2026-09-13 06:06 م

التلوث الفكري والثقافي والسياسي في العالم العربي

2014-06-20
بقلم: عوني الحمصي
تعتبر مشكلة التلوث البيئي– ومازالت- هي من أخطر ما تعانيه البشرية في العصر الحديث، من جراء ما ينتج عنها من نتائج كارثية وويلات لم تكن معروفة سابقاً، وزادت هذه المخاوف مع ارتفاع نسب التلوث الشعاعي نتيجة تزايد المفاعلات الذرية أو من استخدام وتفجيرالرؤوس النووية، لكن اللافت للنظر أنه مهما بلغت هذه المشكلة من صعوبة وتعقيد فإنهاعلى كل حال قابلة للعلاج أو للتخفيف من آثارها المادية كونها محسوسة يمكن مقاومتها بالإدارة والإرادة والتصميم والعزم والعلم والمعرفة، و من ناحية أخرى أصبح في حال وجد خلل في التوازن البيئ أصبح من الممكن ضبط هذا الخلل والتحكم به ومعالجته خاصة في المراحل الأولى من اكتشاف حدوث حالات التلوث التي يمكن أن تلحق بالبيئة أضراراً جسيمة، ولم يعد يخيفنا مثل تلك الحالات البيئية حين تقع بسبب التقدم العلمي والاكتشافات العلمية المستمرة لطرق المعالجة لتلك الحالات، ولكن الإشكالية التي تطرح نفسها اليوم في عالم كثرت فيه ما هو أخطر من هذه الحالات إلا وهو التلوث الفكري والاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي في العالم العربي، والتي تشكل بمجملها حالات مرضية مستعصية بحد ذاتها ومتداخلة ومتشابكة ومعقدة مع بعضها البعض.لا تظهر نتائجها ونعكاساتها على المدى القصير من جهة، ولا تظهر خفايا هذا التلوث الفكري دفعة واحدة إنما تظهر بشكل تدريجي يصعب حصرها من جهة أخرى، وخطر هذا التلوث أنه غير محسوس لا يشعر به أحد لأنه غير مادي، وهو لا يصيب منطقة معينة بذاتها إنما ينتشر بمساحات كبيرة كونه سريع العدوى. خاصة ونحن ندرك حقيقة هامة وهي أن التلوث الفكرى سريع الانتشار بين الأفراد و يصل مباشرة وبصورة متسارعة وينتشر بطرق ووسائل أسرع من أي نوع من أنواع التلوث البيئي الأخر فتلوث الهواء اوالماء اوالغذاء قد لايتجاوز المنطقة التى حدث بها التلوث فى حين أن التلوث الفكرى ينتشر كاللهيب ويلتهم الاخضر واليابس، ولعل من أخطر أدواته ووسائله المساعدة على الانتشار الإعلام المرئي والمسموع والمقروءة وشبكات التواصل الاجتماعية والانترنت والاشاعة المقرضة وغير ذلك التي يصعب السيطرة عليها خاصة فى ظل غياب الواعز الديني والاخلاقى وتدهور القيم بسبب الافتقار إلى القوانين الرادعة وغياب المؤسسات المعنية التى تنظم العلاقة بين افراد المجتمع التي تحفظ وتصون الموروث الثقافي والاخلاقي للمجتمع. لتشكل بمجملها عندما يسوء استخدامها قد تؤدي الى أمراض نفسية واجتماعية لا يمكن معالجتها لتبدأ بمسخ الشخصية والذات البشرية من خلال إجراء عمليات غسيل الأدمغة للبشر عبر نشر أفكار هدامة لجملة العلاقات الاجتماعية والقيم الإنسانية والإخلاقية والدينية التي تؤدي إلى خلل بجملة النظم الحيوية المجتمعية المبنية على الحب والخير والصدق والايمان لتنتهي على حب الذات والأنانية والحرص على المصالح الشخصية الضيقة، ولعل من أخطر تداعيات تلك الحالات المرضية التي يصل إليها الإنسان تبدل القيم الأخلاقية والمبادئ والحقائق في تفكيره، لذا أصبحت اللاأخلاقيات والمبادئ الباطلة ركيزة من ركائز السلوكيات الخاطئة ، والتي يصل بها الإنسان إلى أدنى درجات الحضيض والانتكاس،حينها يعتبر التلوث الفكري معششاً في كيانه أجمع ،بحيث يؤدي ذلك إلى تدمير المجتمعات الإنسانية،وهذ ما عبر عنه "برتراند راسل" بقوله:"الإنسان حيوان سريع التصديق، ويحتاج أن يؤمن بشئ، وفي غياب القواعد السليمة للإيمان سيرضى بما هو سيئ" وبالفعل هذا ما كشف حقيقة وسرعة انتشار التلوث الفكرى والثقافي والسياسي فى المجتمعات العربية في ظل ما يسمى "الربيع العربي" الذي خلق بيئة غير نظيفة اخلاقياً واجتماعياً وسياسياً تمارس فيها الانشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بمعاييرلا منطقية ولا عقلانية تحت مظلة الدين فى مدة وجيزة من الزمن بحيث اشتمل هذا التلوث الفكرى الجديد والخطير بكافة مكوناته وتداعياته سواء على المدى القريب أو البعيد فعلى سبيل المثال لا الحصر تغييرت الكثير من المفاهيم السياسية والاجتماعية والثقافية في العالم الثقافي العربي حيث غابت قيم المنافسة الاخلاقية ووسائل الحوار مما انتج الخصومات والدسائس والمكائد والتعدى على قيم الإنسانية والمجتمعية والدينية والاخلاقية بأسم الدين وباسم السياسة فنجد مفردات جديدة على المجتمع لم تكن مستخدمة على مدى عقود طويلة من الزمن تتناول الطائفية والعشائرية والمذهبية والمناطقية والعنصرية ، وظهرت تسميات لا مكانة لها لا في الدين ولا في القيم الإنسانية الاخلاقية مثل "جهاد النكاح" "جهاد المحارم" والقتل والذبح بأسم الله أكبر، بسبب نقص المناعة الوطنية والدينية والايمانية المكتسبة ، وتفاقمت أزمة احتباس في التفكير والسلوك العقلاني والمنطقي بسبب ضعف وإنهزام وقلة الوعي وإنعدام ضمير، اتجاه مجريات أحداث ما يسمى الربيع العربي وحتى في المشاهد البصرية ظهرت صور لم تظهر في التاريخ البشري ولا في العصور القديمة ولا في الوسطى فاقت حدود البربرية والهمجية كقطع الرؤوس وأكل الكبود والتمثيل بالجثث والتسابق في ارتكاب المحرمات كالاغتصاب والنهب والسرقة،وأعطيت شهادات الإيمان والتكفير وفيزة الدخول والخروج من الجنة من قبل أشخاص لا يمتون بشئ من الدين، لهذا ترفض الفكر الآخر والعقل الآخر ولن تسمح له بأن يعيش الحياة ،وفي ذلك نجد تجربة الإلغاء والتشويه والتسقيط، وداخله عقلية بدائية عصبوية نرجسية لا يهمها القضايا الوطنية ولم يعد رأي ورأي آخر ، ومن يحكم بغير الدين كافر، ومن يؤمن بالعلمانية والدولة المدنية ويلتزم بدولة القانون فهو زنديق وخارج عن شرع الله، وصورت الممارسات الإرهابية بصورة الجهاد، والإرهابي لبس عباءة الدين ليعد مجاهداً، واستخدم الدين الاسلامي لشرعنة الارهاب والقتل والتخريب للبنى التحتية للمبادئ والقيم للتعاليم الاسلامية السمحاء، في مثل هذا المناخ لم يبق من الإسلام الإّ اسمه ومن القرآن الإّ رسمه. والسؤال الذي يطرح نفسه يجاهد ضد من...؟ المسلم ضد المسلم والأخ ضد الأخ..؟ وأصبح للكتل السياسية أجنحة عسكرية للدفاع عن فكرها السياسى وفرض رأيها والزام الأخرين به وتأكيد احقيتها دون غيرها فى تمثيل الشعب. فتدنى مستوى الاخلاق والمعاملات لدى فئات المجتمع المختلفة فظهرت أدوات جديدة تستخدم فى المنازعات والخلافات بين الافراد فانتهت لغة الحكماء والعقلاء والحوار فى فض المنزاعات والتقاضى لدى جهات الاختصاص لحل المشاكل والانتقال إلى لغة القتل وبدأت تحويل الباطل إلى حق بقوة السلاح واستخدام العنف والتهديد وقطع الطرقات والسلب والنهب والتعدى على حقوق الأخرين وعلى الممتلكات العامة ووصل التلوث الفكرى الاجتماعى إلى درجة عالية من التخلف الاجتماعي لسببين أولهما نقص المناعة الوطنية المكتسبة وثانيهما الاحتباس النمطي الجامد في التفكير العقلاني حتى أصبح هذا التوجه ظاهرة مستعصية ربما تحتاج إلى عقود من الزمن لإعادة تأهيل البنى الثقافية والتعليمية والتربوية والاخلاقية للمجتمعات العربية عبر تعميق ثقافة التنوع وقبول افكار الأخرين بعيداً عن لغة القتل والتخريب وتعميق مفهوم الحوار الثقافي الفكري معاً. واللافت للنظر أن ظاهرة التلوث الفكري والثقافي والسياسي لم تأت من فراغ إنما من جراء داعمين وممولين لمثل هذا الفكر، والغريب بالأمر أن هذا الدعم الإعلامي واللوجستي بما فيه السلاح يأتي من مناطق تدعي التقدم والحضارة والثقافة والعلم والتكنولوجيا وثورةالاتصال. من أجل تحقيق التبعية الفكرية، عبر تزوير الحقائق ،وتزييف الفكر الإنساني، وشرعنة الإرهاب الفكري المعاصر ، وممارسة الدجل السياسي الدولي في ذلك، وحروب المعلومات والإعلام وصراع المفاهيم والايديولوجيات،والحرب العقائدية ،والدعايات السياسية التي تغرق العالم بسيلها الجارف. فأصبحت ترسل مع كل نسمة هواء نقية ذرات فساد فتاكة جرثومية تبيد معاني الشرف والطهر والعفاف بل وتحل مكانها معاني الخبث والفساد والرذيلة . لكن هذه المرة تظهره بمظهر العصرية والثقافة العالمية الجديدة، وعن طريق رسالة التحضر التي يمن بها المجتمع الغربي على الشعوب الاخرى،وبشعاراته المزيفة مثل "الديموقراطية" و"الحرية" "المساعدات الانسانية""حرية الاعلام "والتعبير عن الرأي" للتحول هذه الشعارات إلى غزو ثقافي واجتماعي وفكري جديد لأنه يدمّر الذّات، فلا ردّة فعل ولا مقاومة وإنّما تبعيّة إلى النّخاع ، وقد حمل رسالة التقدم والحضارة والمدنية ،من أجل أن لا تحدث مقاومة أو رد فعل أو احتجاج، وفي حال تم الرفض لهذا التلوث يعد رجعياً أو متخلفاً. أو غير عصري. ويرفض التطور والتقدم ..الخ. وبرأيي هذا استخفاف ببنية العقل العربي ولعل انتشار مخاطر التلوث الفكري الوهابي التكفيري القائم على نهج القتل التخريب والتدمير للبنى وللقيم الاخلاقية والدينية الصحيحة، والتي لا يمكن وصفه إلا بعهد الضلال والإضلال الذي أخذه أعداء الأمة على أنفسهم في وجه الإسلام الحنيف الصحيح، والتي قد تتأصل مع مرور الزمن صعوبة النفاذ اليها وازالتها لأن العقول أوعية متى امتلأ الوعاء ضاق حيزه وإذا ضاق حيزه نضح بما فيه فأصبح ذلك متمثل في القول والفعل على حد سواء، وما يجري من ما يسمى بالربيع العربي في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا والتي بمجملها تشير إلى كارثة حقيقية تواجه كل منظومة القيم والاخلاق العربية الأصيلة ،وهذا الواقع هوالذي يدعونا للتشاؤم وعدم الثقة بالمستقبل، ولهذا نظن إن الوضع سيكون أكثر كارثية ودموية وجفاء في حال مواجهة هذه الموجة التكفيرية الإرهابية الجديدة في المنطقة، ومع ذلك الجو سنظل نقول ونحلم بأن الإرادة سوف تفرض نفسها وتطرد هذا التشوه المرهون بالنضج وبالوعي الكامل للإنساتن العربي، وخاصة أننا نعيش اليوم أزمة حقيقية موجهة تتطلب منا جهود كبيرة لتحديد علاقات الاستقبال الثقافي الفكري بقوة العراقة التي تمتلكها الثقافة والأصالة العربية وديننا الإسلامي الحنفي فلذا يجب علينا أن تكون أساليب المواجهة لهذه الثقافة الوافدة قوية ومنيعة وأن نفرض ثقافتنا عبر المنطق العقلاني المستنير وهذا من مهام كل المؤسسات الإعلامية والثقافية والتربوية والدينية و بكل الوسائل الممكنة وحيث يات هل أن الجهاز الإعلامي بجميع وسائله وأدواته ومؤسساته يجب أن يتبنى عمليات الفرز لك لما يخل بالتوازن بين التطور التقني للحضارة والرفاه والتطور العقلي للإنسان . فمن كان ينتظر مخلصاً ومنقذاً. لن يُحررَ نفسه من مخاطر هذا التلوث. فليعتبر كل واحد منا نفسَه “مسيحاً”و”مهدياً منتظراً،وليمارس دوره في بناء الوطن لأن المسؤولية تقع على الجميع دون استثناء.