2026-09-15 02:43 م

العنـف والاغتـيال والمـوت السـياسـي

2012-10-23
بقلم: سليمان تقي الدين

سيطر العنف على الحياة السياسية في لبنان منذ زمن بعيد. يتخذ العنف أشكالاً عدة، منها الأعمال والصدامات المسلحة ومنها الاغتيال. يهدف العنف إلى تسريع الحصول على هدف سياسي. فالاغتيال يزيل قوة خصم أو يلغي منافسة أو يقطع الطريق على تحوّل في ميزان القوى أو الموقف، أو يسعى إلى ترهيب جهة وغير ذلك الكثير. مسلسل الاغتيال منذ أربعة عقود طاول رؤساء جمهورية ورؤساء حكومات ووزراء ونواباً ومثقفين وصحافيين ورجال فكر وسفراء ورجال دين وموظفين كباراً وأمنيين.
تورطت جميع القوى الفاعلة الخارجية والداخلية على الساحة اللبنانية في عمليات الاغتيال. كان الانقسام والعنف بين اللبنانيين  سبباً رئيسياً لفقدان المجتمع مناعته. حصل نوع من الاستسلام لهذه الوسيلة الجرمية بعد أن استخدمها معظم أطراف النزاع. شرّع اللبنانيون نماذج من الاغتيال ذي النتائج الكبيرة والصغيرة. طاول الاغتيال قيادات وطنية كبيرة ومسؤولين حزبيين عاديين أو وجهاء محليين.
حين سيطرت قوى الخارج على الداخل تحوّلت الجماعات المحلية إلى أدوات لتنفيذ القتل في مصلحة الخارج. في تراث الحرب الأهلية والحروب اللبنانية المركّبة قائمة طويلة من الاغتيالات تناوبت فيها الجماعات على القتل والقتل المضاد. صار القتل مسكوتاً عنه ومسألة مخصوصة بالمتضرّر المباشر لا قضية مجتمع. ما خلا اللياقات الاجتماعية المشفوعة بأعلى درجات «التكاذب المشترك»، لم يتوحّد اللبنانيون ضد سياسات ومنظومات القتل والاغتيال، بل هم انقسموا بين متضرّر ومستفيد. تأصّل العنف في العلاقات الاجتماعية وتجذّرت فكرة مشروعية إلغاء الآخر.
في هذه الحرب لم يقع تمييز بين القاتل اللبناني وغير اللبناني. اتخذ اللبنانيون لأنفسهم هويات مستعارة جديدة ولو مؤقتة. هم ضد هذا الطرف الخارجي أو معه، ضد هذا الفريق أو معه، بصفات والتزامات توالي أو تعارض انطلاقاً من سياسات عارضة أو متغيّرة. لم يعد للمجتمع مبدأ يقف عنده ولا قضية واحدة يلتزم بها ولا قواعد ضامنة لطبيعة النزاعات ولا طبعاً مرجعية لتدبير النزاعات والسيطرة عليها. ليس من نظرة ثابتة لإسرائيل أو الفلسطينيين أو السوريين ولا لمواقف الطوائف وأحزابها. لا جدال في أن السياسة فعل متحرّك، لكننا لم نمارس السياسة كوسيلة لحل المشكلات، ولا المناورة والتفاوض والتسوية في اتجاه تقوية عناصر الاجتماع السياسي المسالم. صار العنف المادي أكثر حضوراً من لعبة السياسة وأكثر جدوى وفاعلية لمجتمع فقد هويته المشتركة وإلغاء الآخر فيه مهمة «أخلاقية» وأحياناً مهمة «إلهية» وفريضة دينية.
يحمل اللبنانيون جثث شهدائهم على أكتافهم ويطلبون الثأر كأي مجتمع قبلي. ليس صحيحاً أن في وجدانهم المشترك مكاناً لشهداء من أجل الوطن، ما دام وطنهم أوطاناً طائفية متقابلة. لم يتفقوا في الحاضر ولن يتفقوا على التاريخ.
وما زالوا ينكرون علّتهم فلا يتصدّون لمعالجتها. لا يعترفون بتعدّدهم، بتنوعهم، باختلافهم، بمشكلة عدم المساواة في ما بينهم، بل يكذبون على أنفسهم حين يفترضون الولاء لوطن واحد أو لكيان أو دولة أو مجتمع أو ثقافة. ليس واقعهم التاريخي وتكوينهم شواذاً إلا لأنه لم تتوافر لديهم إرادة «العيش المشترك» الحقيقي، كما هو حاصل لمجتمعات أكثر تنوعاً وأقل تماسكاً وانسجاماً في عناصرها المشتركة.
ولطالما كان الاجتماع السياسي إرادة واعية حرّة أو عقداً أو مصادفة أو حصيلة معطيات تاريخية، فهذه جميعها لا تزن وزنها في دور الإيديولوجيات اللبنانية الممتدة من العالم الكبير إلى عوالم القرى والدساكر وغرضياتها المحلية. في لبنان وحده يتعايش نظام العولمة الأكثر انفتاحاً مع منظومة العائليات السياسية وحيوية ثقافتها وفاعليتها على مستوى المجتمع الوطني. فلو نحن استعرضنا القوى السياسية وجدنا الانتساب إلى تيارات فكرية كبرى إقليمية أو عالمية وإلى عناوين عابرة للقارات بينما تتشكّل هذه القوى على عصبيات محلية مختلفة. وقد لا نجد في العالم ظاهرة مثل الجماعات الحزبية الصغيرة المكوّنة من مئات بل من عشرات الأشخاص منذ عقود ولم تضجر من نفسها في طلب تغيير العالم.
الأحزاب اللبنانية منشغلة في تغيير الأوضاع الإقليمية ومتورطة مادياً فيها وهي لم يسبق أن أنجزت مهمات محلية بسيطة تتصل بالأمن أو بالاستقرار أو بالأوضاع الاجتماعية. وتكاد هذه الأحزاب تفشل في إدارة مجلس بلدي وفق متطلبات الحياة المعاصرة وتصر على القيام بدور في المستوى الإقليمي عجزت عنه قوى دولية كبرى.
مفارقات الحياة اللبنانية أن انقساماتها تدور على مطلب سلطوي يستحوذ على النفوذ والهيمنة من غير أن يكون لأي طرف استعداد موضوعي لقيادة مجتمع موحّد وإدارة تنوّعه واحتواء تناقضاته.
تقوم السياسات اللبنانية كلها على الإقرار والاعتراف بالتعدّد والتنوّع في المكوّنات و«الهويات» الطائفية والدينية، فضلاً عن الاتجاهات السياسية، ويسعى الفرقاء إلى ممارسة الإنكار لمقتضيات هذا التعدد والتنوع تحت ستار قضايا «وطنية» كبرى. ولطالما اختبر اللبنانيون أن سيادة هذا البلد واستقلاله كانا دائماً مرتبطين بوحدته الداخلية، بوحدته الوطنية، أو بعيشه المشترك، أو بتوافقيته، أو بالتسويات السياسية، وكلها ذات معنى واحد. لكنهم يتصرفون في «الشطح السياسي» فلا يعرفون حدوداً لطموحات غالباً ما كانت أكبر من لبنان نفسه كياناً ودولة وشعباً ومقومات. وثمة مخرج وحيد للسلامة، لوقف العنف والقتل والتدخل الخارجي والانقسام المتوتر يكمن في ممارسة السياسة كمهمة لامتصاص العنف من العلاقات الاجتماعية وإخراجه من باطن العلاقات المأزومة. والسياسة تفترض لها أفقاً يرتسم في حدود مجتمع معيّن له الأولوية على ما عداه وله صورة جامعة هي الدولة. واللبنانيون ما زالوا مجتمع أو مجتمعات اللادولة.