اقترب كأس العالم المقام بالبرازيل لهذا العام 2014 على الانتهاء، واقتربت معه آمال [جماهير قليلة جداً بالفوز باللقب، بعد أن تحطمت آمال أغلب شعوب العالم في الوصول للمباراة النهائية، ولعل السمة البارزة في هذا المونديال هو الظهور العلني والمؤثر لمكاتب المراهنات والمافيات في نتائج المباريات خلافاً لما كان يأتي بالسابق كما في مونديال فرنسا 98 أو مونديال كوريا واليابان على أقل تقدير، ويتم ربما التحضير لكأس العالم من أيام المباريات الودية التي لعبتها المنتخبات المشاركة في المونديال تحضيراً له، في حين بقيت الفرق العربية وحدها تسعى في أقصى طموحها إلى الظهور في المظهر اللائق أمام شعوب العالم، باعتبارها تنظر إلى المونديال على أنه رسالة حضارية ثقافية تحمل المحبة والسلام من الدولة المشاركة والشعوب المشجعة إلى كافة شعوب العالم المتابعة له، ومكتفية بمونديال الدم الذي ترسم ملامحه صراعات الدول الكبرى على الطاقة والغاز والسيطرة على القرار العالمي في مناطق سيادتها، في تقارب واضح بين المونديالين،
فالأول مونديال كرة القدم تحضر له الفرق والدول بعد الانتهاء من المونديال الذي يسبقه بالنسبة لأغلب دول العالم، في حين مونديال الدم العربي لا يجري التحضير له من الدول المشاركة به إلا وقت التنفيذ.
تقوم الدول المشاركة بكأس العالم بوضع خطط لاعبيها وكيفية التحكم بسير المباراة، ويكون اللاعب في الملعب هو صاحب القرار الأوحد في مواجهة خصمه، مدعوماً ومؤيداً برأي مدربه وجهازه الفني. في حين يستورد المشاركون بمونديال الدم العربي خطط القتل والتدمير مستوردة من الخارج، ولا يترك للقاتل في هذا المونديال إلا التفنن بالقتل والخروج عن الإنسانية.
تنشط مكاتب المراهنات في مونديال كرة القدم قبل المونديال بفترات قليلة، وبعضها ينشط فور انتهاء المونديال للتحضير للمونديال الذي يليه، في حين تتمثل مكاتب المراهنات في مونديال الدم العربي في عرّابي هذا المونديال، وهم في حالة نشاط علني على مدى أيام السنة، ويكون تحضيرهم لعدد من المونديالات حتى قبل انتهاء المونديال الذي يتابعونه في لحظتها.
ولعل نقاط التشابه بين مونديال كرة القدم ومونديالات الدم العربي قليلة جداً، لكنها في هذا العام تبرز بشكل واضح، والسبب يتجلى أولاً باستضافة إحدى دول البريكس (البرازيل) لهذا المونديال، والتي تشتهر بعشق أبنائها لكرة القدم وتفننهم بها، حتى أضحت البرازيل ولاعبيها بالنسبة لأبنائنا أسطورة في عالم كرة القدم،
وثانياً لأن كأس العالم في هذا العام ترافق مع مونديال هدر دماء الشباب العرب تحت مسميات الربيع عموماً، واستباحة دماء الفلسطينيين في غزة برعاية مكاتب المراهنات السياسية وتبييض المواقف والشخصيات على وجه الخصوص.
لقد اعتادت الشعوب التي تفوز باستضافة كأس العالم الذي يجري كل أربع سنوات، وتتابعه مليارات البشر على الشاشات، ناهيك عن الزوار والمرافقين لمنتخباتهم وفرقهم، على الاحتفال والابتهاج فرحاً لاستضافتهم لهذا العرس الكروي، وتحضيراً لإنجاحه لما فيه من مزايا سياسية اجتماعية ثقافية اقتصادية، فهو رسالة اقتصادية ثقافية سياحية على أقل تقدير توجه إلى شعوب العالم عبر النقل التلفزيوني لمبارياته، ناهيك عن عملية استكمال البنية التحتية التي تعتبر في العصر الحالي سلعة قابلة لدرّ الأرباح المادية على دولها بالإضافة لما تمثله من مزايا التكامل العمراني لهذه الدول.
إلا أن ما حدث في هذا المونديال هو الاضطرابات والمظاهرات التي عمت بعض المناطق في البرازيل رفضاً لاستضافة بلدهم لهذا المونديال بعد أن قامت حكومتهم بتجهيز البنية التحتية اللازمة لإنجاحه، وبعد أن حققت الحكومة البرازيلية تقدماً ٌاقتصادياً على سلم المؤشرات الاقتصادية فاقت بها مكانة إنكلترا في السنوات الثلاثة السابقة، والتي كان يتوقع لها بعد هذا المونديال أن تتبوأ إحدى المراتب الأربع الأولى في العالم، أي أن تصبح دول منظومة البريك متربعة على عرش الاقتصاد العالمي في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مواجهة فردية بين دولة ومنظومة.
إن أحداث هذا المونديال من اضطرابات ونتائج رافقت العديد من المباريات وكذلك الأمر فضائح لاحقت الحكام، وتدخلات من مكاتب المراهنات أيضاً على مستوى اختيار تشكيلة بعض المنتخبات، كانت مرسومة بما بخدم مافيات المال ومكاتب المراهنات، وهي في مجملها تخدم الإطار الليبرالي الذي كرس فيما مضى الثقافة الليبرالية حتى في مجال التعليم والأخلاق والقيم وعلوم الدين.
إن أبرز نقاط التشابه في كأس العامل 2014 بالبرازيل ومونديال الدم العربي، هو خروج جزء من الشعوب لتدمير دولها في الوقت الذي تكون فيه دولها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق إنجازات اقتصادية وحضارية هامة، وهو ما لا يمكننا أن نضفيه على شعوب هذه الدول بالقدر الذي يمكننا أن نسميه عدواناً عليها، عند تحقق بعض الإنجازات الاقتصادية التي ترتقي بشعوبها حضارياً.
فسورية قد تم تدمير بنيتها التحتية وإعاقة تطورها عندما انتقلت من الإطار النظري إلى التنفيذ العملي نحو إقامة أمة افتراضية تربط البحار الخمسة فيما بينها، وها هي البرازيل تسعى عصابات المال والاقتصاد العالمية إلى تدميرها عند تحولها عملياً إلى الأربعة الكبار في الاقتصاد العالمي. فهل تستطيع رئيسة البرازيل تفادي هذا التدمير الذي برزت مؤشراته مع رمزية المونديال، أم أننا سوف نشاهد مونديالات للدم مجدداً ولكن هذه المرة في القارة الأمريكية.
*باحث ومحلل اقتصادي سياسي
