2026-09-13 09:59 م

زمن قلب المفاهيم والمعايير والمعاني

2014-06-19
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
نحن نعيش في عصر قلبت فيه المفاهيم رأسا على عقب واستخدمت فيه قواميس حديثة وجديدة مختلفة عن تلك التي الفناها في مدارسنا. في هذا العصر أصبح الدفاع عن الأرض والعرض والمقدسات والحرمات إرهابا أو هكذا يتم التسويق له، وأصبح الارهاب بكل اشكاله، وأكل لحوم البشر وأعضاء الجسد بعد شويها، وتدمير البشر والحجر ومحاولات القضاء على التراث الإنساني والحضاري والثقافي، والاعتداء على المقدسات وتفجير بيوت الله، ونبش قبور الاولياء والصحابة، هو دفاع عن الحرية وتحقيق الديمقراطية. والذي استجد البارحة هو ادخال مفهوم وتعريف جديد "لمكافحة الاستعمار" وأين؟ في المؤسسة الدولية التي تسمى زورا وبهتانا الأمم المتحدة. نحن من الرعيل القديم الذي عندما يذكر أحد "مكافحة الاستعمار" يخطر في بالنا مصر جمال عبد الناصر، فيتنام هوشي مينه، الجزائر وجبهة التحرير الجزائرية والرئيس بن بيلا ورفاقه وجزائر جميلة بو حيرد... الخ. أما الان فلقد انقلبت المفاهيم والمعايير والأسس، فبات عليك أن تدخل دولا استعمارية بقائمة الدول المكافحة للاستعمار. فأصحاب الأرض الأصليين أصبحوا هم المستعمرين (بكسر الميم), والمستعمر الذي أتى من بقاع الأرض ليعتدي ويقوم بطرد سكانها الأصليين ويستولي على أراضيهم بالقوة ويمارس سياسة التطهير العرقي تجاههم ويجبرهم على ترك اراضيهم، ويمارس سياسة القمع والإرهاب والتنكيل والتمييز العنصري بكل اشكاله على من تبقى على الأرض من السكان الأصليين، أصبح يصنف أنه "مكافح للاستعمار". وهذه ليست نكتة، ولا فبركة ولا شطحة فلسفية أو أكاديمية، ولا فذلكة فكرية بدون طعم، بل هي حقيقة تجسدت على ارض الواقع. فها هي الدولة الصهيونية العنصرية التي بحسب كل التعريفات السياسية المحقة تعتبر أنها الدولة التي تميزت بكونها دولة قامت على أسس استعمارية إحلالية، تفوز اليوم بمقعد في " لجنة مكافحة الاستعمار" في الأمم المتحدة. أين نحن من عام 1975 عندما صوتت الجمعية العمومية للأمم المتحدة على اعتبار "الصهيونية شكل من اشكال العنصرية والتمييز العنصري" بواقع 72 صوتا مع القرار و 35 دولة ضده وامتناع 32 دولة عن التصويت. تبدلت المواقف عام 1991 بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي وتمكن الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من تمرير قرار بإلغاء القرار السابق. واليوم تنضم الدولة العنصرية الى لجنة "مكافحة الاستعمار" في الأمم المتحدة. ولا عجب فنحن في الزمن الاغبر وزمن التحول في المفاهيم والمعايير وانقلابها رأسا على عقب. الزمن الذي تصرف فيه مليارات الدولارات النفطية لتدمير دول الوطن العربي. الزمن الذي تجند وتمول وتسلح فيه المجموعات الإرهابية من كل بقاع العالم لاستخدامها لتحقيق الاجندات الامريكية على أيدى وتمويل عربي خليجي خاصة، لإسقاط الأنظمة التي تقف حجر عثرة أمام السياسة الامريكية في المنطقة التي يراد تفتيتها وتقسيمها الى كانتونات متصارعة طائفيا ومذهبيا وعرقيا. مليارات الدولارات النفطية صرفت لخلق وتأجيج الخلافات والصراعات الطائفية والمذهبية في المنطقة. ما حققته الدولة العنصرية لم يكن ليتحقق لولا اتفاقيات اوسلوا المشؤومة وانخراط أطراف فلسطينية في مباحثات ومفاوضات عبثية لم تحقق شيئا خلال أكثر من عشرون عاما على المباحثات، التي أوهمنا بها العالم بأنها ستحقق السلام المنشود. المباحثات التي كانت من نتيجتها تراجع العديد من الدول عن مواقفها المتشددة تجاه العدو الصهيوني تحت مقولة " لماذا نكون أكثر كاثوليكية من البابا". ولم يكن ليتحقق هذا للدولة العنصرية لولا حرف بوصلة الصراع واعتبار أن العدو الرئيسي لم يعد الكيان الصهيوني الغاصب انما هو ايران، والقيام بحشد جوقة من وسائل الاعلام والكتبة الماجورين ودعاة الثقافة والفكر والعديد من المحللين، والاستعانة برجال دين ودعاة السلطان، لزرع بذور الفرقة ونشر الأفكار السامة والدعايات المغرضة والقصص والمفبركة والتحريض اليومي في المساجد، لتأليب الطوائف والمذاهب على بعضها البعض، وشيطنة الشيعة وتحليل دمهم، وشيطنة ايران وتصويرها انها البعبع الذي يريد ان يبتلع المنطقة بمجملها. ولقد ذهب الامر ببعضهم الى التعاون بشكل علني ومفضوح مع الكيان الصهيوني بأجهزته الأمنية وطبقته السياسية في التآمرعلى ايران ومحور المقاومة، وصرفت المليارات لهذ الغرض وكله بالتعاون والتنسيق أيضا مع الولايات المتحدة. لقد استنتجت العديد من دول العالم اننا لا نقف حقيقة ضد الدولة الصهيونية. ولما لا وهو يسمع ويقرأ بالصحف عن التعاون الوثيق بين دول عربية مثل السعودية والامارات مع الكيان الصهيوني والزيارات المتبادلة بينهم وعلى ارفع المستويات على سبيل المثال، والتصريحات الإسرائيلية بان العديد من الدول العربية لم تعد عدوة لدولة إسرائيل وأن هنالك العديد من نقاط التلاقي وان العدو المشترك هو إيران. ولما لا والعالم يقرأ أن السلطة الفلسطينية لم توقف التعاون والتنسيق الامن مع الأجهزة الأمنية الاسرائيلية يوما واحدا على الرغم من السياسات العنصرية والقمع والتنكيل اليومي للدولة الفاشية. لا شك ان المنطقة برمتها مقبلة على إعادة رسم الخرائط السياسية وربما الجغرافية أيضا، كما تدلل عمليات الفرز والاستقطاب السياسي الحاد والغير مسبوق التي تشهده المنطقة، ومن المؤكد ان هنالك عدد من الدول العربية ستجد في دولة الكيان الصهيوني حليفا استراتيجيا لها كما اثبتت الوقائع على الأرض والميدان وخاصة في سوريا.