2026-09-13 05:58 ص

ما يرهب إسرائيل

2014-08-05
بقلم: منير الإدريسي 

التاريخ لم يعد أنيقا في تعامله مع القضية الفلسطينية لسببين رئيسيين في رأيي: القدرة على الرؤية الإستباقية لإسرائيل والقوى الكبرى الداعمة لها في العالم من جهة، و التخبط العربي في بنيته الثقافية المتكلّسة من جهة ثانية. إن قوة إسرائيل ومن يدعمها لا تتمثل في القوّة العسكرية والسياسية فقط من المنظور البسيط للأمور، كما أن التخلف العربي في مواجهته لقوى الظلم لا يقف عند ضعف قدراته العسكرية وشح مصادر دعمه السياسي هنا أو هناك. إن مسألة القوة تتجاوز كل تلك الأحكام التقليدية بشأن صراع بين شعبين على أرض واحدة، شعب قوي يملك ترسانة عسكرية عظيمة مقابل شعب يكاد يكون أعزل من السلاح، ومن ثمة فانتصار الأقوى هو ضرورة حتمية لا جدال فيها؛ بل إن الأمر غاية في التعقيد ويحتاج قدرا أكبر من التمحيص والذكاء السياسي والعمق الفكري إزاء أساليب ماكرة وخطوات ثابتة ومدروسة لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تحديدا لتفكيك الشرق الأوسط وإضعافه وبلقنته بناء على الوهن المستتر في الكيان العربي والذي احتاج إلى نكز خفيف ليبدو ظاهرا ويستشري كالسم في مفاصله وبالتالي يقوم بدور المساعد في إتمام العملية الساتانية التي تبتغي تقسيم العالم العربي و إضعاف الحق الإنساني للفلسطينيين في تكوين دولة متكاملة المعالم إلى جانب إسرائيل.

لقد بدت فعليا بوادر إضعاف القضية الفلسطينية في الوقت الذي فطنت فيه إسرائيل إلى الدور الخطير الذي بدأت تلعبه السلطة الفلسطينية شيئا ..فشيئا في إسماع صوتها لدى الرأي العام العالمي والذي بدأ يلقى تجاوبا فعليا من طرف المنظمات الإنسانية العالمية و داخل قباب البرلمانات الأوربية وتعاطفا غير مسبوق بفعل توضيح المسألة الفلسطينية التي جرى الإعلام الغربي على تدليسها أكثر من مرّة، وقد كان لبادرة السلام الدور الفعلي في ذلك في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الذي جمع في لقاء تاريخي كامب ديفيد 2000 بين الزعيم الراحل ياسر عرفات و إسحاق رابين الذي تمت تصفيته فيما بعد بسبب تلك المصافحة الشجاعة.

فالسلام لم يكن ولن يكون أبدا في مصلحة إسرائيل، والسعي الفلسطيني غير المسبوق من حيث إحلاله وبناء دولة مدنية ديمقراطية فلسطينية بمختلف مؤسساتها معترف بها من لدن دول العالم كان هو ما يقض مضجع الصهاينة وليست صواريخ القسّام.. إن ما يرهب الكيان الصهيوني ويحدّ من أطماعه الجيو سياسية التي تغذيها فكرة شعب الله المختار يتمثل في وضع شعب في العراء داخل كيان مؤسساتي معترف به من لدن الأمم المتحدة بحدوده الجغرافية ورمزية علمه الموحد الذي لا يقبل التمزيق ولا التفريق بين الضفة والقطاع. إن ما يرهب فعلا الكيان الصهيوني هو فكرة الدولة الفلسطينية التي تلزمُ الطرف الآخر باحترام سيادتها وتجبره على ذلك، كما تلزم العالم بالنظر إلى عدالة قضيتها من المنظور التاريخي والإنساني والحضاري وهو بلا شك العامل الذي من شأنه أن يحرج إسرائيل ويجعلها تفكّر أكثر من مرة في الإقدام على أي تهوّر عدواني يضعها في مأزق وبكبدها سمعتها كدولة مدنية تراعي حقوق الإنسان أمام الرأي العالمي. لذلك بدأ التخطيط لعرقلة المشروع الفلسطيني في بناء الدولة، وتقويض تلك الفكرة التي توحّد حولها الشعب بوجود شخصية رمزية متمثلة في شخص ياسر عرفات (أبو عمّار) بتمزيق هذه الوحدة، واستهداف أركانها. لذلك بدأت إسرائيل تبحث عن الذرائع تلو الأخرى لعزل ياسر عرفات الممثل الرئيسي والرمزي للقضية الفلسطينية. ففي العام 2003 تزايدت ضغوط شارون على أبو عمّار لدفعه إلى الخروج من المسرح السياسي بتقديم استقالته أو ترحيله من البلاد وكانت توجه للزعيم التاريخي مسؤولية عرقلة سير المفوضات التي تتم بمباركة الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الأطراف العربية والدولية دون أي مبرر مقنع، مع أن ياسر عرفات كان أوضح من الإسرائيليين في نهجه للسلام، سلام الشجعان كما كان يردّد. لكن إسرائيل وجدت نفسها في وضع محرج بوجود شخصية تتلمس خطواتها بثقة ورغبة لا لبس فيها إلى إحلال السلام بالشرق الأوسط وإقامة الشبح المخيف: الدولة الفلسطينية واستكمال مؤسساتها وبنائها النهضوي الذي كان يحلم به كل فلسطيني حر مع التمسك بثوابت الحقوق. ،لذلك ما برحت تسارع بضرورة استبعاد رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، بعدما فشلت سابقا في مساعيها أكثر من مرّة في خلق شرخ بين السلطة وحماس، أو تحميل عرفات مسؤولية أفعال هذه الأخيرة لعرقلة المفاوضات، وبدأت توقعات تبخّره من ساحة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تزداد علنا، وتتكهّن بها أجهزة الدولة الإسرائيلية حيث توقع رئيس الـموساد الـمستقيل إفرايم هاليفي" اختفاء عرفات " بطريقة أو بأخرى "عن الـمسرح خلال عام 2003 . و توقع الرجل الأول في الـمخابرات العسكرية الإسرائيلية أن "يتبخّر" عرفات قبل نهاية عام 2003، و أقدم شارون في أيلول/سبتمبر 2002 على خطوة ذات إشارة واضحة تمثلت في تعيين الجنرال الاحتياط " مائير داغان" رئيساً للـموساد. وهو أخصائي في "التصفيات"، قاد منذ 1970 وحدة الكوماندوس الخاصة "ريمون"، التي وضعت تحت إشراف شارون ــ قائد الـمنطقة الجنوبية للبلاد في ذلك الوقت ــ وهي وحدة مكلفة باغتيال الفلسطينيين"الـمطلوبين بتهمة الإرهاب". 
وجّهت إسرائيل كل جهودها لتنحية الرئيس الفلسطيني الشرعي والرمز، لأن غيابه يحقّقُ الأجندة الإسرائيلية الإستباقية في قلب أوضاع اللعب على الرقعة الدبلوماسية ومواجهة فلسطين جديدة، فلسطين منهكة بالصراع الداخلي والتطاحن الأهلي، فلسطين يُمكن قذفها بالقنابل العنقودية بدعوى اجتثاث الإرهاب وإرسال صور جهاديّ حماس في تطابقها الشكلي مع الحركات الأصولية الإرهابية إلى العالم، ممّا يُظهر إسرائيل الدولة الديمقراطية في مواجهة الإرهاب الإسلامي الذي يهدّد استقرار وأمن الدول. وأن إسرائيل تواجه من جهتها حربا على الإرهاب كما هو الشأن في باقي أنحاء المعمور ممّا يسمح لها بإيجاد مبرّرات في دكّ القرى والمدن الفلسطينية بالصواريخ فوق رؤوس المواطنين الأبرياء.

وقد نجحت فعلا إسرائيل اليوم إلى حدّ ما، منذ انطلاق عملية الجرف الصامد في هدفها ذاك، وهذا ما عبر عنه السفير الإسرائيلي في بريطانيا لإحدى الصحف حين قال: "إن وضع إسرائيل حتى في أوساط الرأي العامة والصحافة في بريطانيا وغيرها ليس سيئا جدا". أو كما نقل الكاتب الصحافي درور فوير مندوب صحيفة «غلوبس» الإسرائيلية عن طاوب قوله السبت الماضي إن وضع إسرائيل اليوم مقارنة مع حروب سابقة أفضل وهي تتمتع بتأييد أكثر في العالم -. بسبب وجود «نضوج عالمي» وبالذات لدى القادرين على التفكير بشكل مستقل".
يبقى أن نقول أن من مصلحة إسرائيل هو وجود طرف مقابل لها في الصراع كشماعة يتم تعليقُ صفة الإرهابي والهمجي عليها ممّا يجعلُ المُحتل في وضع مريح وأفضل من ذي قبل وهو يمارس القتل والتدمير والإرهاب المُمنهج والمدروس والتشتيت يحول دون إقامة كيان مُتكامل ووحدة فلسطينية خليقة بتكوين موقف قوي يُواجه القوة الظالمة بقوّة أكبر من قوّة السلاح الفلسطيني الذي لا يُجدي شيئا أمام القبة الحديدية والدرع الحديدي الإستباقي المُمانع لتحقيق أي خطوة نحو تكوين الدولة واستكمال تحرير باقي أراضيها المغتصبة.

إن مواجهة إسرائيل الناجعة تتمثل في التحالف الفلسطيني الفلسطيني بين الضفة والقطاع، مع تغيير حماس أساليبها التقليدية في مواجهة إسرائيل والحد من حماستها العاطفية المفرطة التي يستغلّها العدو لخطواته الهدامة للحلم الفلسطيني. وأن تقدّم الصورة الحضارية لصراعها مع العدو، تلك الصورة التي من شأنها أن تقطع أي صلة صورية فيها بالجماعات الإسلامية المتطرفة ممّا يجعلها في وضع مُناسب وفي الخندق المثالي الذي تفعل إسرائيل ما بوسعها للحؤول دونه.