتذكِّرنا جميعاً أننا أبناء سورية الحبيبة نبع الشمس والحضارة والمعرفة، ومهما تكالبت قوى الشر علينا سنبقى نحن السوريين ننظر بكبرياء ومحبة إلى الأعالي حيث يرفرف علم الجمهورية العربية السورية بألوانه الأحمر والأبيض والأسود ونجمتيه الخضراوين ، معلناً للعالم أجمع أن ها هنا سورية وطن السلام.