2026-09-13 03:25 م

ثقافة استهلاك المصطلحات

2014-06-23
بقلم: الدكتور يحيى محمد ركاج
تعتبر ثقافة الاستهلاك أو الاستهلاك كثقافة سمة ملازمة للمجتمعات الرأسمالية عموماً، وللمجتمعات التي تمر بطور التحول على وجه الخصوص، فهي تقوم على اقتناء الأشياء أو القيم التي لا تعطي أي قيمة إضافية لأصحابها في مجالي الإنتاج المادي أو الفكري، أو التي تُرمى بعيداً حين ينتهي أصحابها من استخدامها، فهي –كما يراها البعض- رزيلة كبرى، لكن الإقتصاد، والسياسة التي تقوم على ليبرالية الفكر والمضمون، لا يمكنهما تجاهلها أو الاستغناء عنها، لأن النمو الاقتصادي الذي ترتكز عليه التنمية بمضامينها المختلفة لا تقوم على إشباع الحاجات الضرورية للأفراد فقط، بقدر قيامها على إشباع رذائلهم أيضاً. وترتبط هذه الثقافة بالمتعة الناجمة عن الرفاهية أو إشباع الحاجات الإنسانية، من خلال دور الإعلام المعولم، تحت أسماء وماركات عالمية، وشركات متعددة الجنسيات عابرة للقوميات، بحيث أصبحت جزءاً من أساسيات التداول بين البشر رغم اختلاف اللغات والثقافات بينهم، من خلال خلق وتنميط الأذواق، وخلق إجماع زائف على استهلاك سلع وخدمات وقيم قد لا تكون ضرورية بالمجتمع، أو قد لا تتوافق مع أوضاع المجتمع واحتياجاته المعيشية. وتؤدي ثقافة الإستهلاك إلى توفير مصادر عديدة للمعلومات أمام الأفراد، فتفتح الطريق أمامهم لتبادل مجتمعي حر، يقود في النهاية إلى تفاوت طبقي في المدى غير المنظور، وإلى التغريب وطمس الهوية وتهديد اللغة والوجود، من خلال طبعة إستهلاكية رخيصة غير قادرة على بناء مثال أخلاقي، أو تحقيق التفاعل والتواصل بين المجتمعات بما يحقق المواطنة والإنتماء. لقد نجم عنها في جمهورية مصر العربية سابقاً ظواهر خطيرة كانت مؤشراً لما شهدته مصر من تحويل في توجهات الشباب المصري نحو قضايا الأمة المصيرية بما فيها فلسطين والأقصى، ومن ثُمَّ كانت نقطة البداية للإنتشار في باقي أقطار الوطن العربي، فكانت حصيلتها ثقافة جديدة على شباب الأمة كُتبت سطورها بدمائهم تحت مسميات الربيع العربي الذي يقوده ليفي وفورد وغيرهم من الصهاينة ومورديهم. فأحدثت خرقاً اجتماعياً ساهم في اختراق عقول الشباب وتضليلها حتى أضحت عقولهم تتقبل انقلاب المصطلحات والمفاهيم، فكان التسويق التدريجي لتنفيذ خريطة الشرق الأوسط الصهيوأمريكية عبر التعامل مع الكيان بدواعي الخدمات اللوجستية التي يقدمها الموساد للإرهابيين المعتدين على سورية بدواعٍ إنسانية، وصولاً إلى تقبل الكيان الصهيوني في هيئة الأمم في لجنة مكافحة الإستعمار، وكأن الأراضي العربية التي تحتلها دولة الكيان من فلسطين والجولان وشبعا ليست موجودة في ذاكرة المجتمع الدولي، وكرامة الشباب العربي ليس لها أي اعتبار أو وزن لدى المجتمعين في عصبة الأمم. ولم يقتصر الأمر في ثقافة إستهلاك المصطلحات على موضوع الكيان الصهيوني ومحاولة فرضه من خلال تغيير المفاهيم والتاريخ فحسب، بل تعدى الأمر محاولة التطبيع التنفيذي مع الكيان الصهيوني إلى تشويه صورة الطرف الأخر المقاوم له بعد أن تمكنت القوى الصهيوأمريكية من اختراق المفهوم الإسلامي لدى شباب الأمة، من خلال شرذمت المفاهيم الإسلامية لدى الشباب إلى مذاهب وملل وطرق تعبدية دخيلة على مفاهيم الدين الحنيف تحت مسميات مذهبية فئوية تشمل ما بقي في الذاكرة من حزب البعث في العراق لا تمت له ولا لمبادئه بأي صلة، في محاولات مفضوحة لطمس الهوية العربية للأمة، وتشويهٍ للعلاقة بين العروبة والإسلام، وتأليبٍ الرأي العام ضد صمود وانتصار حزب البعث في سورية في مواجهة الفكر التكفيري والإرهاب الدولي الذي تواجهه، فبرزت في العراق (داع ش) المؤيدة ممن يجب أن يُسأل عن سرعة وغموض سقوط بغداد بيد القوات الأنجلوسكسونية في عام2003م. إننا الآن أمام تحد جديد يتمثل فيما يتم تدبيره لمنطقتنا أسوة بما حدث قبل قرابة مائة عام في سايكس بيكو، وبطريقة مشابهة أيضاً لما جرى آنذاك من خلال تسويق مفاهيم جديدة يرى البعض أنها لا تدخل في مفهوم الإستهلاك، باعتباره يحمل طابعاً اقتصادياً صرفاً. إلا أننا نراها تحمل مفهوماً لثقافة استهلاكية معقدة تجمع بين السلع والقيم والأخلاق، وتقود في النهاية إلى لبرلة حياة الشعوب وكرامتهم، باعتبارها سلعة رخيصة أمام من يملك أكثر، ولا يمكن مواجهته في صيغة اقتصادية صرفة لأن الصيغ الاقتصادية تبقى قاصرة بمفردها على تلافي سلبيات هذه الظاهرة، ما لم تترافق مع تدعيم معالم الهوية والانتماء، حيث الهوية بما تحمله من تراكمات فكرية سياسية اجتماعية تميز الفرد عن الآخرين، والجماعة عن الجماعات الأخرى، وتعتبر الركيزة الأساسية في مواجهة استهلاك المفاهيم والقيم ما دامت تحت مظلة الولاء والإنتماء إلى الوطن، سواء أكانت لهذه الهوية ميزة إنتاجية أم إستثمارية، أو الإثنين معاً.