2026-09-13 01:12 ص

الأسد واللورد "ولينجتون"

2014-09-04
بقلم: سمير الفزاع
لم يحدث وأن إستأذنت الريح الأرض ، بما ساقته إليها من بذور حملتها من مسافات قد تكون بعيدة جداً ، وألقتها على ظهرها . بالأمس كانت بذوراً ، واليوم أشتال وأشجار . بعضها جذوره لم تبتعد عن السطح ، وبعضها الآخر "غاص" بعيداً في الأعماق . وحدها الريح "تعلم" ماذا "بذرت" ، ووحدها الأرض ستواجه تلك "الحمولة" التي صارت لها "غطاءاً" ، فمنحتها ، شكلها ، ولونها ، وثمارها . هذا ما يمكن أن يحدث لنا ، إن تركنا أرضنا بلا سياج يحميها ، وبلا غرس نزرعه بأيدينا ؛ فيعطي وطننا شكله ولونه وثماره التي نريد . اليوم ، حملت لنا ريح السموم ، بذار عرفنا كنهها ، وشاهدنا لونها ، وعرفنا ثمارها . إنها بذار مشوهة ، قاتمة ، مظلمة ، موحشة ، مجرمة ، يدعونها داعش . عندما غزا نابليون مصر في القرن التاسع عشر ، إدّعى الإسلام ، ولكنه عندما وصل أسوار القدس أطلق ندائه الشهير إلى يهود العالم ، "من نابليون بونابارت القائد العام للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في افريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين ... إنهضوا بقوة أيها المشردون في التيه ، إن أمامكم حرباً مهولة يخوضها شعبكم بعد أن إعتبر أعداؤه أن أرضه التي ورثها عن الأجداد غنيمة تقسم بينهم حسب أهوائهم ... إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به ، ويمشي بالنصر أمامه وبالعدل من ورائه ، قد إختار القدس مقراً لقيادته ، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي إستهانت طويلاً بمدينة داود وأذلتها" . كان نابليون يعلم ، بأنه لم يكن في فلسطين حينها إلا 1800 يهودي ، 300 منهم فقط يعيشون في مدينة القدس ، بعد إطلاعه على تقرير أعده له ضباطه بناءاً على أوامره . في العقدين الأولين من القرن العشرين ، ظهر في المشرق العربي ثلاثة وعود دفعة واحدة ، لثلاث جهات مختلفة ، من قبل دولة واحدة . وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود ، ووعد من المكتب البريطاني في القاهرة للهاشميين بإنشاء مملكة عربية تمتد من الحجاز حتى جبال طوروس ، ووعد من مكتبها في الهند بإنشاء مملكة لآل سعود في نجد والحجاز . "وفت" لندن بوعدين من الثلاثة ، وطن قومي لليهود في فلسطين ، ومملكة لآل سعود في نجد والحجاز ، وخدعت الشريف حسين ؛ لأن وعدها له تعارض مع إقامة الكيان الصهيوني ومملكة آل سعود من جهة ، ولأن مكتب القاهرة فشل في معركة إقناع لندن بإقامة المملكة العربية أمام مكتب الهند من جهة ثانية . لقد "صُبغ" المشرق العربي لقرن كامل بإنشاء لندن لهذين الكيانين ، الكيان الصهيوني ، ومملكة آل سعود ، لقد كانت ريح لندن ، قادرة ، قاهرة ، خبيثة حتى العظم ، وأرضنا ضعيفة ، قاحلة ، واهية ، حدّ الإستسلام . في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ، ثلاثة مقولات ، كانت كفيلة بتغيير وجه المنطقة بصورة دراماتيكية . لقد حملت في عناوينها وثناياها ، مخاطر وجودية على وعدي بريطانيا في المشرق العربي . مقولة "ذهب زمن الهزائم وجاء زمن الإنتصارات" التي أطلقها السيد حسن نصر الله بعد أن هزّ وشريكه الكامل في حرب تموز ، سورية ، بعمق وعنف ، وعد بلفور من جذوره حتى بات الحديث عن بقاء هذا الكيان وإستمراره أمراً يُشكك فيه حتى الصهاينة أنفسهم . وما زال هذا الوعد صادقاً ، متجذراً ، متنامياً ، وآخر إختبار كان في حرب غزة الأخيرة ، والتي تشبه جداً تفاهم نيسان 1996 في جنوب لبنان ، والذي أسس للإنسحاب الصهيوني من جنوب لبنان في العام 2000 . العبارتان الثانية والثالثة ، جاءتا من دمشق ، وعلى لسان الرئيس بشار حافظ الأسد ، "البحار الخمسة" ، و"أنصاف الرجال" . يخطيء من يظن أن لهاتين العبارتين حيزاً منفصلاً عن عبارة السيد حسن نصر الله ، إنهن يشكلن منظومة واحدة معاً . لقد ضربة مقولة "أنصاف الرجال" الوعد البريطاني لآل سعود بإنشاء مملكة على "مقاسهم" في الصميم ، بعد موقفهم المتآمر ، وشراكتهم الفعلية ، في حرب كيان وعد بلفور على لبنان صيف العام 2006 . ومقولة "البحار الخمسة" ، مشروع نهضوي ، تحرري ، تأصيلي ، ولن يكون ذا مصداقية ، وجذور حقيقية إن لم يقتلع هذا الكيان الصهيوني . إنها محاولة جادة ، وجريئة ، ومحليّة ، لبذر أرضنا وزراعتها بما نريد ، في زمن صار فيه قمح خبزنا يأتينا عبر البواخر ، وبالقدر الذي يسد الرمق لفترة وجيزة من الزمن لا أكثر . ربما لهذا ، كان القمح في مقام السلاح لدى الراحل الكبير حافظ الأسد ، وخليفته ، أسد "البحار الخمسة" . عندما حاول محمد علي إنشاء دولة قوية ، مقتدرة ، آمنة ، تأكد بأن مصر لوحدها وإعتماداً على حدودها لن تكون كذلك ، فأرسل إبنه إبراهيم في حملة عسكرية إلى برّ الشام ؛ التواق إلى إحياء العلاقة التاريخية الخاصة مع القاهرة ، حتى وصل إلى حدود نصيبين مع السلطنة العثمانية . أيقظت هذه الحملة مخاوف الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، وأقترح اللورد "ولينجتون" قائد الجيوش البريطانية وقاهر نابليون في معركة "واترلو" الفاصلة ، مواجهة محمد علي بإستراتيجية بسيطة ، واضحة ، وخطيرة ، من ثلاثة مراحل : إخراجه من سورية ، وإحتواؤه في مصر ، وإنشاء "جدار عازل" بين البلدين . لم يخرج كلّ الغرب ، عن إستراتيجية "ولينجتون" منذ تلك اللحظة حتى اليوم ، وربما إزداد تمسكه بها مع الوقت . في العام 1985 جاء رفيق الحريري ليلتقي الراحل الكبير حافظ الأسد ليبلغه رسالة من ملك آل سعود ، فهد . كانت الرسالة عبارة عن عدد من الأمنيات والأسئلة ، منها ، ما هو "الثمن" الذي يمكن أن تقبل به سورية "لفك" تحالفها مع إيران . قال له الإستراتيجي الكبير حافظ الأسد : إعيدوا لي مصر لتستقيم موازين القوى في المنطقة ، ايران حليف وصديق ، وستكون إلى جانبنا عندما يخوننا العرب . كان يعلم أن من "أسر" القاهرة لن يتخلى عنها أبداً ، وأن التحالف الذي نسجه مع جمهورية الثورة الإسلامية في إيران – وسورية أول من اعترف وكان لها دور حاسم في نجاحها - سيكون إستراتيجيّاً في عالم الوم والغد . تكرر نفس المشهد ، وإستحضرت إستراتيجية "ولينجتون" في المقلب الآخر من المشرق العربي ، فأخرجت سورية من العراق بعد محاولات الوحدة التي قادها الرفيق حافظ الأسد مع العراق ، وأعدم أحد عشر من أعضاء قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الإشتراكي ، وحاولوا إحتواء سورية بإشعال حرب "إخوان الشياطين" وتحريك وعد بلفور لغزو لبنان ، وكان صدام حسين – علم أم لم يعلم - الحاجز الثقيل ، المحارب ، المُعادي ، الذي فصل بين دمشق وبغداد وطهران . إستمرت هذه الحال حتى إحتلال بغداد في نيسان 2003 ، فأصبحت واشنطن بذاتها ، ذلك الحاجز ، وهو ما يفسر إفتتاحية كولن باول لكلامه مع الرئيس بشار حافظ الأسد " أما وقد أصبحنا جيرانكم ..." . جعلت دمشق وطهران من إحتلال واشنطن لبغداد ، المأزق الذي كاد يودي بها . إقترح تقرير بيكر – هاملتون ، الإنسحاب من العراق بالتنسيق مع دمشق وطهران ، كابرت واشنطن ، ثمّ رضخت صاغرة . وجدت واشنطن بأن إنسحابها من بغداد ، ترك طريق الحرير بلا حاجز أو "قطاع طرق" حتى ، تقف في وجه "القوافل" التي تحمل شتى "البضائع" ، ما أعاد الحياة إليه ، وجعل من محور دمشق - بغداد - طهران ، الخطر الأبرز في هذه المنطقة . إنها كارثة محققة أصابة عدة جهات دفعة واحدة في مقتل ، كيان وعد بلفور ، مملكة آل سعود ، أحلام السلطنة وأوهامها في إسطنبول ، باريس صاحبة رسالة نابليون ، لندن حيث إستراتيجية "ولينجتون" ، واشنطن التي ورثت المستعمرات البريطانية وإستراتيجياتها في المنطقة . إذا ما نظرنا إلى هذه الدول والكيانات الملحقة بها ، سيكون مفهوماً أكثر ، لماذا تقف على رأس الطابور الذي يحارب سورية . وسيكون مفهوماً أيضاً ، لماذا ندعو الحرب التي تواجهها سورية ، بالكونية . وسندرك حينها ، أي قائد هو بشار حافظ حافظ الأسد . نحن أمام فرصة نصر تاريخي يصعب تكرارها ، وإلا سنعاني من هزيمة يصعب الوقوف بعدها ، والفيصل بين الحافتين ، أن ينتصر هذا الرجل على "أنصاف الرجال" ومن يحركهم ، ويحطمّ سدّ اللورد ولينجتون ، ويتوج "زمن الإنتصارات" بفضاء البحار الخمسة .

الملفات