2026-09-13 08:21 ص

سوريا تفشل الخطة "ب" لاسقاطها عبر العراق

2014-07-11
بقلم: سمير الفزاع
سمعنا منذ أمد بعيد ، تذمر عدد كبير من المسؤلين والمفكرين الغربيين وتحديدا في امريكا "كيسنجر ، مكنمارا ، بريجنسكي ... " من تآكل تركة (سايكس - بيكو) وأنها تحمل الكثير من التناقضات والاخطاء الديموغرافية والجغرافية والاثنية والقومية ... كما أنها لم تعد تُعبّر عن موازين القوى التي إختلت بشدة في الربع الاخير من القرن الماضي لصالح امريكا ... وآن موعد تغييرها وتعديلها بما يتناسب مع مصالحها ، ويتفق مع "التوّزع" القومي والطائفي والمذهبي في المنطقة . لكن أمريكا لا تستطيع تحمل كلفة القيام بهذه التغييرات الهائلة وحدها ، وخصوصاً بعد حروبها الكارثية عقب أحداث 11/9 في أفغانستان والعراق ... ، وشروعها في الإنكفاء الكوني ، فما هو الحل ؟ . * بتريوس ، "نجم" يسطع في سماء نينوى : قصة الجنرال بتريوس مع محافظة نينوى قديمة ؛ حيث تولى قيادة الفرقة 101 المحمولة جواً خلال غزو العراق عام 2003 ، وكان من مهمات الفرقة إحتلال محافظة نينوى ومركزها ، مدينة الموصل !؟. حققت الفرقة مهمتها بدرجة عالية من النجاح في نطاق عملها بعد إحتلال المحافظة من خلال المنهج الشامل الذي اتبعته في مكافحة "التمرد" . وبعد انتهاء مهمة الفرقة التي كان يتولى قيادتها عاد إلي واشنطن ، وذلك قبل أن يتم ترشيحه للعودة إلى العراق كقائد للقوات الأمريكية خلفاً للجنرال جورج كيسي في 25 كانون ثاني 2007 . كان من أهم أسباب ترشيحه لهذا المنصب أنه أحد مهندسي الخطة الجديدة للرئيس الأمريكي "جورج بوش" لإنقاذ قواته في العراق ، والتي تقضي بإرسال 21500 جندي إضافي إلى بغداد لمواجهة المقاومة العراقية التي شكلت خطراً كبيراً علي قوات الاحتلال ، وكانت سبباً رئيسياً في إقالة سلفه . يحتل "بتريوس" مكانة خاصة في الأوساط العسكرية فالجميع يكيل له المديح عن الفترة التي أمضاها - عامين ونصف العام - في العراق كقائد للفرقة 101 المحمولة ، وكرئيس لبعثة تدريب قوات الأمن المحلية " الصحوات" والتي حقق فيها أهداف كثيرة للاحتلال . لدى عودته إلى الولايات المتحدة بعد إنهاء جولة خدمته الثانية في العراق ، أشرف على تحسينات مهمة في خطة إعداد الجيش الأمريكي للقادة والوحدات ليتم نشرهم في العراق وأفغانستان . ومن هذه التحسينات ، توجيه عملية تطوير كتيب الإرشادات الميدانية للقوات البرية وقوات المارينز الأمريكية الخاص بمكافحة "الإرهاب". وبعد ذلك عاد إلى العراق في العام 2007 ليقود عملية زيادة عدد القوات ، وتوجيه الجهود لتطبيق مفاهيم مكافحة الإرهاب المذكورة في كتيب الإرشادات . وخلال 19 شهراً ونصف كان يشغل فيها منصب قائد القوات المتعددة الجنسيات في العراق ، انخفض معدل "العنف" بنسبة 90% ، وتراجع عدد القتلى في صفوف الجنود الأمريكيين الى أدنى مستوى منذ الغزو في 2003 ؛ حيث وضع بالشراكة مع بندر بن سلطان إستراتيجيته لمكافحة التمرد – المقاومة – في العراق والتي كانت تقوم على عدة أعمدة ، منها : 1- - ايجاد قوى محلية في كل منطقة ، مستعدة للضرب باقصى قوة ، وبأبشع ما يكون العنف حيثما تريد واشنطن ، وتجنيب الجنود الأمريكيين قدر الإمكان الإحتكاك بالسكان المحليين من جهة ، وإقامة علاقات خاصة مع "قادة" محليين وضمان ولائهم من جهة أخرى . 2- استغلال كل حالات السخط الشعبي والجهل والتخلف و"الجزء المتصارع" من الموروث الديني ... في تنفيذ أهداف واشنطن ، وبإستخدام أبناء المنطقة ذاتها ، من خلال توجيههم عبر مفتين وشيوخ وكتاب ومثقفين وإعلاميين ... بلا دين ولا قيم ولا أخلاق لينظّروا لهؤلاء ؛ فيغسلوا عقولهم ، ويتملكوا جوارحهم ... ويسلموهم – عندما تحين اللحظة - في الميدان إلى "زعماء وقادة ميدانيين" غرائزين نفعيين ، ومجرمين قتلة ، ليمارسوا أبشع الجرائم وأفضع الإرتكابات . 3- إستغلال حالة "التنافر" و"التصارع" مع الأكراد ، ونزوع بعض قادة الأكراد للإنفصال نهائياً عن العراق لتمرير سياساته ، وزيادة حدّة الصراع بين العرب والكرد ... ويبقى هو - بتريوس - من يمسك بخيوط اللعبة ، والقادر على إبقاء العراق "موحداً" إلى المدى الذي يريد !. وفي هذا السياق تحديداً ظهرت بذور داعش وأصولها ؛ حيث غذى بترايوس الإقتتال السني – الشيعي ليحافظ على سلامة الإحتلال الأمريكي للعراق ، ولكن المقاومة العراقية ، وبكل فصائلها ، تمكنت من دحر الإحتلال وإخراجه في العام 2011 بمساعدة سوريا وإيران وحزب الله . خرج بترايوس وجنوده ، وبقيت داعشه – تطورت تحت مسميات عدة منها : قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين ثم الدولة الإسلامية في العراق - ، وأستمر الإقتتال العراقي العراقي ، وبقي دستور بريمر سيّد اللعبة ، ولم يُحسن الأشقاء العراقيون إستغلال النصر على واشنطن لرسم معالم العراق الجديد بعيداً عن وصفات بريمر وبتريوس وبندر ... . * عن مسار الحرب : 1- قلنا ان هناك ارادة امريكية لتغيير خرائط سايكس بيكو ، انطلقت بقوة عقب احداث 11 ايلول 2001 ، وكان احتلال العراق المحطة الكبرى فيها ، والمنصة السياسية – العسكرية لإحداث هذا التغيير بقوة الحضور العسكري الامريكي المباشر ووفق استراتيجية الصدمة والرعب التي بدأ بتنفيذها في العراق . ولكن النتائج كانت مخيبة ، فكان عدوان تموز 2006 لتغيير المنطقة من الخاصرة اللبنانية هذه المرة ، وأعلنت وزيرة خارجية امريكا من بيروت (ولادة عسرة لشرق اوسط جديد) ولكن المشروع تعثر مرة اخرى ، بل وبدأت حقبة الثقل العسكري الامريكي المباشر بالأفول ، وفشلت كل محاولات تفجير سايكس - بيكو من الخارج ، وانتصر حلف المقاومة . 2- وصلت القضية الفلسطينية الى طريق مسدود وبلغت السلطة مرحلة لا يمكن فيها تقديم المزيد من التنازلات ، وتعاظمت قدرات المقاومة الفلسطينية في غزة حتى اصبح التحرش بها ، لا غزوها ، أمر مكلف للغاية . وفي الشمال من فلسطين ، يراكم حزب الله قدرات وامكانات صار معها تحرير الجليل وشمال فلسطين ، عنوان للحرب القادمة . والجيش العربي السوري ، يتقدم ليل نهار ، ويطهر الارض خطوة خطوة ، ومشروع "الربيع العربي" يحتضر ، وأفق الكيان الصهيوني يزاد انغلاقا ... كيف نخرج من هذا المأزق ؟ . 3- في سياق الانسحاب المباشر الامريكي من المنطقة ، والذي تحدث عنه علناً في مقال مكتوب وزير الحرب الأمريكي "غيتس" في العام 2011 ، حاولت أمريكا والكيان الصهيوني وحلفائهما في المنطقة بكل قواهم ، تنفيذ واحد من أمرين بشكل متوازي : إما خلق تسوية إقليمية تحفظ لها مصالحها ، وإما "خلق اسرائيل" أخرى بإيقاظ "التناقضات" المجتمعية والتاريخية ، أي خلق كيان جديد يتم تركيز الصراع السياسي والعقائدي والعسكري حوله ، وهنا ظهرت أهمية وخطورة ثنائيات " السني – الشيعي ، كردي – عربي ... " في تفتيت المنطقة ونقل وجهة الصراع . فمنذ أن اصبح الجنرال "يتريوس" قائد للقوات الأمريكية خلفاً للجنرال جورج كيسي في 25 كانون ثاني 2007 ثم قائد للمنطقة الوسطى في تشرين الثاني 2008 ، ومديراً لـ( CIA) في حزيران 2011 ، خلال هذه الفترة نجح يترايوس بمساعدة بندر بن سلطان في صياغة استراتيجة جديدة للحروب الامريكية في المنطقة معتمدين على المقاتلين المحليين المدحجيين بالايدلوجيات الاسلاموية المتطرفة ، ومستفيدين من "التناقضات التاريخية" في المنطقة ؛ كثنائية سني - شيعي ، لكن المخاوف من نتائج هذه التجربة وآثارها على الكيان الصهيوني ودوره في المنطقة ... افضى الى انهاء الحياة المهنية لبترايوس العام 2012 بفضيحة جنسة ، وتجميد المشروع . فجأة ، يتم الإلتفات إلى تركة بترايوس القذرة ، داعش . أداة ، صناعة امريكية ، وبتمويل ومشورة سعودية ، و"أبطالها" وجنودها محليين ، فلماذا لا يتم استخدامها لتفجير صيغة سايكس بيكو من الداخل لا من الخارج هذة المرة ؛ أي عبر مكونات المنطقة لا من خلال جنود المارينز ؟ . * تفجير المنطقة : سوريا تنتصر على "مشروع الربيع العربي" ، فتقرر الذهاب لتفجير العراق ، وصناعة "اسرائيل" جديدة بإستيلاء الأكراد على كركوك ومناطق أخرى "متنازع عليها" ، وتعميق مأزق سوريا في حربها مع الجماعات الإرهابية في منطقة الجزيرة السورية ، والإستفراد بالفلسطينيين ، وإنفتاح عربي كامل على الكيان الصهيوني ، وتقطيع أوصال حلف المقاومة ... للخروج من المأزق الوجودي لواشنطن والكيان الصهيوني وأذنابهما . من أين ستكون البداية ؟ من محافظة نينوى . إستدعي بندر بن سلطان ليقود "دواعشه" ، وأنطلقوا من المحافظة التي سلمها "وزير الدفاع العراقي" سلطان هاشم لبترايوس دون قتال إبان غزو أمريكا للعراق في العام 2003 ، ليعود ويسلمها عدد من "القادة العسكريين" ومحافظها الخائن أثيل النجيفي وبعض الإنفصاليين الأكراد لداعش . وهنا كانت المصيدة الكبرى للاكراد (ولنتذكر المسعى الأمريكي تنفيذ واحد من أمرين بشكل متوازي ...) حيث "نجحت" واشنطن والكيان الصهيوني وتركيا الى مديات كبرى في جعل اقليم كردستان "اسرائيل الجديدة" وهذا يحقق عدة اهداف دفعة واحدة ، منها : 1- "اطفاء" الصراع العربي الصهيوني وتركيز الانتباه على بؤر توتر وصراع اخرى مستحدثة . 2- الدخول في صراع عربي - كردي يدوم لعقود يمزق العراق وسوريا ، ويستنزف قواهما ويبعدهما عن ساحة الصراع العربي الصهيوني لوقت طويل . * اين تعثر المشروع : تكلم الكثيرون عن إختراق داعش للحدود ، وعن سيطرتها على قلب العراق ، وعن دولتها القادمة ، وحدها سورية تصرفت دونما الكثير من الكلام ، طائرات سلاح الجو العربي السوري تخترق الحدود ، وتقصف تجمعات داعش ، وخطوط إمدادها ، ومراكز تجمعها ، وتقف بقوة بوجه مخطط إنهيار العراق . وصلت الرسالة إلى من يعنيهم الأمر : تحطيم حدود سايكس بيكو لن يكون بإتجاه واحد ، وليست داعش الوحيدة القادرة على تجاوزها ، سنكون مع العراق ، وسنقطع اليد التي تحاول تقسيمه ، ولن نسمح بسايكس بيكو جديد ، وإذا كان لابد منه ، فنحن من سيرسم الخطوط ، وهذه طائراتنا تبلغكم رسالتنا ، وليكن الطوفان . يصل نائب وزير الخارجية الروسي ، ويلتقي الرئيس بشار حافظ الأسد ، ويقول : لقد عرف الجميع الآن بأن سوريا لم تفقد قوتها العسكرية عندما تخلت عن سلاحها الكيماوي ، وهي قادرة على خوض حرب خارجية في نفس الوقت الذي تحارب فيه الجماعات الإرهابية ، وروسيا لن تبقى مكتوفة اليدين إزاء محاولات جماعات بث الإرهاب في دول المنطقة ، ومواقفها ثابت في العمل كصديق وشريك مع سورية لإرساء الأمن والاستقرار في المنطقة . . يسقط سيناريو المخطوفين الصهاينة الثلاثة ، ويضطر كيان العدو "لصيانة قوة الردع " . إبتلع الطعم ، وبدأ مشوار هزيمته في غزة . وبندر سيكون ملزماً "بلملمة" دواعشه ، ليضمنوا بقائهم من خلال المشاركة بتحالف ستكون من مهماته تصفيتهم . الكل يدرك بأن الأسد سيسحق داعش ، ومن ينتصر عليها ، ويسقط مشروعها ، سيكون سيد المنطقة ، ألم يقولوا يوماً ؛ بأن من يقطع رأس الأفعى سيكون سيد الحيّ .

الملفات