2026-09-13 08:21 ص

المقاومة الفلسطينية بين قدرة الردع وعدم العودة للماضي.

2014-07-16
بقلم : محمد بكر*
مرة ً أخرى وبعد أقل من سنتين على حرب الأيام الثمانية , يعاود الكيان الصهيوني صياغة عدوان جديد على قطاع غزة بذات الأسلوب الهمجي والطريقة الدموية , والهدف وعلى لسان نتنياهو " تأمين إسرائيل ومواطنيها ومنع إطلاق الصواريخ من قطاع غزة " , كالبرق يأتي رد المقاومة, لا رادّ ولا صاد ّ لهديرها المزلزل في وجه ماسماه الاحتلال " الجرف الصلب" , لاقبةً حديدية ولاغير حديدية , بنيانٌ مرصوص وعصفٍ مأكول , تحت هذا المسمى انهمرت صواريخ المقاومة على المستعمرات والقواعد العسكرية الصهيونية حتى مدينة الخضيرة التابعة لحيفا كان لها نصيب ٌ من القصف وهي التي اعتادت أن تتلقى الصواريخ في السابق من حزب الله, والكلام هنا لصحيفة لوس أنجليز تايمز الأميركية , في إشارة واضحة للتطور الحاصل في قدرة الردع , بدورها حذرت صحيفة كريستيان مونيتور الأميركية الكيان الصهيوني من أن الصراع يمنح حماس فرصة لاستعادة مكانتها وقاعدتها الشعبية خلال العام 2006, ولاسيما بعد فقدانها حلفائها الإيرانيين والسوريين , فهل تعود المياه الحمساوية من بوابة التصدي للعدوان إلى "سواقيها " الطبيعية ؟؟ مصادر إسرائيلية لاتجد حرجاً في الإعلان أن أي اتفاق تهدئة سيكون مختلفاً عن الاتفاقات الأخرى ومن خلال ضمانات اقليمية ودولية تلزم حماس وتساهم في إدارة الصراع وليس إنهائه , سرعان ما تواردت ردود المقاومة تباعاً إذ أكدت حركة الجهاد الإسلامي أن اتفاق التهدئة في العام 2012 قد أصبح خلف الظهر, ولايمكن أن يكون من نتائج هذه المعركة العودة إلى الماضي , حركة حماس بدورها تعلن أن المقاومة لن تقبل بمعادلة " الهدوء مقابل الهدوء " ,فأي مستقبل للقضية ترسمه المقاومة في معركتها مع العدو الصهيوني ؟؟ وهل أن الأزمة المستعرة هي فقط بين الكيان الصهيوني وحماس كما عدها المبعوث الأميركي الأسبق لمحادثات السلام ديفيد ميللر؟؟, وهل كانت تطورات الملفات الأخرى بمنأى عن تطورات المشهد الفلسطيني ؟؟ وكيف نقرأ توقيت وأهداف هذا العدوان؟ وماهي الرسائل التي بعثتها المقاومة من خلال ردها النوعي؟؟ في اعتقادنا أن العدوان الصهيوني يأتي في إطار " كشف القدرات", والتحديد الفعلي لمستوى الردع الذي تمتلكه المقاومة , ولحجم مخزونها من السلاح النوعي ,ولاسيما بعد إفرازات ماسمي بالربيع العربي, لجهة تصدر الإسلام السياسي لمشهد الفوضى الحاصلة على امتداد الجغرافيا العربية ومارافقه من تداعيات " القطيعة " بين حماس وبقية أقطاب جبهة المقاومة من إيران إلى سورية وحزب الله, إضافة إلى أن كل مفاعيل الاشتباك السياسي والعسكري لجهة استيلاد الهشاشة في صلابة الموقفين الروسي والإيراني تجاه الحرب على سورية من جهة, وتحقيق مستويات مثالية من استنزاف القدرات العسكرية وتحديداً الصاروخية منها في مؤسسة الجيش العربي السوري وحزب الله من جهة أخرى قد باءت بالفشل , فكل مقومات وتشكيلات منظومة الردع التي كانت تشكل مصدر قلق للإسرائيلي في مواجهته السابقة مع حزب الله قد أصبحت في متناول المقاومة الفلسطينية التي باتت هي من يطبق اليوم نظرية " مابعد حيفا ", ومن هذه الزاوية نقرأ ونفهم ما نشرته صحيفة يديعوت أحرنوت بأن ( الحرب في غزة ستظهر مدى القلق الذي سيكون بالنسبة " لإسرائيل " في المواجهة المقبلة مع حزب الله ), وتالياً لم تعد المواجهة مع أقل الجبهات " تسلحاً وردعاً " وهي جبهة غزة بمنزلة النزهة , ومن الآن فصاعداً فإن على الكيان الصهيوني أن يبحث عن الإجابة على تساؤل ملح : أي سلاح نوعي إذاً يحتفظ به حزب الله ويتمكن بموجبه من الحفاظ على قدرة الردع وتطويرها ؟؟ وهو الذي أعلن وفي ذروة الحرب في سورية وعليها , أنه تسلم الأمانة من سورية وأصبح السلاح النوعي في " الحفظ والصون " . لاشك في أن ما أعلنته المقاومة الفلسطينية فيما يتعلق بملامح المعركة ومستقبل نتائجها لجهة أن العودة إلى الماضي قد أصبح خلف الظهر, وأنها هي من بات يمسك بزمام المبادرة ويحدد وجهة وسير المعركة يشكل تفصيلاً هاماً في هذه المواجهة, وخطوةً نوعية مؤثرة في الطريق الصحيح, وعليه فإن المزيد من الصمود وإطالة المواجهة سيفرض على العدو الانصياع " قسراً"لشروط ورغبات المقاومة, وسينتزع الحقوق التي لطالما ماطل ونافق الإسرائيلي في منحها لجهة الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية , وإن إبرام أي اتفاق بصيغة وفحوى اتفاق العام 2012 , والسكوت عما يدور في الكواليس حول سعي بعض الجهات الدولية والاقليمية لاستصدار قرار من مجلس الأمن هدفه تصنيع انتصار سياسي للكيان الصهيوني على حساب المقاومة وسلاحها, سيشكل عودة ً لنقطة الصفر,وتكراراً للماضي, وتالياً استهتاراً بدماء الشهداء, و نقضاً للعهود وتملصاً من تحمل المسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه شعبنا الفلسطيني, وعليه فإن استغلال الحدث والهبة الشعبية في الضفة , وترميم التصدعات والعمل على إعادة التموضع في المكان الصحيح, يعد أمراً ملحاً في لعبة الأمم وتصنيع المحاور, ومن العوامل الرئيسة في تغيير قواعد وشكل الصراع. جملة من الرسائل كانت حاضرة بقوة في مشهدية المواجهة ولاسيما من خلال الأداء البطولي لفصائل المقاومة وتفوقها في تحقيق قدرة الردع المطلوبة ومفاجأة العدو: - رسالة واضحة للذين وصفوا صواريخ المقاومة بأنها عشوائية الوجهة وعديمة الجدوى , ولا زالوا يلهثون وراء الوهم , خيار الجبناء والضعفاء , خيار التسوية والمفاوضات , بأن استراتيجية المقاومة, ولغة الصواريخ, هي الخيار الأنجع للتعامل مع ذلك العدو, وكل ما عدا ذلك هو العشوائي وعديم الجدوى , ولن يجلب إلا مزيداً من الغطرسة والعنجهية الإسرائيلية. - رسالة شديدة اللهجة لما يسمى جامعة الدول العربية التي أضحت جامعة ًللنعاج, بأن المقاومة لاتريد بيانات هشة دون مستوى الحدث , وإلا فليوفر المجتمعون عناء الاجتماع , وبالتأكيد فمن يصدر بياناً حول المقاومة وبغياب سورية " اللاعب المهم والمؤثر في قضايا المنطقة " , لن يكون إلا هامشياً ومفاعيله بحجم النعاج و حتى الأرانب. - أظهرت هذه الحرب مستوى النفاق السياسي المتجذر في سياسة الغرب وكذلك الأعراب من خلفهم لجهة تعاطيهم مع قضايا المنطقة , فالذين ما انفكوا عن المطالبة بضرورة تسليح "المعارضة السورية " وتعديل موازين القوى على الأرض, وقدموا أنفسهم أصدقاءً للشعوب, هم أنفسهم اليوم من يؤكدون صداقتهم "لإسرائيل" , ويعمون العيون , ويملؤون الآذان قطناً وطين عما يجري في غزة, إذ أكد دبلوماسي أوروبي أن إسرائيل أدارت من وراء الكواليس مشاورات مع جهات دولية واقليمية وعربية قبيل العدوان على غزة. - شكلت هذه الحرب امتحاناً حقيقياً وضع كل منظري الحرية و الديمقراطية على المحك, وكذلك الذين لا ينفكون نسجاً للفتن, واستهزاءاً بمحور الممانعة وقد وصفوه بمحور" الممايعة " و"بالقومجي واليسارجي والعربجي والصفوي" . فهاهي الصواريخ التي أمطرت مستعمرات الكيان الصهيوني ومواقعه العسكرية هي من الصناعة الإيرانية والسورية ,وهاهي النيران تستعر في أرض فلسطين , ولظاها يحرق أبناء غزة فليثبت لنا هؤلاء, كيف تكون المقاومة , وكيف يكون البلاء.
* كاتب فلسطيني مقيم في سورية